مأساة الزهراء عليها السلام
 شبهات.. وردود

الجزء الأول

سماحة العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي


الطبعة الثالثة 1422 هـ. الموافق 2002م.


لماذا؟! كتاب مأساة الزهراء (ع)

/ صفحة 7 /

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله الطاهرين.

بداية:

أود قبل أن ابدأ حديثي الواضح والصريح: أن ألفت نظر كل الأخوة القراء إلى ما يلي:

إنني آمل أن يقرأوا ما أقدمه لهم قراءة متأنية وناقدة، من دون أن تكون ثمة خليفة تحملهم على أن يحكموا ـ سلفا ـ على هذا الكتاب حكما سلبيا، ربما يكون فيه الكثير من الشطط والتجني.


/ صفحة 8 /

كما وأطلب منهم أن لا يتهيبوا صاحب أية فكرة تطرح عليهم إلى درجة تحجبهم عن محاكمة الفكرة نفسها. وأن يكونوا منصفين وواعين.

فليس ثمة ما يفرض عليهم، أن يأخذوا جميع ما يقرؤونه أخذ المسلمات، وإن كان الكاتب يحب ذلك..

كما لا ينبغي لهم أن يرفضوا كل ما يقرؤونه أو يسمعونه من منطلق العصبية لهذا أو الحد ضدة ذلك، بل المطلوب: أنه إذا كان ثمة صواب أو خطأ فليأخذوا هذا الصواب، وليدعوا الخطأ، عملا بقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}(1).

فلا يصح أن تكون الفكرة الصحيحة في كتاب ما سببا في قبول الفكرة الخاطئة فيه ـ إن كان ثمة خطأ ـ كما لا يصح أن تكون الفكرة الخاطئة سببا في رد الفكرة الصحيحة فيه.

والطلب الأهم والأكثر حساسية هو أن يطالبونا ـ ويطالبوا غيرنا أيضا ـ بما يقنعهم، ويرضي وجدانهم، وتستجيب له ضمائرهم، لينالوا بذلك رضا الله سبحانه ورضا وشفاعة أنبيائه وأوصيائهم(ع)، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، فإن الحق أحق أن يتبع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزمر: آية 18. (*)


/ صفحة 9 /

مأساة الزهراء(ع):

لقد صدر كتابنا "مأساة الزهراء(ع).. شبهات وردود" قبل حوالي أربعة أشهر، فافتعلت حوله ضجة كان واضحا أنها ترمي إلى تحقيق أكثر من هدف، ولسنا في وارد الحديث عن ذلك هنا.

غير أننا لمسنا من خلال ذلك ضرورة توضيح دواعي إصدار هذا الكتاب، وسبب اختيارنا لخصوص هذه القضية، "قضية الزهراء(ع)" دون سواها، مع توخي الاختصار، والاقتصار على ما هو ضروري، دون الدخول ـ لغير ضرورة ـ في التفاصيل، ودون التعرض لكثير من القضايا التي قد تحرج البعض أو تخرجهم عن حالة الإتزان، وهو ما حصل بالفعل حين شعروا أن كتابنا الآنف الذكر يكاد يقترب إلى شئ من تلك القضايا، فكيف لو أردنا أن نتجاوز ذلك للتصريح، ثم التوضيح.

ولأجل ذلك فنحن نقتصر هنا على الإلماح إلى بعض القضايا، وعرضها الساذج، دون أن نحاول توضيحها، إلا فيما تفرضه الضرورة، ونترك الخيار بعد هذا للقارئ الكريم، فنقول:


/ صفحة 10 /

اختيار مأساة الزهراء(ع) لماذا!؟

والهدف من اختيار مأساة الزهراء (ع) لتكون الموضوع الذي نعالجه في سلسلة الموضوعات الكثيرة التي تصدينا لإحقاق الحق فيها مما يمس قضايا الدين والمذهب أمران، وهما:

الأول:

هو أن هذه المفردة "مأساة الزهراء(ع)" قد أصبحت بحاجة إلى توضيح وبيان من أجل إزالة ما ربما يكون قد علق في أذهان بعض الناس نتيجة للتشكيكات!! أو التساؤلات المنهجية!!

أو العلمية!! ـ على حد تعبير البعض ـ التي طرحت عليهم كرات ومرات، في عشرات المواقف الإذاعية، والمكتوبة، والعديد من المقابلات والمراسلات والمراجعات في ردح من الزمن طويل.

وقد طرحت أدلة كثيرة ومتنوعة في أكثر من اتجاه تهدف إلى نفي حصول أي عنف ضد الزهراء(ع) في بيتها، أو حتى ضد علي(ع) في بيت الزهراء(ع). وقد أعطيت تلك الشواهد والأدلة عناوين فكرية حضارية!! مثل "إثارات" أو "علامات استفهام" أو "شكوك في طريق البحث".. إلى آخر ما هنالك من تعابير أصبحت معروفة ومألوفة.


/ صفحة 11 /

فلذلك أردنا أن نقوم بدراسة الموضوع، من خلال معالجة تلك " الإثارات " بصورة تفصيلية، لنتمكن من استيعاب كل ما طرح من أمور تثير هذه الشكوك، ولنتمكن من ثم من تبديد "علامات الاستفهام" التي رسمت، علنا نستحق "الشكر"!! الذي وعد به هذا البعض عندما قال: "ونحن نشكر من يجيب على علامات الاستفهام التي رسمناها".(1) على أمل أن ينتهي الموضوع عند هذا الحد، وينحل بذلك الإشكال.

وكان الشكر الذي وعد به هذا البعض مميزا في نوعه وفريدا في بابه!! كما سنلمح إليه إن شاء الله تعالى.

الثاني:

إن قضية الزهراء(ع) ـ وبسبب ظروف معينة ـ قد تجاوزت طابعها العلمي الخاص، لتصبح عنوانا يشير إلى منهج عام يتعدى مجال التاريخ، إلى نواح أخرى في مجال الإهتمامات الإسلامية، كشؤون العقيدة، وعلم الكلام، وعلم الأصول، والحديث والفقه والتفسير، وحتى اللغة، بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى إيمانية وغيرها.

نعم: لقد أصبحت قضية الزهراء(ع) هي ذلك (الرمز)، أو قل: العنوان المشير الذي يختزل منهجا له مفرداته، وله طابعه الخاص، وله آفاقه وملامحه، وسوانحه وبوارحه.

ــــــــــــــــــــ

(1) جريدة فكر وثقافة: العدد 18 بتاريخ 19 ـ 10 ـ 1996 م. (*)


/ صفحة 12 /

لذلك أردنا أن تكون معالجتنا لهذا الموضوع مشاركة في إنجاز الواجب الذي يشعر به كل مسلم مؤمن، لا يجد مبررا لأن يقف موقف اللامبالاة، حيال محاولات التعرض لهذا الدين في عقائده وأحكامه، وفي رسومه وأعلامه، لا على قاعدة "التمسك بالموروث المقدس"، باعتباره دين الآباء والأجداد، كما يحاول البعض أن يتهمنا، ويتهم كل أتباع مذهب أهل البيت وعلماء الشيعة الأبرار..(1) بل على قاعدة التمسك بما دل عليه الدليل العلمي القاطع للعذر، والمثبت للحقيقة..

وحين تنطلق تلك المقولات، لتثير الشبهات في قضايا الدين، وتزعزع ثباتها، فسيكون لكل أحد الحق والحرية في الرد العلمي المناسب عليها، أيا كان مصدرها، دون مجاراة أو ممالأة.

وتلك هي مسؤولية كل من يمتلك من أسباب العلم والمعرفة ما يخوله القيام بذلك. وهذا ما شهدناه فعلا حيث بادر مراجع الدين وكثيرون ما علماء الأمة إلى تسجيل استنكارهم لمقولات هذا البعض، وأعلنوا رفضهم لهما، ولا نتوقع إلا استمرارهم في العمل بواجبهم الشرعي في هذا المجال ونحن معهم على الطريق.

ــــــــــــــــــــ

(1) بينات بتاريخ 25 ـ 10 ـ 1996 م. (*)


/ صفحة 13 /

هل أخطأنا التقدير؟:

وكنا نقدر: أن ذلك قد يغنينا عن التوسع في طرح سائر القضايا، التي قد تم ويتم التعرض لها من جانب هذا البعض عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهي قضايا تمتاز بكثير من الأهمية والحساسية، خصوصا ما يرتبط منها بقضايا العقيدة والإيمان فضلا عن غيرها من مسلمات الشريعة.

غير أن الوقائع أظهرت أن الأمور قد سارت على خلاف ما كنا نتوخاه.

فإن البعض قد صور للناس: "أن القضية الأساس التي تهمنا، ـ بل لا قضية تهمنا على الإطلاق ـ سوى قضية الزهراء(ع) وأنه ليس ثمة ما يثير اهتمامنا سوى حديث البعض: عن قضية كسر الضلع، وإثارته بطريقة سلبية".

وذلك في محاولة منهم للتمويه على الناس، وإبعادهم عن حقائق الأمور.

وقد ساعدهم على ذلك أننا التزمنا من طرفنا ـ عمليا ـ بعدم الابتداء بإثارة تلك القضايا، فأغراهم ذلك منا، وكانت هجماتهم الشرسة التي زادتنا ـ يوما بعد يوم ـ معرفة بحقيقة نواياهم، وبمدى إصرارهم على ما يقومون به.


