أسئلـــة وأجوبـــة

العودة

ما جرى على الزهراء عليها السلام عقيدة أم تاريخ

ما جرى على الزهراء (عليها السلام)، عقيدة أم تاريخ!!

السؤال(1):

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سماحة العلامة المحقق آية الله السيد جعفر مرتضى العاملي، دامت بركاته..

بعد الدعاء لكم بتمام الصحة والتوفيق لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، نرجو التفضل بالإجابة عن السؤال التالي:

ما هي العلاقة بين قضية كسر ضلع السيدة الزهراء (عليها السلام)، وضربها والباب، وبين العقيدة الإسلامية أو التشيع؟!..

أفيدونا جزاكم الله خيراً. والسلام عليكم ورحمة الله.

الجواب:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..

فإن خلافة النبوة إنما تعني أن يأخذ الخليفة موقع رسول الله، ويضطلع بمهماته، ومنها التعليم والتربية للناس، وتزكية نفوسهم، وتدبير أمورهم، والحكم والقضاء بينهم فيما اختلفوا فيه، وجهاد عدوهم، وحفظ أمنهم، وما إلى ذلك.

وهذا يحتاج إلى ميزات ومواصفات، وشرائط من حيث العلم، والورع، والتقوى، والشجاعة، والحكمة وغير ذلك..

والذين تصدوا للخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يريدون أن يقولوا للناس: إنهم أهل لهذا المقام، وأنهم جامعون لشرائط التصدي له. وأنهم يملكون الإخلاص، والتقوى، والاستقامة على جادة الحق، والأمانة على الدين، وعلى دماء وأموال، وأعراض الناس..

وإنما ارتبط الناس بهم في الأحقاب التالية، والتزموا بنهجهم، لأسباب بدأت سياسية، ثم تحولت بمرور الزمن، لتصبح دينية، واعتقادية، استندت إلى ما كان يشاع من تنزههم وبراءتهم من كل قبيح، وما كان ينسب إليهم من مآثر جعلت الكثيرين من الناس ينظرون إليهم بعين التقدير والاحترام..

حتى انتهى بهم الأمر إلى حد التقديس لكل قول وفعل صدر عنهم..

وقد كان هذا من أقوى الدواعي لبقاء هذا الارتباط، وأقوى مانع من وعي حقيقة إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)..

الأمر الذي نشأ عنه أن تتعرض الأمة لأعظم انتكاسة، وأخطر بلاء، ترك ذلك تأثيراته السلبية حتى على طبيعة تفكير الناس في الأمور وطريقة معالجتهم لها، فظهر الكثير من الخلل في فهم الأحداث، وفي النظرة إليها، والتعاطي معها..

ثم كانت هناك سلسلة طويلة من ردود الفعل غير المبررة لدى أمة عظيمة من الناس التزمت بخط أولئك الأشخاص بأعيانهم وهي ردود فعل تبدأ بإظهار حسن الظن بالجميع، ثم باللجوء ليس فقط للتبريرات الباردة، بل هي قد تصل في برودتها إلى حد التطرف غير العقلاني والإغراق في الخيال الذي لا يكاد يخطر على بال..

وتستمر في سيرها التصاعدي لكي تنتهي باتهام أصحاب النظرة الواعية والمنصفة، بمختلف أنواع التهم والأباطيل، ثم تتجاوز حدود التفسيق والتجهيل، لتصل إلى حد الاتهام بالابتداع والكفر، والشرك، واستحلال الدم، والعرض والمال..

وبعد هذا التوضيح الذي هو أقرب إلى التلميح منه إلى التصريح، نقول:

لقد كان العدوان على السيدة الزهراء (عليها السلام)، هو الأوضح والأصرح، والأبعد عن التأويل في إظهار واقع أولئك المتوثبين على مقام خلافة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، حيث إنه يوضح لنا:

أولاً: إنهم قد سعوا إلى اغتصاب حق ليس لهم، وأنهم قد مارسوا في هذا السبيل القوة التي بلغت بهم إلى حد ارتكاب أكثر من جريمة..

ثانياً: إنهم بفعلهم هذا قد أظهروا أنهم ليس فقط يفقدون أدنى المواصفات التي تؤهلهم للمقام الذي يسعون للحصول عليه، والوصول إليه، بل إن ضد تلك المواصفات هو الحاكم والمهيمن على كيانهم، والمتصرف بوجودهم.

وذلك لأن ارتكاب أدنى ظلم يكفي لحرمانهم من هذا المقام الخطير.. فكيف إذا كان ما ارتكبوه هو جرائم كبيرة وخطيرة في حق وحيدة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وسيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، والتي أظهرت عظمتها النصوص الثابتة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والتي يكون رضاها وغضبها (عليها السلام)، رضا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورضا الرسول رضا الله سبحانه، مما يعني أنها هي المعيار للحق والباطل، وللهدى والضلال..

فما اقترفوه في حقها من جرائم يوضح: أنهم غاصبون لأمر ليس لهم، وأنهم معتدون وظالمون.. وأنهم قد أغضبوا الله ورسوله، فهم لا يملكون إذن التقوى والورع، الذي يؤهلهم لخلافة النبوة..

كما أنهم قد أثبتوا بذلك أنهم ليسوا أمناء على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم.. حتى لو كانت هذه الدماء هي دماء بنت الرسول، وسيدة نساء العالمين (عليها السلام)، التي جعل الله ورسوله غضبها ورضاها طريقاً لمعرفة غضب الله ورسوله..

