أسئلـــة وأجوبـــة

العودة

نوح عليه السلام و غرق ابنه

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول البعض في سؤال وجواب:

«كيف يمكن له أن يعيش لحظة الضعف أمام عاطفة البنوة، ليقف بين يدي الله ليطلب منه إنقاذ ولده الكافر، من بين كل الكافرين؟!

وكيف يخاطبه الله بكل هذا الأسلوب الذي يقطر بالتوبيخ والتأنيب؟ ويتراجع نوح، ليستغفر، ويطلب الرحمة لئلا يكون من الخاسرين».

ويمكن لنا أن نجيب عن ذلك: «إن المسألة ليست مسألة عاطفة تتمرد، ولكنها عاطفة تتأمل وتتساءل، فربما كان نوح يأمل أن يهدي الله ولده في المستقبل. وربما كان يجد في وعد الله له بإنقاذ أهله ما يدعم هذا الأمل لأنه من أهله ولم يلتفت إلى كلمة: (إِلاَ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) سورة هود 40.

لأنها لم تكن واضحة».

ويقول في موضع آخر عن نوح الذي كان السؤال يلح على قلبه: «والحسرة تأكل قلبه على ولده أن الله وعده أن ينقذ أهله»(1).

إلى أن قال: «ولم ينتبه إلى كلمة: (إِلاَ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) فأقبل إلى ربه بالنداء الخ..» (2). فهل هذا الكلام صحيح؟؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطاهرين..

وبعد..

فإن هذا الكلام لا مجال لقبوله، وذلك لما يلي:

أولاً: إنه ليس ثمة من دليل ملموس يدل على أن نوحاً [عليه السلام] كان يعلم بكفر ولده، فلعله كان قد أخفى كفره عن أبيه، فكان من الطبيعي أن يتوقع [عليه السلام] نجاة ذلك الولد الذي كان مؤمناً في ظاهر الأمر، وذلك لأنه مشمول للوعد الإلهي، فكان أن سأل الله سبحانه أن يهديه للحق، ويعرفه واقع الأمور، فأعلمه الله سبحانه بأن ولده لم يكن من أهله

المؤمنين، وأنه من مصاديق (مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) فتقبل نوح [عليه السلام] ذلك بروح راضية(3).

ولعلك تقول: كيف يجهل نوح[عليه السلام] هذا الأمر، ألا يضر ذلك بنبوته وبشاهديته على أمته؟!

ويجاب: بأن الأنبياء إنما يتعاملون مع غيرهم وفقاً للعلوم التي ينالونها بالطرق العادية، لا بعلم النبوة.. ولعل الله سبحانه قد أراد أن يظهر هذا الأمر للناس.. ليكون ذلك درساً وعبرة لهم.

ثانياً: إنه ليس ثمة ما يدل على أن نوحاً [عليه السلام] قد عاش الحسرة

على ولده، من حيث إنه ولده.. فإن الأنبياء [عليهم السلام] يعيشون الحسرة على الكافرين لما يفعلونه بأنفسهم، لا لقرابتهم منهم.

والشاهد على ذلك ما حكاه القرآن عن نبينا الأكرم [صلى الله عليه وآله]، حيث خاطبه الله تعالى:

بقوله: (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) سورة فاطر 8.

ويقول: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) سورة الكهف 6.

ويقول: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) سورة الشعراء 3.

غير أننا إن تأكد لدينا أن نوحاً [عليه السلام] كان واقفاً على كفر ولده، فإن من المعقول والمقبول جداً فهم موقف نوح، على أنه [عليه السلام] قد أراد أن يفهم الناس الذين نجوا وهلك أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم وأحباؤهم، أراد أن يفهمهم من خلال الوحي الإلهي: أن لا خصوصية لمن نجا من أهل نوح [عليه السلام]، كما لا خصوصية لمن هلك منهم ومن غيرهم، إلا ما يدخل في دائرة الإيمان، فلهم النجاة، أو في دائرة الكفر فلهم الهلاك.. وأراد أن يفهمهم أيضاً أن القضية قد نالت فيمن نالت حتى نبي الله نوحاً [عليه السلام] في ولده.. وأن هلاك ذلك الولد لم يكن فيه خلف للوعد الإلهي، لأن المقصود بالأهل الذين صدر الوعد بنجاتهم هم أهله المؤمنون.

رابعاً: إذا راجعنا الآيات نفسها، فلا نجد فيها أنه [عليه السلام] يطلب من ربه نجاة ولده، بل فيها أنه [عليه السلام] قد اعتبر رحمة الله ومغفرته هي الربح الأكبر، وبها تكون النجاة من الخسران.