/ صفحة 14 /

مما جعلنا أمام خيار وحيد، وهو مصارحة الناس بالحقيقة، وتعريفهم أن قضية الزهراء(ع)، إنما كانت مفردة واحدة إلى جانبها عشرات أمثالها، مما قد يكون أهم وأولى بالتصدي للبحث والتصويب.

ولعل من حق القارئ علينا أن لا نطيل انتظاره حين يصبح من الضروري تقديم مجموعة (عينة) من تلك الأقاويل، لتكون دليل وفاء بالوعد، وإشارة إلى أننا باقون مع هذا الإسلام العزيز على العهد. فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

أما فيما يرتبط بالاستقصاء لكل ما صدر عن البعض من أقاويل مكتوبة أو مسجلة. فذلك خارج فعلا عن حدود الوسع والطاقة لأنه يحتاج إلى عمر لنا جديد ومديد. على أننا لا نرى ضرورة لذلك، فإن القليل قد يعطي صورة أو يغني عن الكثير الذي جاء تعبيرا صريحا عن المشروع الكبير الذي يعمل له هذا البعض، والرامي إلى استبدال القديم الأصيل والثابت بالبرهان القاطع من تراثنا وعقائدنا المتوارثة (على حد تعبيره)، بما يعتبره جديدا وفريدا.. ودون أن ينتصر لهذا الجديد بدليل علمي يثبت أمام النقد.

ولذلك تراه يطعم أدلته أو يطورها، باتجاه ما يدعيه حسب الظروف، في إصرار ظاهر منه على مدعاه، الذي لم يزل عاجزا عن الاستدلال العلمي الصحيح عليه، الأمر الذي يوحي بأنها أفكار جاهزة يبحث لها عن دليل يستنسبه لها، ربما لأنه


/ صفحة 15 /

يعتبرها جزءا من مشروعه التجديدي الذي انبهر به كثيرون، والذي يرمي إلى تصحيح الأخطاء التي يجدها ـ كما يقول ـ في عقائدنا المتوارثة، على قاعدة صدم الواقع ـ على حد تعبيره أيضا. في مناسبات كثيرة.(1).

والغريب في الأمر أن ذلك الذي يريد التجديد وصدم الواقع بمجرد أن أحسن ببعض الجدية في الموقف تجاه تلك الأقاويل بدأ يتهم الآخرين بالحسد، والتجني، وبالعقد النفسية، والتخلف، وبالعمالة للمخابرات، أو بالوقوع تحت تأثيرها، وأن المقصود إسقاطه، أو تحطيم مرجعيته، وأن من يعترض على أقاويله هو "بلا دين" الخ.. تعابيره المختلفة والتي تصب في هذا الاتجاه.

بل لقد بدأ ينكر بعض أقاويله تلك ويتطلب لبعضها الآخر التفسيرات والتأويلات والمخارج، كما أنه لم يزل يطلق الدعاوى بعدم فهم الآخرين لمقاصده، بل حتى وصل به الأمر إلى حد أن أعلن ـ أكثر من مرة ـ أن تسعين بالمئة مما ينقل عنه مكذوب عليه، وعشرة بالمئة مغلوط،... أو أن 99، 99 % بالمئة كذب وافتراء.

فأين التجديد إذن؟ وأين التصحيح؟ وبماذا يريد أن يصدم الواقع يا ترى؟!! إذا كان قد تنكر لأقواله الجديدة؟

وبماذا يريد أن يقتحم المسلمات على حد تعبيره مؤخر؟!

ــــــــــــــــــــ

(1) دنيا المرأة: ص 25، ومجلة المرشد ص 282. (*)


/ صفحة 16 /

وأية مسلمات هي التي يريد اقتحامها يا ترى؟!.

على أننا ما زلنا نأمل أن لا نضطر لنشر دراسات موسعة حول موضوعات كثيرة، حساسة وهامة جدا، تختزنها مؤلفات ومنشورات البعض، إذا كان ثمة إمكانية لتلافي ذلك بصورة أو بأخرى.

ردود الفعل على الكتاب في اتجاهين:

وأما عن ردود الفعل على الكتاب من قبل من يعنيهم أمره، فقد اختلفت وتنوعت في مظاهرها، ولكنها في جوهرها كانت تصب في اتجاهين:

الأول:

إتجاه لم يزل يعتبر كتاب "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود" إنجازا هاما في مجال التحقيق العلمي والموضوعي، حيث تكفل بتقديم إجابات منطقية، صحيحة وقاطعة للعذر، تسد الطريق على الشبهات المطروحة، وعلى رأس هؤلاء المراجع العظام في النجف الأشرف، وفي قم المشرفة في ايران الإسلام أعزها الله.

وقد وصلتنا رسائل خطية، وتصريحات شفهية بهذا المعنى من عدد منهم أدام الله وجودهم حماة وذادة عن هذا الدين.


/ صفحة 17 /

هذا بالإضافة إلى رسائل وتصريحات أخرى في نفس الإتجاه أيضا من علماء أفذاذ، أثروا العالم الإسلامي بمؤلفاتهم القيمة، ولهم شهرتهم العلمية الكبيرة.

ولا نبالغ إذا قلنا: إننا لا نعرف أحدا من العلماء الأبرار الكبار، ممن يحمل اسم عالم بحق وصدق، قد اطلع على الكتاب أو ذكر في محضره إلا وأثنى عليه ثناء عاطرا وجميلا!.

كما لا يخفى على كثيرين الصدى الطيب الذي تركه هذا الكتاب في أوساط الشباب المؤمن والمثقف، حيث فوجئ الكثيرون منهم، حين لمسوا كيف يتم تمرير هذه الطروحات من خلال المنابر والكتب وغيرها، وطرحها مع غيرها من المقولات بهذه الغزارة، وبهذا الإصرار، حتى أنك لتجد الفكرة الواحدة في عشرة كتب، وربما أكثر، أو أقل. وكان الذي فاجأهم أكثر هو أن تثار هذه القضايا من ـ قبل ذلك البعض ـ في ظل هذه الظروف الصعبة والقاسية في تاريخ صراع أمتنا ضد العدو الاسرائيلي، وكل قوى الاستكبار العالمي.

الثاني:

ردة فعل الجهة المعنية التي ترى نفسها متضررة من هذا الكتاب، والتي كانت السبب في الكتاب من الأساس، من حيث أن أحد رموزها هو الذي أثار الشبهات التي تنوعت في مظاهرها وأشكالها فانبروا للدفاع عنه (على قاعدة وجوب شكر المنعم).


/ صفحة 18 /

وهذه الردود كانت كلها تصب في إتجاه واحد، وهو الإدانة والرفض والمواجهة الكاسرة إلى درجة أصبحنا لا ندري إن كان ثمة حدود شرعية أو أخلاقية يجدر بهم التقيد بها، والانتهاء إليها، ولو ظاهريا؟ أم أن المحرمات قد سقطت، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا راجحا بل بل واجبا، إذا كان يسهم في حفظ الكيان، أو الشخص، أو الجهة؟! وذلك على القاعدة التي هي على خلاف قواعدنا الإسلامية، والتي أطلقها ميكا فيللي من قبل: "إن الغاية تبرر الواسطة" أو الوسيلة، هذه القاعدة التي طورها البعض إلى درجة أنها أصبحت ليس فقط تبرر، وإنما تنظف الواسطة ربما على "طريقة التصويب" الباطل عند الشيعة الإمامية، زادهم الله عزا وسؤددا وشرفا.

ملامح من ردود الفعل:

ونستطيع أن نذكر نماذج من مظاهر ردود الفعل التي ظهرت لدى تلك الجهة المعنية بالكتاب، وهي ما يلي:

1 ـ قد صدرت عن البعض ردود فعل انفعالية على المنابر، وعبر الإذاعات، وفي المجالس الخاصة والعامة، تحاول النيل من قيمة الكتاب ومن الكاتب، وتعتبره قد ألف بطريقة غير شرعية!؟


/ صفحة 19 /

2 ـ تحريم الكتاب بيعا، وتداولا، وقراءة!! وممارسة ضغوط على الناس، هذا مضافا إلى مراجعة بعض دور النشر والمكتبات، لمنع تداول الكتاب.

مع أن نفس ذلك البعض قد أعلن عبر أثير الإذاعة رفضه لمقاطعة كتب الضلال، واعتبر ذلك خطأ لا بد من تجنبه.

3 ـ إشاعات كاذبة، كثيرة ومتنوعة أطلقوها ويطلقونها في أكثر من إتجاه، دونما وازع من دين، أو رادع من وجدان، وقد جاء قسم منها:

ألف: بصيغة إفتراءات تهدف إلى النيل من كرامة المؤلف، والتشكيك بأدبه وأخلاقه، ودينه واستقامته.

ب: وقسم آخر جاء على شكل سباب وشتائم، وإهانات، تصب في اتجاه النيل من المقام العلمي للكاتب، وموقعه، وتصويره على أنه جاهل، متخلف، ومتسلط في الرأي، غير قادر على الإدراك الصحيح لكلام البعض، إلى غير ذلك.

ج: محاولات التشكيك بقيمة الكتاب العلمية، أو بمنهجيته، أو خلفيته، بل بمصداقيته أحيانا.

د: الحديث عن خلفيات موهومة دفعت المؤلف إلى إصدار هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات.