فإن من لا يتورع عن مهاجمة الزهراء (عليها السلام)، بهذا القدر من القسوة والجفاء، لا يمكن أن يحجزه شيء عن اقتراف أية جريمة أخرى. لأن كل الجرائم ستكون أهون عليه وأيسر من جرائمه هذه..

وإذا كان يمكن الاعتذار، أو التبرير، أو التأويل، لأي موقف انفعالي لا يتجاوز حدود الكلمة بل قد يمكن التشكيك فيها، أو الإنكار لها، فإنه حين يصل الأمر إلى حدود العدوان على الناس بالضرب، إلى حد الجرح والقتل، وإزهاق الأرواح، وإسقاط الأجنة، فإن الأمر سوف يستعصي على التأويل، ويصير في منأى عن إمكان التشكيك فيه والإنكار له..

وتقوم بذلك الحجة، وتعرف النوايا، وتستعلن الدخائل أمام العالم، والجاهل، والكبير، والصغير، والعدو، والصديق، والمسلم، وغير المسلم، ويصبح بإمكان كل أحد أن يكتشف ويميز المعتدي والظالم من المعتدى عليه والمظلوم، ويكتشف كل الناس طبيعة ومزاج، وتربية وتقوى، وأمانة، وصدق، و.. و.. من يدعي ما ليس فيه، ويتوثب على ما ليس له..

وليكون من آثار استبعاد هذا الحدث الثابت، وهو ضرب السيدة الزهراء (عليها السلام)، وإسقاط جنينها، فضلاً عن كسر ضلعها، أن تسد أبواب الهداية أمام كثيرين من الناس.. خصوصاً، أولئك الذين لم يمكن لهم حسم الأمر فيما يرتبط بصدق هذا الفريق أو ذاك، والذين لا يعرفون الكثير عن حقائق هذا الدين، أو ممن لم يدخلوا فيه، ولم يلتزموا بتعالميه، مما يعني أنهم لا يملكون قاعدة فكرية، أو عقيدية تمكنهم من تمييز المحق من المبطل.. ما دام أن هذا التمييز يحتاج إلى مرتكزات، يفقدها الإيمان والمعرفة بها.

وحتى الذين يلتزمون بدين الإسلام ويعترفون به، فإن إثبات أمر الإمامة لهم بالأدلة الفكرية العميقة. لن يكون سهلاً وميسوراً في ظل هذا الجهل، أو التجهيل، بكثير من حقائقه، من خلال الشبهات التي تهيمن على عقليات السواد الأعظم من الناس.

وهذا معناه: أن يصبح أمر الوصول إلى الحق منحصراً بالعلماء الأتقياء، وبالمنصفين من الباحثين، وما أقل هؤلاء، وما أشد ندرتهم، وما أقل وأضعف نتائج جهدهم.. حين يكونون أنفسهم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود..

بل ربما يستعصي الوصول إلى الحقيقة، حتى على هؤلاء أيضاً، وذلك حينما تتوالى الشبهات، ويتلاعب المتلاعبون بالحقائق، ويحرف المحرفون الأدلة ودلالاتها، أو يشككون فيها، أو يضيعون ما أمكنهم منها..

وما أشبه قضية السيدة الزهراء (عليها السلام)، في دلالاتها الناصعة، وفي حجيتها القاطعة.. على هذه الحقائق، بقضية الإمام الحسين (عليه السلام)، في كربلاء التي يفهمها البشر كلهم، عالمهم وجاهلهم، كبيرهم وصغيرهم، مؤمنهم وكافرهم. لكن قضية الإمام الحسن (عليهم السلام)، لا ينال معرفة وجوهها إلا قلة من أهل المعرفة والبحث، والتحقيق، ومن أهل السلامة في الدين ومن أهل البصيرة، والعقل والتدبر في الأمور..

والحمد لله رب العالمين.

 

هل يجب إثبات كسر الضلع؟!

السؤال(2):

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سماحة المحقق الجليل السيد جعفر مرتضى العاملي (حفظه الله) تعالى..

بعد السلام والتحية والدعاء لكم بالمزيد من الصحة والعافية سائلين المولي تعالى أن يحفظكم من كلّ سوء.

حول جوابكم الكريم في بيان العلاقة بين قضية «كسر الضلع» للسيدة الزهراء (عليها السلام) والعقيدة الإسلامية, يُـطرح التعليق التالي:

إن كان المُراد من سرد قضية «كسر الضلع»، لغرض إثبات عدم شرعية القوم للخلافة الإسلامية، وبيان فساد إيمانهم، وادعائهم بالتدين، والالتزام, فهذا ثابت من حادثة السقيفة نفسها، ومن رزية يوم الخميس، ومن مخالفتهم الصريحة لأدلة الغدير القطعية الدلالة. وليس فوق مخالفة أمر الله تعالى مخالفة وحرمة، كي نحتاج فيها إلى قضية «كسر الضلع»!!

وإن كان المراد من الإصرار على قضية «كسر الضلع»، هو بيان عمق وسعة الظلم الذي تعرض له آل الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله)، فهذا لا يزيد عن حرمة التعدي على مقامهم الرباني، الذي جعلهم الله تبارك وتعالى فيه أئمة للمسلمين، وحفظة للدين. وبهذا فإن تغيير الأحكام والتشريع، لهو أعلى حرمة وقدسية من الضرب وتفاصيله.