ولأجل ذلك نجده [عليه السلام] قد قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) سورة هود 45. توطئة للرد الإلهي الذي سيحدد خصوصية الأهل الموعود بنجاتهم، وهم المؤمنون، دون الكافرين.. حيث قد سبق القول بإهلاك الكافرين سواء أكانوا من أهل نوح [عليه السلام] أو من غيرهم.

خامساً: بالإضافة إلى ما تقدم نقول: إن نوحاً [عليه السلام] قد طلب من ولده أن يركب معهم، فقال: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَ مَنْ رَحِمَ) سورة هود 42 / 43.

وهذا ـ أعني قوله تعالى: (وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) سورة هود 42. يشير إلى أنه يراه مؤمناً، وأنه هو الذي رفض الركوب معهم، وعرض نفسه للهلاك مع علم نوح [عليه السلام] بأن التخلف عن ركوب السفينة معناه

التعرض للهلاك المحتم، وكان هذا هو خيار ولده نفسه..

ثم أشار [عليه السلام] إلى ما يفيد أنه لم يكن بصدد طلب نجاة ولده، ولا كان يتهم الله تعالى بخلف وعده، حيث صرح [عليه السلام] أن وعد الله هو الحق.. وقبل أن يتقدم بأي طلب من الله كان التعليم الإلهي له: أن لا يسأله ما ليس له به علم.

إذن، فهناك شيء لم يكن نوح [عليه السلام] مطلعاً عليه، حسب دلالة الوحي الإلهي، فجاءت استجابة نوح [عليه السلام] لتؤكد على أنه [عليه السلام] لم يسأله، ولن يسأله في المستقبل: (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) سورة هود 46.

ثم جاء قوله [عليه السلام]: (وَإِلاَ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) سورة هود 47.، فقد يدعى أنه تعالى أراد أن يؤكد هذه الحقيقة، حيث إنه قد استعمل كلمة «لا» ولم يستعمل كلمة «لم»، ربما ليفيد أنه لا يتحدث عن الماضي، حيث لم يصدر منه ما يحتاج إلى ذلك، بل هو يتحدث عن المستقبل.

وقد يقال أيضاً: ان هذا التعبير يتضمن إشارة إلى أن طلب الأنبياء للمغفرة، إنما يراد منه طلب دفع المعصية عنهم، لا رفعها، كما هو معلوم عند أهله..

سادساً: إنه ليس ثمة ما يدل على أن نوحاً [عليه السلام]، لم يلتفت إلى كلمة (إِلاَ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) سورة هود 40. أو أن هذه الكلمة لم تكن واضحة حين الوحي، علماً أن ذلك يخالف العصمة في البلاغ وفي التبليغ، وهي أمر عقلي، مسلّم وقطعي، عند جميع المسلمين، وليس في الآيات أيضاً: أن نوحاً [عليه السلام] قد عاش الحسرة على الكافر، حتى لو كان ذلك الكافر هو ولده بالذات.

سابعاً: وأخيراً، هناك الكثير من الاحتمالات التي تتحملها الآيات بحيث تكون بعيدة عن وصم الأنبياء [عليهم السلام] بهذه النقائص، ولا تتنافى مع «بلاغة القرآن»، فلماذا اختيار التفاسير التي تظهر أو تنسب نقيصة للنبي أو الولي، دون غيرها من التفاسير التي تنزههم عن مثل هذه النقائص؟!

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــ

(1) راجع: من وحي القرآن ج12 ص 79 و80 الطبعة الأولى.

(2) راجع: الحوار في القرآن ص230 ط سنة 1399هـ. ق..

(3)ودعوى: أن نوحاً كان يريد من ولده أن يؤمن ويركب معه ليكون في جملة أهله الذين لم يسبق عليهم القول.. فيكون عالماً بكفره.. لا يمكن قبولها؛

أولاً: لأن نوحاً طلب من ولده أن يركب معهم، مع نصيحة له بأن لا يكون مع الكافرين، ولم يقل له «لا تكن من الكافرين».

ثانياً: إن نوحاً قد خاطب الله سبحانه في ولده، لكي ينجيه له.. ولم يطلب من ولده أن يؤمن.. وقد كان من المناسب أن يوجه الخطاب لولده فقط، وأن يطلب منه الإيمان، لامجرد الركوب معهم.

ثالثاً: إن ابن نوح لم يقل لأبيه إنه سيبقى مع الكفار، ولا أنه يوافقهم في الدين بل ادعى له أنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء.. وفي ذلك تعمية وتستر على موضوع كفره أمام والده، حيث لم يعترف له بأنه من الكفار، بل لم يعترف له حتى بأنه سيكون مع الكافرين أيضاً.. بل ابعد نفسه عنهم بقوله: إنه سيأوي إلى ذلك الجبل.

العودة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003