4 ـ تهديدات مبطنة، وإتهامات قاتلة، وممارسة أساليب إرهاب، وتسلط، وهيمنة، واستعانة بقوي أمنية للحد من تأثير


/ صفحة 20 /

الكتاب، والحد من نشاط من يقرؤه، ومن يتداوله، ومن يتعاطف معه أو يعلن عن رأيه في تلك المقولات التي ناقشها.

5 ـ محاولة الضغط باتجاه اعطاء الكتاب طابعا سياسيا، وجعله في دائرة التوازنات، وإخضاعه من ثم لأجواء الأخذ والرد في سوق المنافع والمزايدات، وحتى المصالحات السياسية حين تلجؤهم الضرورات إلى ذلك.

6 ـ التشكيك بأهداف الكاتب ودوافعه، واعتبار الكتاب تارة مجرد مظهر لمطامح شخصية، وأخرى استجابة لأحقاد، وتارة ثالثة نتيجة عقد نفسية أسقطها البعض على المؤلف.

وعلى جميع الحالات فإن النتيجة ـ بنظرهم ـ هي أن هدف كتاب "مأساة الزهراء(ع)" هو الاغتيال السياسي، والعلمي، والاجتماعي لما يسمونه ب‍ـ "الرمز" أو بـ‍ "القيمين على الحالة الإسلامية".

وتلك جريمة مرعبة تنتهي حسب تصويراتهم باغتيال الإسلام نفسه باسم الإسلام، فوا إسلاماه!! و وآ مصيبتاه!!!.

لا سيما وهم يصورون الأمر للناس على أنه خطة تنتج فصولها، وتدير حركة الصراع فيها، أو تحرك خيوطها بذكاء، دوائر المخابرات الدولية، أو الإقليمية حتى الموساد، أو المحلية، بل والإسلامية، وما إلى ذلك.

7 ـ محاولتهم حصر الموضوع في قضية تاريخية، وتاريخية فقط. لصرف الأنظار عن المقولات الكثيرة التي ترتبط


/ صفحة 21 /

بالنواحي العقيدية والإيمانية، وقضايا الدين التي تعرضنا لها في نفس الكتاب.

8 ـ محاولتهم إثارة علامات استفهام حول جدوى موضوعات كهذه ـ رغم أنهم هم الذين ما فتئوا يصرون على طرحها ـ وذلك بعد أن صوروا للناس أن الأمر لا يتعدى الناحية التاريخية الخاصة جدا، وهي خصوص قضية كسر ضلع الزهراء(ع) دون سائر ظلاماتها عليها السلام.

9 ـ محاولة ربط الموضوع برمته ـ من أجل الدعاية والإعلام طبعا! ـ بجهات تخطط لإسقاط مرجعية فلان من الناس، لأنها ترى نفسها متضررة من ظهور مرجعية عربية، وفية لعروبتها، مقابل المرجعيات الفارسية ولعلها بنظرهم وفية لفارسيتها أيضا..؟(1) أو ما إلى ذلك، متهمين مرجعية دينية كبرى لبعض الدول الإسلامية بأنها الجهة التي تدير حركة الصراع ضدهم، وتصويرها على أنها مجرد منافسة لهم في المرجعية.

ــــــــــــــــــــ

(1) ومن شواهد ذلك: أنه في المقابلة التلفزيونية في هذا الصيف التي شاركه فيها سركيس نعوم قد بدا راضيا عن أقوال نعوم الذي ركز على موضوع المرجعية الفارسية والعربية ولذلك لم يعترض عليه ولا سجل أي تحفظ على أقواله. (*)


/ صفحة 22 /

الردود المكتوبة:

وعدا عن هذا، وذاك، وذلك، فقد ظهرت ردود مكتوبة من جهة ذلك البعض الذي أثار كل هذه الأجواء، ولم يزل يبذل جهودا حثيثة لتركيز مقولاته ـ على اختلافها وتنوعها ـ في عقول ونفوس الناس، عبر وسائل الإعلام المتنوعة، ومن خلال الإمكانات الكبيرة المتوفرة لديه، حتى إنه يصدر في فترات متقاربة جدا، وبصورة متلاحقة كتابا أو أكثر يضمنه نفس الأفكار، بل نفس الخطابات والمقابلات أحيانا، ولكن كل كتاب يأتي بشكل، وبحجم وباسم، وتنسيق يختلف عن سوابقه.

ولكنك إذا فتحت أي كتاب منها فستقرأ تلك الأفكار المعهودة التي يراد تركيزها بهذه الطريقة في أذهان الناس..

وما ظهر من جهته من ردود على كتابنا "مأساة الزهراء (ع)" لكتاب، أو مستكتبين، أو في مقابلات إذاعية مع الابن والأخ، وسواهما فإنما كانت تحاول رد الاعتبار، أو إثارة الشبهات والتشكيك بالكتاب وبالكاتب.

هذا وقد روجت أجهزة إعلامهم لهذه الردود بقوة، حتى إن مقابلة إذاعية أجرتها إذاعة محلية يملكها ذلك البعض مع أحد أولئك المستكتبين قد بثتها تلك الإذاعة أربع مرات خلال أقل من


/ صفحة 23 /

أسبوع واحد، وقد ترافق ذلك مع ألقاب ونعوت فضفاضة منحت لذلك الكاتب، لم يكن ليحلم بها لو لا أنه أول من رمى بسهم.

ثم وزعوا تلك المقابلة بالذات على الناشئة بعد أن قامت تلك الإذاعة في إعلانات متتابعة خلال أيام بدعوة الناشئة إلى الحصول على الشريط المسجل لتلك المقابلة، في محاولة منهم لبث روح العداء والشحناء والبغضاء في تلك النفوس البريئة.

وذلك يكفي للتدليل على فشلهم الذريع في المواجهة العلمية والمنطقية، وعلى مدى الإسفاف في التعامل مع من ينتقد فكرة من يسمونه ب‍ "الرمز" على حد تعبيرهم.

ولا نريد أن نتوقف كثيرا عند توزيع إداراتهم ومؤسساتهم لآلاف النسخ بالمجان على مختلف العباد في مختلف البلاد، فصرف تلك المبالغ الكبيرة ربما كانت له مبرراته!! التي لعلهم يعذرون لأجلها، حسب موازينهم!! التي أشرنا إلى بعضها، والتي ينطلقون منها في هذه الأمور!!

قيمة تلك الردود علميا:

ولا نبالغ إذا قلنا: إننا حين اطلعنا على مضامين تلك الردود قد أصبنا بالدهشة، حين لم نجد فيها ما ينبغي أن يلتفت إليه من حيث القيمة العلمية.


/ صفحة 24 /

وكانت دهشتنا أعظم، ونحن نرى مدى الاهتمام بنشرها وتوزيعها على أنها جهد علمي يكفي لتبرير مقولات البعض، وإسقاط اعتراضات الآخرين. ولا ندري كيف استساغوا بذل هذا الوقت والجهد و... المال!؟ لنشرها، أو الترويج لها عبر وسائل إعلامهم المختلفة.

ولأجل ذلك وغيره ـ فإننا من ناحيتنا ـ آثرنا إهمالها، ولم نر ضرورة لصرف الوقت والجهد، لبيان وهنها وسقوطها، وقصورها.

فإن ما حوته هذه الردود من أضاليل، وتلفيقات، وافتراءات، وسوء أدب، وجهل ذريع، ثم ما انفردت به من مجموعة انتقائية من التعابير الجارحة، إن ذلك كله لا يكاد يخفى على منصف ذي قلب قد ألقى السمع وهو شهيد.

وبإهمالنا لها نكون قد فوتنا الفرصة على ذلك البعض الذي كان يراهن على إشغالنا بأمور جانبية ـ وصرف وقتنا في "قلت، وقلنا، وأقصد، ولم يفهموا قصدي" ليبقى ذلك البعض معتصما في برجه العاجي مصورا للناس: أنه مترفع عن هذه الأمور، وأن مشكلتنا ليست معه فقط، وإنما مع كثيرين من الناس، الذين بادروا للانتصار لتلك المقولات مع أنه هو الذي لم يزل يذكي نارها ويؤجج أوارها، في الخفاء تارة، وفي العلن أخرى، تصريحا مرة وتلويحا أخرى، وهو الذي يبذل الأموال الخطيرة


/ صفحة 25 /

في طباعتها، وتوزيعها ـ وربما ـ المكافأة عليها، بعد اطلاعه عليها، وتصويبه لما فيها!!

ومن جهتنا فإن ذلك كله ليس فقط لم يستطع ـ ولن يستطيع ـ أن يحقق لهم أهدافهم، بل هو قد زادنا يقينا بأمور ثلاثة:

الأول:

إن كتابنا: "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود" هو رد حاسم وقوي على ما طرحه البعض ولا يزال يطرحه... وأنه لا يملك أي رد علمي وموضوعي عليه، ولأجل ذلك، فإننا لم نجد ضرورة لإعادة النظر في أي من مطالب الكتاب.

الثاني:

إننا أصبحنا أكثر اقتناعا بلزوم التصدي لما يطرحه البعض من أمور، حيث تأكد لدينا: أن ثمة إصرارا أكيدا على نشر تلك الأقاويل وترسيخها في العقول والنفوس، الأمر الذي يشكل خطرا أكيدا على كثير من قضايا الدين والعقيدة والإيمان.