وبعبارة أوضح: ماذا سنخسر، وماذا سنفقد، لو لم تثبت قضية «كسر الضلع» أساساً؟

إذ كلّ ما تفضلتم به في جوابكم الكريم، هو ثابت من أحداث أخرى ومتسالم عليها لدى أهل العلم, من مخالفة يوم الغدير، وحديث الثقلين, والسقيفة وغيرها. وبهذا فالبحث عن أدلة أخرى لإثبات الثابت لهو من باب تحصيل حاصل، ولا دليل على لزومه، إن لم نقل بوجوب تركه..

السؤال: هل هناك وجوب لإثبات هذه القضية التي لا تزيد على الأمر شيئاً؟.

 الجواب:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..

قلتم: إن حادثة السقيفة، ورزية يوم الخميس، ومخالفة القوم لأدلة الغدير القطعية، تكفي لإثبات عدم شرعية القوم للخلافة.. فلا حاجة إلى قضية «كسر الضلع»، إذ ليس فوق مخالفة أمر الله مخالفة وحرمة..

ونقول:

بل إن ما جرى على السيدة الزهراء (عليها السلام)، من ضرب، وإدماء، و«كسر ضلع»، وإسقاط جنين.. يبقى هو الدليل الأصرح والأوضح على عدم أهلية أولئك القوم للخلافة وعلى ظلمهم وجرمهم وغاصبيتهم لمقام ليس لهم..

وذلك أولاً: لأن جميع ما ذكرتموه وسواه، قد سعى محبوهم إلى إزالة آثاره بما أثاروه من شبهات، تشوش أذهان الناس، وهم ما فتئوا يحاولون التملص والتخلص منه، ومن تبعاته، فكان مما قالوه:

إن ما سماه ابن عباس برزية يوم الخميس، وقول قائلهم: إن النبي ليهجر، حسبنا كتاب الله.. لم يكن عن سوء نية، وخبث طوية بل هو قد صدر منه بنيِّة حفظ الأمة من الاختلاف، وصيانتها من التصدع والتفرق..

وفي جميع الأحوال: فإنها كلمة سبقت عن غير تعقل من دون ترو، أو التفات إلى سوء دلالاتها وبشاعة إيحاءاتها. وليس بالضرورة أن يكون قائلها ممن يصر على توجيه الإهانة للرسول (صلى الله عليه وآله)..

فلنا أن نتوقع منه أن يندم، وأن يتوب، ولربما يكون قد اعتذر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وطلب السماح منه بالفعل، تماماً كما حاول أن يطلب السماح من الزهراء (عليها السلام) بعد ذلك..

ثم إن لديهم الإكسير السحري المتمثل بقاعدة اجتهد فأصاب في المنع، من كتابة الكتاب، ولكنه أخطأ في الأسلوب.. وقد كان هناك متسع من الوقت ليعيد الرسول (صلى الله عليه وآله)، محاولته، ويكتب ما أراد، لو أن أمر الكتابة كان لازماً وضرورياً.

وبالنسبة لنص الغدير، فإنهم أيضاً قد أثاروا من الشبهات حوله، ما يجعل أمر الوصول إلى الحقيقة فيه صعباً على أكثر الناس العاديين..

وذلك حين قالوا: في سند هذا الحديث كلام، وفي دلالته إبهام..

ثم شككوا في المراد من كلمة المولى.. وبغير ذلك من أمور، حتى ليقف الإنسان العادي حائراً في أمره. راضياً بما يختارونه له من تأويلات، مستجيباً لما يدعونه إليه من أباطيل..

وحين تعوزهم الشبهات، بفضل جهود المخلصين من العلماء فإنهم سوف لا يجدون حرجاً في أن يقولوا للناس: سلمنا: أن قضية يوم الغدير حقيقة، وواقع، فرضته أحوال ومتغيرات ومصالح.. ولكن قد استجدت أمور، ونشأت أحوال وظهرت متغيرات، اقتضت العدول عن ذلك إلى خيارات أخرى. قد عرفها الصحابة، فاستجابوا لها، وعملوا على الانسجام معها، وهم الأتقياء الأبرار!! والأمناء الأخيار!!

الذين لم يتخلوا عن مسؤولياتهم الرسالية!! ومهماتهم وواجباتهم الشرعية في هذا السبيل!! وليس لأحد الحق في أن يسيء الظن بهم، وأن ينسب الممالأة للظالمين إليهم!!..

وأما فيما يرتبط بما جرى في السقيفة، فإنما هو تأسيس على هذا الذي ذكرناه، ولو أردنا أن نسمح لأنفسنا بتخطئتهم، فليس لنا أن نتهمهم، في دينهم واخلاصهم، بل إن علينا: أن ندخلهم في دائرة من اجتهد فأخطأ.. لأنهم رأوا أنفسهم قادرين على حمل تلك المسؤوليات والاضطلاع بهاتيك المهمات..

ولو أنهم اكتشفوا خطأهم فيما أقدموا عليه، فإنه خطأ مغفور وفاعله مأجور.. ويصدق ذلك: أنهم قد اعتذروا عن أمر السقيفة بأنها كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها..

واعتذروا عن عدم تولية الإمام علي (عليه السلام)، بأن أمر الخلافة والإمامة يرجع إلى أهل الحل والعقد، وقد اختار هؤلاء غير الإمام علي (عليه السلام)..

ولعل السبب في اختيارهم هذا هو أنهم رأوا أن العرب لا ترضى باجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد.. أو أنهم استصغروه، ولم يروا من المصلحة توليته على شيوخ المهاجرين والأنصار.. أو أنهم فهموا أن النص عليه، قد جاء على سبيل الإرشاد، لا على سبيل الإخبار عن النصب الإلهي..

إلى غير ذلك من أمور تجعل فهم الحقيقة حتى على الناس الحاذقين، الحاضرين والناظرين أمراً صعباً، فكيف بالغائبين؟..

وكيف ترى يكون حال الناس العاديين، أو غيرهم من سائر الملل، ممن تختلف أحوالهم في العلم والجهل، والذكاء والغباء، والالتزام والتحلل، وتختلف درجاتهم في الإيمان، أو يتفاوت حالهم في الكفر..

وأما حديث الثقلين: فإنهم حاولوا التلاعب فيه لفظاً، باستبدال كلمة «وعترتي» بكلمة «وسنتي»، وهو ما اقتصر عليه البخاري في صحيحه..

ثم حاولوا التلاعب فيه بالمعنى، من خلال تعميم المراد بأهل بيته بحيث يشمل الأزواج، أو كل تقي..

وحتى لو قبلوا بالنص الصحيح الوارد فيه، وقبلوا باختصاص أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، بالمعصومين من الأئمة الطاهرين ـ فإنهم مع ذلك ـ سوف يصرون على أن هذا الحديث لا مساس له بأمر الولاية والخلافة والحاكمية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله), بل هو خاص بأخذ العلم والمعارف عنهم (عليهم السلام)، لا أكثر.. فيحث على الناس على ذلك، ولا ضير في أن يفعلوا ما يندبهم إليه، ويلتزموا بما يحثهم عليه..

كما أنهم سوف لا يقبلون بأن هذا الحديث يتضمن المنع من أخذ المعارف والعلوم من غيرهم (عليهم السلام)، خصوصاً مع ملاحظة العمومات الآمرة بطلب العلم والحكمة، من كل أحد في كل زمان ومكان، حتى ولو بالصين. ونحو ذلك..

وتكون النتيجة بعد كل هذا الذي ذكرناه: أنه لو قدِّر لأحد أن يتجاوز كل هذا الركام من الشبهات، فلا بد أن يكون إنساناً عالماً باحثاً بل، وغزيراً متفرداً في العلوم والمعارف، وعلى درجة عالية من بُعد النظر، ودقة الملاحظة، ولا يصل إلى الحق والحقيقة إلا بعد بذل جهد عظيم، وبعد التقصي للنصوص، والبحث والمقارنة..

هذا إذا توفر لديه عنصر التقوى والعلمية، والإنصاف، والموضوعية..

وأما من عداه فإن عليه أن يبقى في متاهات التأويلات، والتعصبات، غارقاً في ظلمات الشبهات.

والواقع التاريخي، والتاريخ الديني للأمم الإسلامية يشهد بصدق على أن أمثال هذه المعاذير والتبريرات، والشبهات قد أخذت مأخذها، ولا يزال يتردد صداها في مسامعهم، وبقيت آثارها في قلوبهم، عبر العصور والدهور، رغم كل الجهود التي بذلها العلماء لتجلية الحقائق للناس.

ولكن الأمر بالنسبة لظلامة السيدة الزهراء (عليها السلام)، ليس من هذا القبيل، بل هو قد جاء مختلفاً جداً عن هذا الأمر الذي لا يمكن الاعتذار عنه، ولا تبسيطه ولا تهوين أمره ولا اختزال دلالاته، بل يبقى الأشد وضوحاً، والأكثر صراحة، والأبعد عن التأويل. والأشد استعصاء على الشبهات من أن تحدث أي وهن في دلالته على عدم توفر أدنى شرائط أهلية هؤلاء المهاجمين، لأي مقام يرشحون أنفسهم له..

إنه الأمر الذي يفهمه الناس كلهم، من دون استثناء، ومن دون حاجة إلى بذل جهد، ولا إلى بحث ومقارنة، ولا إلى كثير علم، أو مزيد ذكاء..

إنه الأمر الذي يفهمه العالم والجاهل، والذكي والغبي، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، والمؤمن والكافر، والحاضر والغائب..والباحث، وغير الباحث، و.. و.. الخ..

إن الهجوم على بيت السيدة الزهراء (عليها السلام)، وكشف ذلك البيت، وضربها، إلى حد الإدماء، وإسقاط جنينها، وكذلك كسر ضلعها (عليها السلام)، ثم دفنها ليلاً، والإصرار على أن لا يحضر أحد ممن ظلمها جنازتها..

ثم ما جرى لها معهم في أمر فدك.. وهو الأمر الذي أحرجتهم فيه أمام الأمة أيما إحراج..

نعم.. إن ذلك كله، لا يقبل التأويل، ولا يمكن قبول أحد به، ولا يمكن لمرتكبيه الاعتذار عنه، بل لا مجال لهم حتى لادعاء الخطأ في الاجتهاد فيه، فضلاً عن قدرتهم على تهوينه، وتصغير شأنه..

فالنص في حق الزهراء صحيح، والفعل قبيح، وفي دلالته صريح، وأي صريح!!

وأما ادعاء التوبة من قبل الفاعلين، أولهم، فذلك مما يضحك الثكلى، ويثير السخرية، ما دام أن الكل يعلم: أن للتوبة شرائطها، وأحكامها، وليست هي مجرد ندم قلبي، أو لقلقة لسان.. بل لا بد معها من إصلاح ما أفسدوه، وتحمل تبعات ما ارتكبوه. فيخضع المجرم لأحكام الله، بإرجاع الحق المغتصب إلى أهله، وفي تقديم نفسه للاقتصاص منه.. وفق أحكام الشرع الشريف، وتعاليم الدين الحنيف..

وهذا الأمر هو الذي يفسر لنا كيف أن مواجهتهم لآثار هذه الجريمة قد انحصرت في السعي إلى إنكارها، أو لا أقل إثارة الشكوك في أصل حدوثها..