الثالث:

إننا قد تأكد لدينا: أنه قد كان من المفروض: أن تطرح أما أعين الناس كل أو جل تلك المقولات لا أن نكتفي بإثارات يسيرة توخينا من خلالها أن يعرف الطرف الآخر: أننا لن نسكت ولن نجامل أحدا حين نجد أنفسنا أمام التكليف الشرعي بالتصدي لأي إخلال بقضايا الإسلام والإيمان.


/ صفحة 26 /

مراجع الأمة وأعلام المذهب يتصدون:

هذا وإن مراجع الدين وعلماء الأمة الأبرار، لم يسكتوا عن هذا الأمر، وإن اختلفت حالات التصدي، وجهاته وكيفياته، وقد صدرت فتاوى عن عدد من مراجع التقليد، رفضت بعض تلك المقولات حتى اضطر صاحبها إلى بذل محاولاة ـ لم تكن ناجحة ـ للتنصل منها تارة وللإجابة والرد عليها تارة أخرى، هذا عدا عن إلماح بعض المراجع في النجف الأشرف إلى ثبات عقائد المذهب أما محاولات التشكيك، التي تتعرض لها(1).

يضاف إلى ذلك، مؤلفات صدرت، وكتابات نشرت تنتقد وتفند، وخطب ومحاضرات ترفض وتندد.. لم تزل تتوالى من قبل كثير من أهل العلم والفكر، من حماة المذهب ورموزه وأعلامه.

وقد لقي كتابنا "مأساة الزهراء(ع): شبهات وردود" ـ كما أسلفنا ـ ترحيبا واسعا، وكانت له الحظوة لدى المراجع العظام، ولم تزل تصلنا منهم ـ كتابة ومشافهة ـ رسائل الثناء والتأييد، والدعاء لنا بالتوفيق والتسديد.

ــــــــــــــــــــ

(1) وذلك في بيان صدر عن مكتبة في (قم) لتكذيب ما أعلن في صلاة الجمعة ونشر في بيان، وأذيع عبر إذاعة تابعة للبعض حول تزوير ختمه وإبطال العمل به. (*)


/ صفحة 27 /

هذا عدا ما وصلنا من رسائل من شخصيات علمية كبيرة تعبر عن اغتباطها بهذا الكتاب، وعن سرورها وإعجابها به ربما نوفق لنشرها في المستقبل.

وحتى لو كنا في محيط لم يجد فيه الآخرون فرصة للتحرك وللتصدي، فإن ذلك يضاعف إحساسنا بالمسؤولية، ويحتم علينا أن نقف ولو بمفردنا للذب عن حقائق المذهب، وقضايا الإيمان والإسلام، ونجد أنفسنا مطالبين أكثر من أي وقت آخر بإنجاز هذا الواجب الشرعي العيني الجازم في نصرة ديننا الحنيف.

يدنا ممدودة للحوار:

وبعد.. فإن كتاب مأساة الزهراء قد جاء بعد أن انتظرنا عدة أشهر، دعونا فيها ذلك البعض للحوار المكتوب، وفي أكثر من رسالة ومع أكثر من رسول، لكنه لم يزل يرفض ويأبى، ونحن لم تزل يدنا ممدودة تطلب ذلك وتصر عليه كحوار علمي وموضوعي، لأنه الوسيلة الأمثل لإحقاق الحق، وتجنيب الساحة المزيد من الإرباك بالطروحات المثيرة للقلق على مفاهيم الناس، وقضاياهم الإيمانية، شرط أن يكون حوارا جديا وموضوعيا، يلتزم الطرفان بشروطه وبنتائجه وآثاره، حين يدار بطريقة واعية تلزم الطرفين ببيان مقاصدهما بدقة، وعدم التنكر لمعاني كلامهما، وفقا لما يفهمه الناس ويتداولونه، ويحتج به بعضهم على بعض.


/ صفحة 28 /

اعتراضات، ومؤاخذات:

وبعد.. فقد أبلغنا ببعض الاعتراضات ووجهات النظر المختلقة حول كتابنا "مأساة الزهراء" وقد رأينا أن نشير إليها أيضا في هذا التقديم، مع إلماحة سريعة إلى موقفنا منها.

لماذا التصدي؟!

قد يتساءل البعض: لماذا لا نسكت كما يسكت الآخرون، فإن ذلك يوفر علينا الكثير من المتاعب والمصاعب، لا سيما وأن ثمة قدرات مادية! وإعلامية! وأمنية!! ورصيدا شعبيا لدى البعض، يمكنه من إلحاق الأذى بجميع أنواعه بمن يقف في وجهه... ويستشهدون لذلك بما جرى على العلامة السيد ياسين الموسوي حفظه الله وغيره من الناس.

ونقول:

1 ـ إذا كان ثمة تكليف شرعي يوجب التصدي فلا بد من رد السؤال إليهم لنقول لهم: لماذا يسكت الآخرون؟ ولماذا لا يتكلمون كما نتكلم ولا يتصدون كما نتصدى؟! لا سيما وأن الأمور التي هي محل النقاش ليست إلا مفردات دينية محضة، لا علاقة لها بسياسة أو منصب وغير ذلك. كما أن المراجع قد قالوا كلمتهم الداعية إلى عدم السكوت في هذا المجال.


/ صفحة 29 /

2 ـ إن التكليف الشرعي ـ حيث يراد الإلزام بالحجة ـ هو الحكم وهو الفيصل وليس الخوف من القدرات المادية أو من التعرض للأذى. أو غير ذلك، وقد قال تعالى: {الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل}(1).

3 ـ لو كان هذا المنطق هو الحاكم ويسمح للناس بالانسحاب من الساحة والاسترخاء، فقد كان المفروض بالأنبياء والأوصياء والمصلحين أن ينسحبوا من ساحات التصدي والمواجهة، لئلا يتعرضوا للأذى، ولأن الآخرين كانوا على مدى التاريخ أكثر استجماعا للقدرات المادية، من إعلامية وغيرها، وأكثر جمعا للناس من حولهم.

تقديس التراث:

ثمة من يتهمنا بتقديس التراث، غثه وسمينه، على قاعدة: {إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون ـ أو مهتدون}(2).

فمثلا: لماذا تقديس كتاب سليم بن قيس؟!

أليس لأنه وثيقة تراثية؟!

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران: آية 173.

(2) سورة الزخرف: آية: 22 ـ 23. (*)


/ صفحة 30 /

ونقول:

إننا لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن ما يلزمنا من التراث هو ما ثبت لدينا بالأدلة العلمية الصحيحة، والقاطعة للعذر، على نحو يفرض علينا التمسك به، والدفاع عنه، وعدم السماح لأي كان بالمساس به، من حيث أنه يمثل حقيقة دينية وإسلامية.

وأما بالنسبة لكتاب سليم، فقد قلنا: إن وثاقة مضمونه عندنا ـ وهو عند غيرنا من العلماء كذلك ـ لا تعني أن ذلك لأجل كونه تراثيا، بل لأجل ثبوت ذلك بالدليل.

وقد غاب عن هؤلاء: أننا في نفس الوقت الذي أكدنا فيه على قبولنا كتاب سليم بن قيس على أساس الدليل، فإننا ناقشنا كتاب "مؤتمر علماء بغداد" وكان لنا رأي تجاهه. وقد سجلناه في نفس كتابنا مأساة الزهراء(ع).

وأن منهجنا العلمي في "كتاب مأساة الزهراء(ع)" كما هو في سائر كتبنا يثبت حقيقة أننا أبناء الدليل كيفما مال نميل..

ونحن نقول لكل من يدعي علينا أمرا:

لا يكفي إطلاق التهم، بل لا بد من إقامة الدليل القاطع عليها، وإلا فإن من يطلقها سيكون هو المتهم الذي قد لا يستطيع إثبات براءته مما أوقع نفسه فيه.


/ صفحة 31 /

إشارة:

هذا ونود أن نشير هنا إلى أننا حين تحدثنا عن كتاب "مؤتمر علماء بغداد"، فإن محط نظرنا كان نفس الكتاب، من حيث أنه تأليف من؟!

وفي أي زمان ألف؟!

مع إلماحة إلى بعض المطالب الواردة فيه. واعتمدنا في ذلك على النسخ المطبوعة والمنتشرة، ولعل أفضلها هي النسخة التي علق عليها الأخ العلامة الشيخ محمد جميل حمود، وطبعت تعليقاته في هوامشها، وهي ـ والحق يقال ـ تعليقات نافعة ومفيدة، وقد أتعب نفسه في جمع مصادرها والإشارة إلى الشواهد الدالة على وجود كثير من مضامين ذلك الكتاب في غيره من الكتب المعتبرة، فشكر الله سعيه، وسدد الله خطاه.

التنازع في جنس الملائكة:

وقد يقال أو يشاع: أن موضوع الكتاب هو من الأمور الهامشية التي لا أهمية لها، فلماذا نشتغل بها؟ مع أن البعض مشغول فيما هو أهم، ونفعه أعم. وهل هذا إذا من قبيل التنازع في جنس الملائكة، في حين أن الآخرين قد وصلوا إلى المريخ؟!

أليس ذلك دليل ضيق الأفق، والتحجر، والتخلف الفكري؟!


/ صفحة 32 /

ونقول:

1 ـ ليت شعري من الذي طرح هذا الأمر وسواه من أمور كثيرة، ولم يزل يصر عليها في وسائل إعلامه، ويصرف الجهد ويجند الطاقات المادية، والبشرية، والمعنوية للتأكيد عليها، وتكريسها؟!!