ولم نجدهم حاولوا اللجوء إلى التأويل، أو إلى التبرير، حتى على سبيل الافتراض والتسليم الجدلي.. بل أصروا ولا يزالون على الإنكار أيما إصرار، رغم تضافر النصوص، وتواتر الآثار بوقوع هذه الظلامة..

إن غاية ما يقبلون به هو حصول التهديد بإحراق البيت بالنار.. وذلك ليتسنى لهم بعد؛ ادعاء أن قلوبهم مملوءة بحبها، وأن مكانتها تمنعهم من تنفيذ تهديداتهم.. وغير ذلك.. ـ ليتسنى لهم ـ ادعاء أن هذا التهديد كان غير واقعي، ولا يجوز أن يحمل على محمل الجد، بل هو صوري بهدف التخويف، الذي أملاه شعور بالغيرة على مصلحة الأمة، وبهدف الإصلاح..

فإذا أضيف إلى ذلك: أنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم قدرتهم على القيام بمسؤوليات الخلافة بعد الرسول فإنهم يصبحون معذورين فيما فعلوه، حتى مع افتراض خطأهم في ما اعتقدوه لأنفسهم من قدرات، ومن مؤهلات..

وفي جميع الأحوال.. إن ما ارتكبوه في حق السيدة الزهراء (عليها السلام)، مع وضوح وصراحة، وصحة ما ورد عن الله ورسوله في حقها، واعتبار رضاها رضا الله ورسوله، وغضبها غضب الله ورسوله.. ـ ان ذلك ـ مما لا يمكن تأويله، ولا الاعتذار عنه، ولا ادعاء التوبة منه، لأن لهذه الدعوى لوازم وتبعات، وقد ظهر من خلال تتابع الأحداث بعد ذلك العدوان.. أنهم إلى أن استشهدت السيدة الزهراء (عليها السلام)، كانوا مصرين على موقفهم، وأن السيدة الزهراء (عليها السلام)، مصرة على تسجيل الإدانة لهم، بصورة لا تقبل الشك ولا التأويل.. ولم يصلحوا ما أفسدوه، ولا اعادوا ما اغتصبوه، ولا قدموا انفسهم إلى محكمة العدل الإلهي لتقام عليهم حدود الله فيما ارتكبوه..

وقد أوضحنا جانباً من هذه الأمور في كتابنا: «مأساة الزهراء (عليها السلام)» وفي الجزء السادس من كتابنا: «خلفيات كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام)» فيمكن للطالب مراجعتها..

ونعود إلى التأكيد: على أن من يرتكب هذه الجرائم في حق البنت الوحيدة لأقدس رسول، وأعظم نبي، وهي بهذه المكانة عند الله وعند رسوله، ولا يراعي شرع الله فيها.. ويظلمها هذا الظلم الفاحش، كيف يؤمن على دين الله، وعلى دماء المسلمين، وعلى أموالهم، وأعراضهم، وعلى مصيرهم، وكيف يصح أن يأخذ مقام الرسول، ويضطلع بمهماته، ويقوم بمسؤولياته..

ثانياً: لو سلمنا جدلاً: أن حديث الغدير، ورزية يوم الخميس، وحديث الثقلين، وما جرى في السقيفة يثبت عدم أهلية القوم لمقام الإمامة والخلافة، فلماذا لا يضاف إليها دليل رابع يدل على ذلك أيضاً؟!.. أو لماذا هذا الحرص على إنكار هذا الدليل بالذات، أو التشكيك بدلالته، مع عدم الاهتمام بفعل مثل ذلك.. بغيره من الأدلة..؟!

ثالثاً: إن قبولكم بانضمام حديث الغدير إلى حديث الثقلين، ورزية يوم الخميس، وحديث السقيفة وغير ذلك، يدل على أنكم تسمحون بتعدد الأدلة على أمر واحد..

مع أن كلامكم يقتضي لزوم الاقتصار على دليل واحد. حيث قلتم: «ليس فوق مخالفة أمر الله تعالى مخالفة وحرمة، كي نحتاج إلى قضية كسر الضلع» حيث إن ذلك معناه: أننا إذا أثبتنا هذه المخالفة، بحديث الغدير، فلا نحتاج إلى دليل رزية يوم الخميس مثلاً، ولا نحتاج أيضاً إلى حديث الثقلين.. الخ..

فلماذا قبلتموها جميعاً، ورضيتم بضم بعضها إلى بعض، واستثنيتم حديث «كسر الضلع»..

فإن كان قبولكم لها بهدف تكثير الأدلة على عدم شرعيتهم وعدم أهليتهم للخلافة. فاقبلوا بإضافة هذا الدليل إليها، لتكثر به أيضاً، وإن كان قبولكم بها ناشئاً عن سبب آخر، فبينوه لنا، لننظر فيه..

على أننا قد بينا ذلك في كثير من المواضع والمناسبات:

إننا نقول: إن جميع ما جرى على السيدة الزهراء (عليها السلام)، هو الدليل.. ولم نقتصر على قضية «كسر الضلع»..

رابعاً: لنفترض: أن القوم الذين يدافعون عن المهاجمين لبيت الزهراء (عليها السلام) ويحبونهم قالوا لكم: اننا نعترف بأن قضية الغذير صحيحة وتامة ودالة على امامة علي (عليه السلام)، ولكننا ندعي أن ما جرى في السقيفة قد كان بسبب فهمهم الخاطئ لكلام الرسول (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير، وقد مات اولئك الناس على نياتهم الصالحة على الأقل: إن ذلك محتمل في حقهم، فلماذا تقفون منهم هذا الموقف السلبي، ولماذا لا تترضون عنهم، ولا توالونهم..

فبماذا تجيبون، وأي شيء تعتمدون..

خامساً: بالنسبة إلى سؤالكم عما سنخسره لو استبعدنا قضية «كسر الضلع»، فنقول: إننا نخسر دليلاً قطعي الدلالة على عدم أهلية أولئك الظالمين، والغاصبين لمقام الإمامة والخلافة..

سادساً: قلتم: إنه لا دليل على لزوم الاستدلال بقضية «كسر الضلع»..

ونجيب: إن الدليل على ذلك هو نفس الدليل على لزوم الاستدلال برزية يوم الخميس، وبيوم الغدير، وبحادثة السقيفة، وبحديث الثقلين.

بل إن الدليل على لزوم الاستدلال بما جرى على السيدة الزهراء (عليها السلام) من ظلم وعدوان.. ظاهر مما قدمناه، إذ إنه الدليل الوحيد الذي لا مجال للاعتذار عنه، ولا للتأويل فيه، بخلاف ما عداه. وذلك لأن غضب السيدة الزهراء (عليها السلام) الذي يستتبع غضب الله ورسوله، قد استمر إلى ما بعد الموت..

سابعاً: وأما وجوب ترك الاستدلال بهذا الحديث، فهو فتوى منكم لا بد لنا من أن نعرف مستندكم فيها.. فإن كان مستندكم هو أنها توجب إثارة الحساسيات، فإن الاستدلال برزية يوم الخميس، وقول الرجل: إن النبي ليهجر، يثير الحساسيات أيضاً..

ثم إننا نقول: لماذا تكون الحساسيات هي الحاكمة، إلى حد أنها تمنع من الجهر بالحقيقة..

ولو أردنا أن نعتني بالحساسيات لوجب التخلي عن أصل الإمامة أيضاً، وعن الحديث في قضية غصب فدك، وعن إقامة مجالس عاشوراء، وعن مذهب التشيع بأسره، لأنه يثير حساسيات الآخرين.. وعن الإسلام أيضاً لأنه يثير حساسيات غير المسلمين.. وعن.. وعن..

ثامناً: لو كان يكفي في بيان حجم ظلم الظالمين ذكر غصب الخلافة لوجب علينا في قضية كربلاء الاقتصار على ذكر قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، ولما كنا بحاجة إلى ذكر قتل الطفل الرضيع، وقتل العباس وعلي الأكبر، والقاسم، وغيرهم.. ولا إلى ذكر سبي النساء، ومنع الإمام الحسين (عليه السلام) ومن معه من الماء، وغير ذلك مما جرى في كربلاء، وذلك لأن قتل الإمام الحسين (عليه السلام) جريمة ما فوقها جريمة، وكل ما عداها من مصائب، يهون أمامها..

والحمد لله رب العالمين.

 

القضية أدهى وأمرّ..

السؤال(3):

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سماحة المحقق آية الله السيد جعفر مرتضي العاملي..

أدام الله في عمره الشريف، بعد السلام والتحية والدعاء لكم بتمام الموفقة والسداد, نسـأله تعالي أن يمنّ علينا بنعمة العلم والتعلّم وأن يفيض عليكم بالمزيد من نعمهِ وآلاءه, إنه سميع مجيب..

حول جوابكم الكريم الثاني, يرد التعليق التالي:

تفضلتم: «لو سلمنا جدلاً: أن حديث الغدير، ورزية يوم الخميس، وحديث الثقلين، وما جرى في السقيفة يثبت عدم أهلية القوم لمقام الإمامة والخلافة، فلماذا لا يضاف إليها دليل رابع يدل على ذلك أيضاً؟!.. أو لماذا هذا الحرص على إنكار هذا الدليل بالذات، أو التشكيك بدلالته، مع عدم الاهتمام بفعل مثل ذلك.. بغيره من الأدلة»..

التعليق: إن الأدلة علي استثناء قضية «كسر الضلع» من مجموع تلك الأدلة الدالة على نفي شرعية القوم عن الولاية والخلافة هي كالتالي:

أولاً: ملابسات السند والتوثيق للأخبار الحاكية عن أن الهجوم علي الدار قد أدى إلى «كسر الضلع» للسيدة الزهراء المرضية (عليها السلام)..

ثانياً: صعوبة تحصيل اليقين والقطع بما رُوي عن أن أمر «كسر الضلع» قد حصل فعلاً. إذ مَنْ مِـن الرواة قد تمكن من التحقق من ذلك فعلاً. بينما نحن لا نعاني من هذا الإشكال في حادثة الغدير, ولا حديث الثقلين ولا رزية الخميس. إذ جميع هذه الحوادث كانت علي مرأى ومسمع من الكثير من المسلمين وبشكل علني موجب للإطمئنان..

ثالثاً: ملابسات السند والتوثيق في الأحاديث المروية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) التي تشير إلى تعرض السيدة الزهراء (عليها السلام)، إلى هكذا حادث في حياتها. بينما نحن لا نعاني من أية مشكلة ولا ملابسات غامضة في سند وتوثيق الأدلة الأخري «حديث الثقلين, حديث الغدير, رزية الخميس». فلا مانع من الأخذ بما هو أقلّ جهداً وأقوى سنداً من غيره..