ثم هو لم يزل يتهجم على علماء الأمة ومراجعها، ويوجه إليهم شتى أنواع التهم من أجل خصوص هذه الأمور. وقد شغل الناس والعلماء بها طيلة هذه الأشهر والسنين العديدة والمديدة.

2 ـ إن النزاع مع هذا البعض ليس في جنس الملائكة، ولا هو من قبيله، وإنما هو في أمور حساسة وهامة، وبعضها له مساس بالإمامة، والعصمة، وبمواصفات الأنبياء(ع)، والأئمة (ع) وبدورهم، وبغير ذلك من أمور دينية..

أما قضية الزهراء(ع)، فإن هذا البعض ينكر حصول أي عنف ضدها وفي بيتها سوى التهديد الصوري بالإحراق.

وهذا على خلاف ما كان قد أعلنه في مدينة قم المشرفة، في خطبة له في حسينية الشهيد الصدر، حيث يقول فيها بالحرف الواحد: ".. حفل التاريخ والحديث، وتضافرت الروايات، من أنها ضربت، وأنها أسقطت جنينها.. وأنها.. وأنها.."(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) هذا النص للمحاضرة نشر في مجلة: قضايا إسلامية (قم) العدد الأول: ص 13، وهو في محاضرة مسجلة بصوته على شريط كاسيت، موجود لدى = (تابع هامش الصفحة التالية)


/ صفحة 33 /

ولكنه قد عاد إلى الإنكار من جديد.. وأعلن ذلك في مرات عديدة، قائلا عبر إذاعة صوت الإيمان، إنه لم يعتذر ولم يتراجع، بل تكلم بما يوافق نظر الآخرين خوفا من الفتنة، مع أنه عاد بعد هدوء هذه "الفتنة" إلى قم وخطب خطبته هذه، والتي تضمنت ما عرفت!

ــــــــــــــــــــ

(ما قبله من الصفحة السابقة)= الكثيرين، وهذه الخطبة كان قد ألقاها في حسينية الشهيد الصدر في قم المقدسة بتاريخ 21 شعبان سنة 1414 أي حوالي سنة 1993 م.

ولكن مجلة رؤى ومواقف في العدد رقم: 3 ص 22 ونشرة بينات: تاريخ 16 ـ 5 ـ 1997 م قد أعادت نشر هذه الخطبة بالذات ولكن مع تغييرين، هما:

1 ـ جعل تاريخ المحاضرة هو سنة 1995 م بدلا من التاريخ الحقيقي خصوصا أنه لم يذهب إلى قم في تلك السنة.

2 ـ التغيير في العبارة والزيادة عليها بما يزيل التناقض في مواقف قائلها، ويغطي على التراجع ـ الذي عاد ليتراجع عنه أيضا في هذه المدة المتأخرة، فأصبحت العبارة هكذا:

" حفل التاريخ بأحاديث تنوعت (!!)، من أنها ضربت، وأسقط جنينها، وأنها، وأنها.. لكنها لا تنفي الإساءة إلى حرمتها، وحرمة بيت النبوة، بالهجوم عليه، والتهديد بإحراقه، حتى ولو كانت فاطمة(ع) في داخله".

 فتبديل كلمة: "تضافرت" بكلمة: "تنوعت" واضح الهدف، فإن التضافر يفيد: أن الروايات كلها منصبة على معنى واحد تثبته وتؤكده وهو الأمر الذي أردنا إثباته في كتاب "مأساة الزهراء(ع)، أما كلمة: "تنوعت" فتفيد أن كل رواية تحكي أمرا يختلف عن غيره، فليس فيها تأكيد على أمر واحد..

وقد جاءت الزيادة في العبارة لأجل تأكيد ذلك أيضا فلاحظ وقارن فهذا التصرف والتزوير يعطينا ويؤكد لنا عدم إمكان الاعتماد على ما ينقلونه لنا. وليس هذا هو الشاهد الوحيد على ذلك. فلدينا من أمثاله الكثير..)(*).


/ صفحة 34 /

الأمر الذي اضطرنا بعد تردد طويل، وبعد محاولات فتح حوار معه، ثم محاولات لحصر الموضوع في نطاق خاص، باءت كلها بالفشل ـ اضطرنا ـ إلى كتابة كتابنا: "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود".

فواجه البعض هذا الكتاب بطريقة انفعالية، وتحريضية.. ثم لم يزل ينفق الأموال، ويشجع على نشر ردود فيها الكثير من الأباطيل والأضاليل، ويعمل على تركيز مقولته تلك وترسيخها، وإبطال الظلم الذي حاق بالزهراء(ع)، وتبرئة الظالمين.

وقد أثبتنا في كتاب "مأساة الزهراء(ع)" أن هناك أزيد من هذا التهديد بالإضافة إلى أمور إيمانية أخرى تعرضنا لها إجمالا تارة وتفصيلا أخرى. كما يظهر لمن راجع الكتاب المذكور، ونظر فيه بتجرد وإنصاف.

لماذا تأخر الرد؟!

ومن المؤاخذات التي طولبنا بها قولهم: إذا كان ذلك البعض قد لهج بهذه الأمور، وسجلها في مؤلفاته منذ سنوات طويلة، فلماذا تأخرت الإعتراضات إلى هذه المدة الأخيرة..

ونجيب:

1 ـ إن كتابات ذلك البعض لم تكن موضع إهتمام العلماء في بحوثهم وتحقيقاتهم، لأنهم يعتبرونها مجرد كتب مطالعة لجيل


/ صفحة 35 /

الشباب. وليست متداولة فيما بين العلماء والمحققين والباحثين، بل كان المهتمون بكتبه هم ـ في الأكثر ـ فريق خاص، تربطهم به علاقات خاصة، وحالة معينة.

2 ـ أما بالنسبة لقضية الزهراء(ع) فقد بدأت الاعتراضات على مقولاته فيها وفي غيرها قبل سنوات، فقد قامت ضجة حولها في سنة 1993م. وتراجع البعض عن مقولاته، وتراجعه هذا مسجل ومكتوب، ثم عاد في الآونة الأخيرة لينقض ذلك التراجع، تحت شعار الانحناء أمام العاصفة، وأما بالنسبة لسائر طروحاته فقد كان هناك قدر كبير من حسن الظن، وأخذ الأمور على طبيعتها، ومن موقع الثقة، حيث لم يكن ثمة مبرر لتوهم اشتمال تلك المؤلفات على ما يتعارض مع موجبات حسن الظن هذا..

مع ملاحظة: أن أكثر تلك المؤلفات قد وضعت وكتبت في ظروف الحرب، التي تفرض سلبياتها في المجالات المختلفة، ومنها مجال تداول المؤلفات من قبل أهل الاختصاص والعلماء والشباب المؤمن والواعي للتدقيق فيها ومحاكمتها.

وهذه الظروف بالذات وغيرها قد أبعدت مؤلف هذه الكتب عن الاحتكاك المباشر بأفذاذ العلماء، وكبار المحققين في الحوزات العلمية، إلا في زيارات رسمية خاطفة، لا تسمح باستشراف عمق أفكاره، والوقوف على حقيقة قناعاته.. حتى لو


/ صفحة 36 /

طرحت للتداول، فإن ذلك لا يستبطن ـ بالضرورة ـ معرفتهم بأن تلك هي قناعاته الأخيرة.

لا سيما وأنه إنما يطرح تلك الأفكار تحت شعار تحريك الجو العلمي، الذي لا يحتاج إلى أكثر من إفتراض فكرة، ولو كانت واضحة الفساد.

من هو المظلوم؟ وهل هذا تشهير؟

ومن الأمور التي سمعناها قولهم:

بأننا قد شهرنا بالبعض وظلمناه، حين نشرنا كتابا يحاكم آراءه وأقاويله ويفندها.

ونقول:

1 ـ إننا لم نكن نرغب في الحديث هنا عن ظالم ومظلوم، لأن القضية ليست قضية شخصية أساسا.

وحين تصبح شخصية فلن يكون لطرحها، وتداول الحديث عنها، وفيها، بهذه الطريقة مجال ولا مبرر.

وكان ينبغي أن يتمحض الحديث عن الحقيقة المظلومة، التي يراد تغييبها عن الناس، الذين لهم كل الحق في اكتشافها وامتلاكها، والإحاطة بها والتعرف على دقائقها.


/ صفحة 37 /

كما أننا لا نرغب في الحديث عن ظلم يمارس تحت شعار العدل!!

ولا عن ظلم يقال للناس عنه: إنه صفح وعفو عن الضحية كما نسمعه من البعض، مرة بعد أخرى..!!

أما إذا كان ثمة حديث عن ظالم ينتحل صورة الورع التقي، الذي يمارس جريمته من موقع الرحمة والإحسان، ليكون بذلك إنسانا إلهيا، لا يفكر بالقضايا الصغيرة والهامشية، فلسنا نتصور أن يحدث أمر كهذا إلا في نطاق ثورة تجديدية للقيم والمفاهيم، وهي التي يرى بعض رواد الحداثة: أنها أصبحت من التراث الدارس في الماضي البعيد والسحيق.

ومهما يكن من أمر: فإن المطلوب هو أن لا يكون ثمة ظلم للحقيقة، ولا للقيم، ولا للمثل العليا.. فإن ذلك يكون أفحش من كل ظلم يمكن الحديث عنه.