رابعاً: قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل: تفيد بوجوب ترك ودفع ما هو موجب لوقوع الضرر ولو احتمالاً. فكيف ونحن نجد هذا الضرر الواقع في البيت الشيعي من اختلاف شديد بالآراء والحوارات الصاخبة الموجبة للإختلاف بين المؤمنين في هذه القضية التي لا يُـلازم عدم القول بها ـ ضمن الأدلة الدّالة على نفي شرعية القوم للخلافة ـ أي خلل في الموضوع المُراد نفي الشرعية عنه..

من هنا جاءَ قولنا في الرسالة السابقة أن لا دليل على وجوب الأخذ بهذا الدليل «كسر الضلع», إن لم نقل بوجوب تركه بدليل قاعدة دفع الضرر المحتمل والذي أصبح الضرر فيه واقع وليس محتمل فحسب..

لذا كي يتم نفي شرعية القوم للخلافة والولاية يكفي أن نعتمد على الأدلة المتسالم عليها لدي الطائفة الإمامية وترك ما يوجب الخلاف والضرر بين المؤمنين..

سائلين المولى تعالى أن يحفظكم من كلّ سوء وأن يحفظ الإسلام والمسلمين..

والسلام عليكم ورحمة الله..

الجواب:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..

فإنكم كنتم قد سألتم عن علاقة قضية «كسر الضلع» بالعقيدة..

وأجبناكم بأن علاقتها بأمر العقيدة تكمن في دلالتها على عدم أهلية مرتكب مثل هذه الجرائم لمقام الخلافة والإمامة..

فقلتم: إن أحاديث الغدير، والثقلين، وغيرهما تجعلنا في غنى عن الاستدلال بقضية «كسر الضلع».

فقلنا لكم: إن ثمة فرقاً فيما بينهما، وذكرناه لكم في الرسالة السابقة.

وإذا بكم تعلقون على إجابتنا لكم بما يرجع إلى أمرين:

أحدهما: ضعف سند حديث «كسر الضلع».

والثاني: إن وجوب دفع الضرر المحتمل يقضي بوجوب ترك الاستدلال بحديث «كسر الضلع».. فكيف والضرر واقع في البيت الشيعي، وهو الظاهر في اختلاف الآراء، وفي الحوارات الصاخبة الموجبة للإختلاف بين المؤمنين في هذه القضية التي لو سكتنا عنها، ولم ندرجها في ضمن الأدلة على نفي شرعيتهم، فلا يحدث أي خلل فيما بين المؤمنين، كما أنه لا يوجب خللاً في الاستدلال على نفي

شرعية الذي غصبوا الخلافة، لوجود أدلة أخرى تغني عنها، وهي شافية وكافية..

ونقول:

أما بالنسبة للأمر الأول فإن لنا عدة ملاحظات، نذكر منها:

أولاً: إن طرح موضوع سند حديث «كسر الضلع» على بساط البحث هنا، غريب وعجيب.. فهو لم يكن وارداً في موضوع السؤال، ولا هو مرتبط بأي شأن من شؤونه، فكيف صح الإعتراض به على إجابتنا؟!..

ولأجل ذلك، فإن علينا أن نعتبر هذا التعليق في غير محله..

ثانياً: إن إشكالنا على الذي أنكر «كسر الضلع» الشريف.. لم يكن على مجرد إنكاره لهذا الأمر، بل إشكالنا وموقفنا وموقف جميع العلماء والمراجع إنما هو على إنكاره لسقوط المحسن بسبب عدوانهم عليها، وإنكاره لضرب السيدة الزهراء (عليها السلام)، وعدم اعترافه بأي شيء مما حصل سوى التهديد بالإحراق، مع تأكيداته على أن المهاجمين كانت قلوبهم مملوءة بحب السيدة الزهراء (عليها السلام)، فكيف نتصور أن يهجموا عليها، على حد تعبيره..

هذا فضلاً عن إنكاره أو تشكيكه بأمور عقائدية وإيمانية، كثيرة جداً تعد بالمئات، سوى ذلك..

فما معنى حصركم الخلاف في «كسر الضلع»، وتصويركم الأمر، وكأنه إذا سوّيت هذه القضية مع هذا البعض، لم يعد هناك أي خلاف؟!..

أما بالنسبة للأمر الثاني، فإننا نقول:

أولاً: قد ألمحنا آنفاً إلى أن الخلاف مع هذا البعض لا يزيله السكوت عن قضية «كسر الضلع».. إذا لم تحل مشكلة إنكاره أو تشكيكاته بكل تلك الأمور العقائدية والإيمانية الخطيرة جداً.. فإن الأمر جليل والمصاب عظيم.. وإن مراجعة كتابنا: «مأساة الزهراء» وكتاب: «خلفيات كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام)» توضح جانباً من هذه المشكلة..

ثانياً: هل إن سخونة الحوار وحرارة النقاش العلمي، يوجب ترك الحق، ويحتم إلتزام جانب الباطل؟!.. وهل يجوز التخلي عن الاستدلالات الصحيحة، والقوية لمجرد أن فلاناً يغضب، أو ينزعج، أو يتشنج؟!..

ولماذا يكون هناك تشنج إذا قيل: إن فلاناً من الناس مخطئ في اعتقاده، أو إذا قيل للناس، بعد أن أصر على الإلتزام بالخطأ: لا تقبلوا منه هذه الفكرة أو تلك؟!..

ولماذا نهى أئمتنا شيعتهم عن الأخذ من أمثال المغيرة بن سعيد، وأبي الخطاب، والبطائني، وغيرهم. مع أنهم كانوا شخصيات مرموقة، ولها أهميتها في تلك المجتعات، وقد كان علي بن أبي حمزة البطائني، وكيلاً للإمام (عليه السلام)..