2 ـ وحيث أصبح لا بد من الإشارة ـ رغما عنا ـ إلى ما طلب منا الإشارة إليه، فإننا نقول:

إننا نستغرب أن يصبح الظالم مظلوما، والمظلوم ظالما إلى درجة أن يعترض هؤلاء على نشر كتاب يفند مقولات البعض، ولا يعترضون عليه هو من أجل طرح مقولاته تلك وإشاعتها، رغم دعوتنا له لمناقشة هذه الأمور أمام العلماء وأهل الفكر قبل طرحها على الناس العاديين، فأجابنا في نشرة بينات بتاريخ 25 ـ 10 ـ 1996 م. فقال:


/ صفحة 38 /

".. أنا لا أؤمن بأن الناس عوام يجب أن نبقيهم على جهلهم... إلى أن قال: إني أرى أن من الخطأ إثارة القضايا في المجالس الخاصة وحسب، بل لا بد من أن نثيرها في المجالس العامة ".

فنحن مع هذا البعض كما قال الشاعر:

يظلمني ثم أسمى ظالما     *     يشتمني ثم أسمى شاتما

3 ـ وأما التشهير ـ لو صح ـ فمن الواضح: إن ذلك البعض هو الذي شهر بنفسه بمبادرته إلى التشكيك من على المنابر، وعبر أثير الإذاعات، والكتب والصحف، والمجلات، وغيرها... في أمور لا تقبل التشكيك، لوضوحها، ولقيام الأدلة القاطعة عليها، ولا ننسى أن التصريح باسمه إنما جاء من قبل من تصدوا من قبله هو للدفاع عنه.

كما أنه هو الذي لم يزل يعمل على نشر هذه الأقاويل وإشاعتها، كما هو واضح للعيان.

قضية النقل عن السيد شرف الدين:

ومما أخذ علينا في هذا الكتاب: أننا ذكرنا أنه ينقل عن السيد شرف الدين في أوائل الخمسينات خبرا يتعلق بالهجوم على بيت الزهراء (ع)، وحين يسأله البعض عن مقدار عمره حينئذ يجيب بقوله: 22 أو 23 سنة.


/ صفحة 39 /

حيث قلنا هناك: إنه إذا كانت ولادته في سنة 1935م.(1).

فإن عمره لا بد أن يكون حينئذ أقل من ذلك بكثير.

وقد أشاعوا: أن ذلك يمثل إتهاما لذلك القائل بالكذب، وتلك جريمة كبيرة وخطيرة بنظر هؤلاء.

ونقول:

قد أجبناهم عن ذلك بما يلي:

أولاً:

إن اللغة التي تحدثنا بها هي لغة الخطأ والصواب، وإصابة الواقع وعدمها، أما دوافع وأسباب وقوع المخطئ في خطأه فذلك ليس من اهتماماتنا، والمخطئ هو المسؤول عن تبرير ما يصدر منه، ولم نتحدث باللغة الأخلاقية أو الشرعية. من حيث كون ذلك من مفردات الكذب أو الصدق، الذي يعني أنه قصد أن يخبر بغير الواقع من دون سبب أو عذر، أو لم يقصد ذلك.

ثانياً:

إننا إنما كنا نناقش طبيعة الدقة في النقل من حيث القدرة على ضبط التعابير في قضية مضى عليها أكثر من (40) عاما،

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 23 وص 210 عن كتاب: أسئلة وردود من القلب. لكن جاء في المصدر نفسه ص 299 وص 282 و 127 أنه ولد سنة 1936 وجاء في ص 122 عن جريدة الديار عدد 19 ـ 4 ـ 1992: أنه ولد في النجف الأشرف 19 ـ شباط ـ 1934 الموافق 19 ـ شعبان ـ 1354 ونشرت المقابلة نفسها في كتاب (آفاق الحوار الإسلامي المسيحي): ص 351 فراجع.. (*)


/ صفحة 40 /

لأن هذا النقل يشكل إحدى ركائز الاستدلال عند هذا البعض على نفي مسألة الهجوم على بيت الزهراء (ع) وما تبع ذلك من تفاصيل، وهو الذي يقول: "عندما يريد الإنسان أن يتذكر طفولته من خلال هذا التاريخ الذي أصبح ـ إلى حد ما ـ تاريخا سحيقا يرقى إلى أكثر من خمسين سنة، فمن الطبيعي أن لا يتذكر الإنسان كل ملامحه التفصيلية"(1) وهو كلام واقعي سليم.

وقد وجدنا صدق هذا القول في العديد من القضايا ليس في قضية السيد شرف الدين وحسب، وإنما في موارد أخرى أيضا، ونذكر هنا خصوص الموارد التي وقع الخطأ فيها في عمره ولا نتعرض لسواها. إلا في مورد واحد، لتكون نموذجا يحكي عما عداه، فنقول:

1 ـ لقد سئل البعض عن عمره حين خروجه من المدرسة والالتحاق بالحوزة: "كم كان عمرك في ذلك الوقت؟! ".

فأجاب: "كنت في عمر الحادية عشرة.."(2).

ــــــــــــــــــــ

(1) تحدي الممنوع: ص 23.

(2) مجلة المرشد: العددان: 3 ـ 4 ص 19 عن أسئلة وردود من القلب. (*)


/ صفحة 41 /

ولكنه في مورد آخر يتحدث عن نفسه، فيقول: ".. ومن خلال ذلك بدأت طلب العلم الديني في سن مبكرة جدا، أظن أنها كانت سن التاسعة من عمري"(1).

2 ـ وفي مورد آخر يقول: ".. أستطيع القول: إنني انتسبت إلى الحوزة الدينية حوالي سنة (1363ه‍ـ) وكان عمري آنذاك إحدى عشرة سنة.."(2).

والفرق واضح بين العبارتين فهو تارة يقول: إن عمره كان تسع سنوات وأخرى يقول: كان عمره إحدى عشرة سنة، وتارة يظن وأخرى يجزم.

ثم نجد الفرق كذلك في مضمون العبارة الثانية، حيث إنه إذا كانت ولادته هي سنة 1354ه‍. (3). فإن عمره حينئذ هو تسع سنوات، لا إحدى عشرة سنة، كما ذكره هو في نفس هذا النص.

3 ـ وفي قصة متفجرة بئر العبد المعروفة، التي هي حدث

ــــــــــــــــــــ

(1) مجلة المرشد العددان 3 ـ 4 ص 56 عن تحدي الممنوع ص 26.

(2) مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 62، عن تحدي الممنوع: ص 43.

(3) راجع: تحدي الممنوع: ص 19، لكنه ذكر أيضا أنه ولد في سنة 1936 م. وكذا في المرشد: ص 127، مع أن ذلك إنما يوافق سنة 1935 م.، فراجع المرشد: العددين 3 و 4 ص 210، ومعجم رجال الفكر والأدب. والملفت أكثر هو تعدد سنوات المواليد له فقد ذكر أنه ولد سنة 1935 م. و 1936 م. و 1934 م. راجع هامش ص 39. (*)


/ صفحة 42 /

بل منعطف تاريخي هام جدا في حياة البعض بل هي نقطة "البروز الأكبر" له(1) على حد تعبير بعض مادحيه نراه:

يقول:

"لقد تعرضت لأكثر من محاولة اغتيال قبل المحاولة الفاشلة التي تعرضت لها في منطقة بئر العبد عام 1984 ميلادية"(2).

ويقول:

"أما بالنسبة لانفجار بئر العبد عام 1984 الذي حاولوا اغتيالي من خلاله الخ.."(3).

مع أن انفجار بئر العبد إنما كان في 8 ـ 3 ـ 1985 وهو الذي أودى بحياة 80 شخصاً(4). وكتاب تحدي الممنوع إنما طبع سنة (1992) أي بعد سبع سنوات فقط من حدوث هذه المجزرة، وقد نسي هذا البعض تاريخ أعظم حدث واجهه في

ــــــــــــــــــــ

(1) مجلة المرشد: العددان: 3 ـ 4 ص 299 والعبارة: هكذا: "والبروز الأكبر كان بعد عام 1982 ثم في أعقاب الانفجار الضخم في بئر العبد عام 1984 الذي جعله محط الأنظار".

(2) تحدي الممنوع: ص 87.

(3) التحدي الممنوع: ص 88.

(4) مجلة المرشد: ص 128 عن جريدة الشعب المصرية بتاريخ 6 ـ 8 ـ 1993 م. وكتاب الحجاب "الحروب الخفية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية" ص 344. (*)


/ صفحة 43 /

حياته، فكيف لا ينسي حدثا مضى عليه أكثر من أربعين سنة حول موضوع ليس من إهتماماته ـ على حد قوله كما أشرنا إليه في العديد من المناسبات.

4 ـ ونجده يقول في مورد آخر: "بدأنا نصدر مجلة خطية باسم (الأدب). وكنا نحررها في سن العاشرة، أو الحادية عشرة في ذلك الوقت، وكنا نكتب عددا كلما زاد مشترك"(1).

ثم هو يقول:

"في ذلك الوقت أصدرنا مجلة مكتوبة اسمها (الأدب) وكتبت فيها موضوعين، واستكتبنا بعض الأشخاص، وكنا نحاول لدى كل مشترك جديد أن نكتب، ونصدر نسخة جديدة. وكان المرحوم السيد مهدي يحسن الكتابة جيدا. أصدرنا خمسة أعداد من هذه المجلة ما بين أعوام 1949 و 1950."(2).

ومقتضى هذا النص الأخير: أن عمره كان حين إصدار المجلة هو 13 ـ 14 سنة بناء على أن ولادته كانت سنة 1936 م.

ــــــــــــــــــــ

(1) مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 57، وكتاب تحدي الممنوع: ص 289.

(2) مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 20 عن كتاب أسئلة وردود من القلب. (*)


/ صفحة 44 /

أما لو كانت ولادته سنة 1935 م. أو سنة 1934 م. ـ كما علم مما تقدم متنا وهامشا ـ فإن عمره سيزيد سنة أو سنتين ليصبح 14 ـ 15 سنة أو 15 ـ 16 سنة.

وعلى جميع التقادير، فإن قوله: إن عمره كان حين إصدار تلك المجلة في سن العاشرة أو الحادية عشرة ـ ليس دقيقا.

وإذا كان مراد ذلك كله هو ـ كما قال هو نفسه ـ أن ذلك أصبح إلى حد ما تاريخا سحيقا فمن الطبيعي أن لا يتذكر الإنسان كل ملامحه التفصيلية.

فليكن ما ذكره عن الإمام السيد شرف الدين، هو الآخر بعض هذا الماضي السحيق الذي يصعب تذكر تفاصيله بدقة، تغير في تغيير حقائق التاريخ، من وجهة نظر السيد شرف الدين على الأقل.

الفرق بين الهجري والميلادي:

والملفت هنا: أن بعضهم قد اتهمنا بسوء الفهم، لأجل عدم تمييزنا ـ بزعمه ـ بين التاريخ الهجري الذي قصده البعض في مدة عمره حين سمع من السيد شرف الدين، وبين التاريخ الميلادي الذي قصده البعض في كلامه في تحديد سنة اللقاء في مسألة السيد شرف الدين نفسها.


/ صفحة 45 /

ونقول:

إن من الواضح: أن كل ثلاثة وثلاثين سنة ميلادية تزيد السنة الهجرية عليها سنة واحدة فقط.

فهذه النظرية التي ابتدعها هذا القائل، لا تستطيع أن تحل الإشكال في هذه المفردات التي أشرنا إليها لكون الفارق كبيرا، ولكون عدد السنوات فيما بين الحدين كثيرا. وقد حددت بالكلمات والحروف لا بالأرقام.

كل الفكر الإسلامي (فكر بشري) ما عدا البديهيات:

وفي حديث لنا مع بعض المسؤولين في المركز الإسلامي الثقافي، نجده يعترض علينا، فيقول ما مفاده:

إن الحقيقة ليست ملكا لأحد، فلا يستطيع أحد حتى المجتهد أن يدعي أنه يملك الحقيقة كل الحقيقة. والإسلام باستثناء البديهيات عبارة عن اجتهادات بشرية في فهم النصوص، فكل التراث الفقهي فكر بشري وليس إلهيا.

وعليه فلا معنى لإصدار أحكام قاسية ـ كما هو الحال في كتاب مأساة الزهراء(ع) ـ ضد من يخالف في الرأي، فالحقيقة ليست ملكا لأحد.

بل يقول البعض أيضا: إن الحقيقة نسبية!!


/ صفحة 46 /

ولم نكن نريد التعرض إلى هذا الاعتراض لو لا أننا وجدنا أخيرا هذا البعض قد سجل ذلك بصورة أكثر وضوحا في بعض مؤلفاته..

فإنه بعد أن ذكر: أنه ليس من شك في أن القرآن كتاب الله، ولكن كلمات القرآن تبقى خاضعة لاجتهاد المفسرين والعلماء.

بعد أن ذكر ذلك في جملة كلام له، قال:

"ونحن نعتقد، من خلال ذلك، أن كل ما جاءنا من تراث فقهي، وكلامي، وفلسفي، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين، من خلال معطياتهم الفكرية. ولا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة، على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة، وبهذا فإننا نعتبر أن كل الفكر الإسلامي ـ ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية ـ هو فكر بشري، وليس فكرا إلهيا، قد يخطئ فيه البشر في ما يفهمونه من كلام الله وكلام رسول الله (ص)، وقد يصيبون.

وعلى هذا الأساس فإننا نعتقد أنه من الضروري جدا أن ننظر إلى التراث المنطلق من اجتهادات المفكرين ـ أينما كانت مواقع تفكيرهم ـ نظرة بعيدة عن القداسة في حياتهم ومؤهلاتهم الروحية والعملية في حياة الناس الآخرين فيمن قد يكونون على مستوى المراجع أو الأولياء في تقواهم لله سبحانه وتعالى، لأن ذلك شئ ومسألة الفكر شئ آخر. ولذلك فإننا ندعو إلى دراسة


/ صفحة 47 /

التراث دراسة ناقدة، نعيش فيها شخصيتنا الفكرية، ونعيش فيها انفتاحنا الفكري الذي عاشه الأقدمون في ما مارسوه من تجربتهم الفكرية"(1).

ونقول:

إن هذا الاعتراض ـ وإن كان ظاهر البطلان ـ ولكنه مع ذلك يعتبر على درجة عالية من الخطورة، وذلك يجعله أكثر الإعتراضات أهمية وحساسية.. ونحن نذكر هنا بعض المآخذ.

على أن تستكمل هذه المؤاخذات في فرصة أخرى، يمكن معها التوسع في البيان والمعاني.

فنقول:

1 ـ إذا كان كل ذلك بشريا، ـ باستثناء بديهيات محدودة منه ـ عبر عنها البعض البعض بالثابت ـ كالتوحيد، والنبوة، والمعاد، ومسلمات الشريعة، مثل: وجوب الصلاة، والصوم، والجهاد، والحج، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الزنا والسرقة، والخمر، والميسر، والنميمة، واللواط، والغيبة وقتل النفس المحرمة، ونحوها مما لا يخرج عن دائرة العناوين العامة جدا، دون تفاصيلها، فإن التفاصيل تدخل في نطاق الاجتهادات الشخصية البشرية، غير الإلهية وهو ما عبر عنه

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع: ص 480. عن مجلة الموسم: عدد 8 سنة 1990 م. (*)


/ صفحة 48 /

البعض بالمتحول(1).

إذا كان كذلك، فلماذا ندعو غير المسلمين للدخول في الإسلام، فهل ندعوهم لخصوص هذه البديهيات في عناوينها العامة والغائمة، واليسيرة جدا؟ أم ندعوهم إلى وجهات نظر أشخاص، هم بشر مثلهم؟!.

وحين يقال: إن علينا أن نقدم الإسلام للآخرين باعتباره دينا، وفكرا، وقانونا قادرا على حل جميع المشكلات، وهو النموذج الأمثل للبشر جميعا، وفي كل مجال، فأي إسلام نقدم؟

هل نقدم خصوص البديهيات؟ أم نقدم الفكر البشري، ونقول لهم: هذا الفكر البشري هو الإسلام الذي أنزله الله تعالى لعباده؟!

وأي فكر من أفكار هؤلاء البشر نقدم للناس؟

2 ـ إن كان المقصود بالبديهي هو الذي لم يناقش أحد فيه، فإن ذلك لا يصح، وذلك لأن وجود النقاش في أمر من الأمور لا يعني صيرورته فكرا بشريا، وقد ناقش الكثيرون في وجود الله، بل أنكروه، ويناقش غير المسلمين في نبوة النبي (ص)، ولا يعني ذلك صيرورتهما فكرا بشريا، وتناقش طوائف كثيرة في فكرة الإمامة، ولا يعني ذلك صيرورتها فكرا بشريا، ويناقش كثيرون في حقائق دينية وأحكام شرعية، ولا يعني ذلك أن تصبح تلك الأحكام أو الحقائق فكرا بشريا.

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع مقالة الأصالة والتجديد في مجلة المنهاج: العدد الثاني: ص 60. (*)


/ صفحة 49 /

خذ مثلا على ذلك محاولة البعض تحليل نظر الرجل إلى عورة الرجل ونظر المرأة إلى عورة المرأة(1)، مع أن حرمة ذلك من الأمور القطعية، وهذا الحكم بالحلية من قبل البعض لا يجعل هذا الحكم الثابت ـ أعني الحرمة ـ فكرا بشريا.

وإن كان المقصود بالبديهي هو الأمر الذي، يعرف وجه الحق فيه بمجرد التوجه والإلتفات إليه..

فإن من الواضح: أن الحقيقة الإسلامية وإن لم تكن بديهية في نفسها، أو لم تكن بديهية عند البعض بهذا المعنى، ولكنها لما كانت تنال بواسطة الأمارات والحجج والأدلة الشرعية عليها، فاستخراج الحقيقة من الدليل، أو تحصيل الإجماع عليها بعد بذل الجهد والعناء الطويل لا يجعلها فكرا بشريا. لمجرد أنها ليست من الأمور البديهية.

وكذا الحال لو لم تكن بديهية عند البعض كمثال النظر إلى العورة المذكور آنفا.

غير أن بعض الأحكام أو بعض الأمور قد لا يكون الدليل عليها حاسما وقاطعا فإذا أخطأتها الأمارات والأدلة التي لسانها لسان الكاشفية، صار المكلف معذورا في مخالفته للحكم الواقعي أمام الله سبحانه وتعالى، غير أن العمل وفق القواعد المقررة شرعا يجعل جميع النتائج متصفة بصفة الإسلامية والإلهية، حتى

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: كتاب النكاح: ج 1 ص 66. (*)


/ صفحة 50 /

وإن لم يصب الحكم الواقعي فإن صحة العمل لتحصيل العذر أمام الله تعالى من خلال تطبيقه على الوسائل المجعولة والمنصوبة من قبل الشرع هو حكم إلهي وليس فكرا بشريا فقولهم: إن البديهيات فقط هي التي تتصف بكونها فكرا إلهيا لا يصح (لو صح استعمال كلمة: فكر إلهي).