ثالثاً: إنه لو وجب ترك الأدلة بسبب أن الاستدلال بها يوجب الإختلاف، لكان يجب على أمير المؤمنين أن لا يستدل على بطلان إمامة أولئك الغاصبين ببيان غاصبيتهم، وأن لا يستدل الأئمة على أحقيتهم بالإمامة مقابل ظالميهم، وغاصبي مقامهم..

ولوجب علينا ترك الاستدلال بحديث الغدير، وترك مراسم عاشوراء، وترك أي شيء يوجب الخلاف والاختلاف في الأمة.. وكل ما يوجب استمرار هذا الخلاف والاختلاف..

بل لقد كان على النبي (صلى الله عليه وآله) أن لا يجهر بدعوته، وكان اللازم على الأنبياء أن ينسحبوا من ساحة العمل. وأن لا يكون هناك أمر بمعروف ونهي عن منكر.. وأن لا يبعث الله أنبياء للبشر.. وأن يبقى الناس أمة واحدة، لمجرد أن هناك من ينزعج من بيان الحق، ومن الدلالة على الباطل؟!..

وفي الختام أقول: إن الله تعالى قد علَّمنا أن نتبع الحق، حين قال: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ}(1)..

وعلَّمنا أن لا نطيع من اتبع هواه، فقال: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}(2)..

ولا بد لنا من إطاعة الله فيما علَّمناه، وأن نلتزم أوامره، وزواجره..

وليغضب من يغضب من أهل الباطل، فإن كلمة الله لا بد أن تبقى هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى..

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين..

ـــــــــــــــ

(1) سورة يونس الآية 35.

(2) سورة الكهف الآية 28 .

 

/صفحة 115/

لا حاجة إلى التكرار

السؤال(4):

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سماحة آية الله السيد جعفر مرتضي العاملي/ (حفظه الله).

السلام عليكم ورحمة الله.

قبل الاستمرار في بحث [العلاقة بين قضية «كسر الضلع» والعقيدة], تطرح الأسئلة التالية من أحد المؤمنين الكرام, راجين التفضل بالإجابة عليها ولكم فائق الشكر.

في الواقع لدي استفسار.. وأحب أن أعرف الإجابة منكم.. من باب حب المعرفة الكاملة [والاطلاع على أكبر قدر ممكن.. من الأدلة.. فأعينوني.. رحمكم الله]..

قضية «كسر ضلع» الزهراء (عليها السلام).. لا شك أن هذه قضية قد أثيرت في السابق بشكل قوي.. وذلك بسبب بعض الإشكاليات.. التي وردت.. ولي تساؤلات:

أولاً: هل إنكار قضية «كسر ضلع» الزهراء (عليها السلام) يخرج المنكر عن الملة وعن الإسلام، أو يعد ناصباً.. أو أن الإنكار يعد إنكاراً لمسألة تاريخية؟

ثانياً: هل العقل يقبل أن يدخل القوم على السيدة الزهراء روحي فداها.. إلى بيتها.. وأمير المؤمنين جالس. لا يحرك ساكناً.. [أقصد لو تطبق هذا الأمر على نفسك الآن] وترى قوماً اقتحموا بيتك.. وأنت

في البيت فهل ستبقى جالس وترى عرضك ينتهك..

لأن العرض هو الأمر الذي لا يمكن السكوت عنه.. مهما أتينا من مبررات. ربما يتنازل الإنسان عن حق من حقوقه.. ولكن في مسألة العرض يعمل لها ألف حساب. إلا إذا كان الأمر فيه اضطرار قوي مثل: لم تجد المرأة من يدافع عنها.. أو ما شابه ذلك. أتمنى توضيح هذه الفكرة. [أنا الآن في محل تساؤل.. فقط].

ثالثاً: أتمنى توضيح الأدلة التي تقول باقتحام القوم على السيدة الزهراء (عليها السلام).. وكسر ضلعها.. وليس أدلة [جمع الحطب على البيت]..

والسلام عليكم ورحمة الله.

الجواب:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..

بالنسبة للسؤال الأول، نقول:

إن كان المنكر لقضية «كسر الضلع» جاهلاً بالأمر، فإنه لا يكون بإنكاره هذا ناصبياً..

وأما إذا كان عالماً بوقوع هذا الظلم على السيدة الزهراء (عليها السلام)، ولكنه ينكره بهدف الدفاع عن ظالميها، وتلميع صورتهم، وسعياً منه في تضييع حقها، وإبطال الإستدلال على عدم أهلية ظالميها، فهو ناصب للعداوة لها. خارج عن دائرة المذهب الإثني عشري بلا ريب..

وإن كان هذا المنكر جاهلاً في الأساس، ثم بيّن العلماء له الحقائق، وأعلنوها له بالأدلة، ولكنه رفض النظر فيها، ورفض قبول الصحيح منها، وسعى لإبطال الحق، وتأييد الباطل.. وهو ممن لا يحتمل في حقه الشبهة في ذلك لكونه من العلماء.. فإنه إن أظهر الإصرار، يكون أيضاً ممن يحكم عليه بأنه ناصبي. ولا يلتفت إلى الاحتمال الآخر، كما صرح به علماؤنا في باب منكر الضروري..

وأما بالنسبة للسؤال الثاني والثالث.. فقد أجبنا عنهما في كتابنا: «مأساة الزهراء» المجلد الأول، وفي الجزء السادس من كتابنا: «خلفيات كتاب مأساة الزهراء» فيمكن مراجعة الإجابات هناك.

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين..

العودة

 
 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003