أما حيث يكون التكليف هو العمل بالوظيفة الشرعية، أو إجراء الأصول في مواردها، فإن ذلك يكون هو الحكم الإلهي في حق المكلف، وهو فكر إلهي ـ على حد تعبير البعض ـ لا بشري، لأن الله هو الذي عين له العمل بهذه الوظيفة، أو بذلك الأصل في أمثال تلك الموارد.

فالمورد يتصف بالشرعية والإسلامية والإلهية لكونه من الموارد المقررة إلهيا وإسلاميا لهذه الحالة وللحالات المماثلة.

3 ـ إننا نفهم بعمق محاولة البعض إظهار التشيع على أنه فكر بشري حيث يقول: "لتكون المسألة السنية والشيعية مسألة مدرستين في فهم الإسلام"(1) وأن التشيع مجرد وجهة نظر حين يقول: "وقد تكون القضية المطروحة هي أن لا يكون التشيع فيما هو التشيع وجهة نظر ، في خط الإسلام حالة معزولة عن الواقع العام للمسلمين، الخ.."(2).

ــــــــــــــــــــ

(1) مجلة المرشد: العددان: 3 و 4 ص 68.

(2) تأملات في مواقف الإمام الكاظم (ع): ص 94. (*)


/ صفحة 51 /

ثم يجعل الإمامة، من "المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد، مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه. وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدال فيه كالخلافة والإمامة، والحسن والقبح العقليين الخ.."(1).

فإن ذلك يستبطن استبعاد النص على الإمامة، واعتبار الإمامة بل التشيع كله، اجتهادا بشريا جاء به الأئمة(ع) كأي اجتهاد بشري آخر جاء به الآخرون وليس فكرا إلهيا، لأن الإمامة ليست من البديهيات عند بعض المسلمين، منذ وفاة الرسول (ص) على حد زعم البعض، فهي إذن فكر بشري قابل للاجتهاد وليس إلهيا ـ على حد تعبير البعض ـ. ولو كان بديهيا لزم خروجهم عن الإسلام الأمر الذي لا يلتزم هو به.

وهل وجود شبهة في أمر بديهي لدى البعض يجعل البديهي وجهة نظر؟ ويجعله فكرا بشريا؟ ثم يجعله من المتحول كالإمامة؟!

4 ـ إن البديهيات لا تحتاج إلى إيجاب التفقه والاجتهاد أو التقليد، أو الاحتياط، على الناس.

ــــــــــــــــــــ

(1) مجلة المنهاج: عدد 2 ص 60 مقالة: الأصالة والتجديد. (*)


/ صفحة 52 /

أما فيما عداها مما يسمى بـ‍ "الفكر البشري" فلا معنى أيضا لإيجاب ذلك كله، ولا داعي له.

5 ـ وإذا اعترف شخص ما ببديهيات الإسلام، وأراد أن يأخذ فيما عداها بالقوانين الوضعية، أو أراد أن تكون له هو وجهات نظر بشرية غير إلهية، فلماذا يعتبر مبتدعا، وتعتبر كتبه كتب ضلال ليواجه الحكم القاسي على أهل البدع، وتحريم كتبه لأنها كتت ضلال؟ وما هو الفارق الذي جعل الفكر البشري مقبولا هنا ومرفوضا هناك؟

وقد يقال: إن وجود ما عدا البديهيات ـ على سبيل الإجمال ـ يعتبر أمرا بديهيا فهو إلهي أيضا.

أو يقال: إن وسائل إنتاج الفكر البشري المقبولة هنا، غير مقبولة في القوانين الوضعية.

ويجاب: بأنه كيف يتحول الفكر الإلهي ـ على حد تعبيرهم ـ إلى فكر بشري؟ وكيف يعامل الفكر البشري على أنه فكر إلهي من أجل ذلك؟!. فإنه في كلا الموردين ليس إلهيا، والباء في كلا الموردين واحدة فلماذا تجر تارة ولا تجر أخرى.

6 ـ لنفترض: أن الناس قد رفضوا الإلتزام بما سمي بالفكر البشري، فهل يمكن أن يشعروا بأية حساسية أو حماس تجاه ذلك الفكر تدفعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى الجهاد، وبذل الأنفس، والأبناء، والأموال في سبيله؟


/ صفحة 53 /

وكيف يمكن أن نقنعهم بالتضحية بأنفسهم وأبنائهم؟! من أجل فكر بشري...

وهل كل جهود وتضحيات الأنبياء والأصفياء والشهداء كانت في سبيل تكريس وجهات نظر بشرية تختلف وتتضارب فيما بينها؟!..

وهذا الفكر البشري "الإسلام" بماذا يمتاز عن أي فكر أو قانون بشري وضعي آخر، يدعي واضعوه: أنه يكفل للناس سعادتهم، ويحل لهم مشاكلهم؟!

ألا يعني ذلك أن يصبح هذا الإسلام، الفكر البشري الذي لا روح فيه، مجرد ترف فكري أو وجهات نظر أشخاص يتداولها الناس في صالوناتهم الفاخرة، ويتفكهون بها في مكاتبهم وحفلاتهم الساهرة؟!.

7 ـ إذا كان ما يفهمه العلماء من نصوص وظواهر القرآن والسنة فكرا بشريا، فلماذا أخفى الله سبحانه "فكره الإلهي" على حد تعبيرهم؟ وجعله رهينة التكهنات والتخيلات البشرية؟

وأية فائدة تبقى من بعث الأنبياء، ومن وضع التشريعات الإلهية، ما دامت أن هذه التشريعات ستصبح لا أهمية لها، لأن الميزان حينئذ هو تلك التصورات البشرية عنها وبالتالي ستنقطع الصلة مع الله على هذا الأساس؟!

وكيف نوفق بين هذا، وبين طلب الشارع من الناس أن يأخذوا بظواهر الكتاب والسنة، واحتجاجه بهما على العباد، ثم


/ صفحة 54 /

المثوبة والعقوبة على أساس ذلك، مع أنهما ـ حسب قول هؤلاء ـ غير قادرين على إثبات الفكر الإلهي، وإيصال حقائق الدين والشريعة إلى الناس.

وهكذا الحال في سائر الحجج التي سوف يطالبنا الله تعالى بها على أساس الإلتزام بمراعاتها وعدمه.

وكيف جاز أن يجعل الله أمرا غير قادر على إثبات المقاصد، وسيلة لنيل مقاصده؟!

إن ذلك لعجيب حقا وأي عجيب!!

8 ـ وقبل أن نختم حديثنا نشير إلى عدم صحة مقولة:

نسبية الحقيقة، فإن ذلك من سخف القول. وزائف الكلام لأن الحقيقة هي الحقيقة أخطأها من أخطأ، وأصابها من أصاب. فلا اختلاف فيها على حد اختلاف درجات الألوان أو درجات الحرارة والبرودة لتكون نسبية.

وأما الاختلاف في كثرة موارد إصابتها وقلتها، فهو لا يجعل الحقيقة نسبية..

ولو أريد تكريس اصطلاح كهذا، فإنه لا يفيد هؤلاء شيئا في نظرية الفكر الإلهي والفكر البشري وليصبح كل التراث الفقهي والكلامي فكرا بشريا كما يزعمون.


/ صفحة 55 /

المقصود بمتفجرة بئر العبد:

وأبلغنا: أن من المؤاخذات على هذا الكتاب: أنه تحدث بصورة تستبطن التشكيك في أن يكون ذلك البعض هو المقصود بالاغتيال في متفجرة بئر العبد.

ونقول:

إن ذكر متفجرة بئر العبد في الكتاب إنما كان في سياق الاعتراض على مقولة:

"أنا لا يهمني ـ انكسر ضلع الزهراء أو ما انكسر"، فإن كان عدم اهتمامه ناشئا من كون ذلك حدثا تاريخيا قد مضى عليه الزمن، فإن هذا الحدث الشخصي قد مضى عليه الزمن أيضا..

ومع ذلك فهناك اهتمام بالتذكير به كل عام، حيث تصدر في هذه المناسبة تصريحات إذاعية وغيرها، تضع الناس أمام هذه الفاجعة الأليمة، ولم نكن نريد بذلك الدخول في الجوانب الشخصية والتفصيلية لهذه المجزرة البشعة، التي أودت بحياة أكثر من ثمانين شخصا بين طفل وشيخ، وإمرة وشاب.

ونعود لنؤكد هنا بأننا لن ننجر إلى الدخول في نقاش يحرف الكتاب عن الهدف الديني والعلمي المحض الذي وضع له.


/ صفحة 56 /

السباب والشتائم:

ومن الأمور التي أخذت على الكتاب وخصوصا التمهيد منه: أنه ـ كما يدعون ـ يشتمل على شتائم وتهجمات شخصية على البعض:

ونقول:

1 ـ إننا لا نجد لهذا القول مبررا معقولا أو مقبولا، فالتمهيد إنما عالج مقولات أطلقها البعض في سياق استدلالاته ـ على القضية التي هي موضوع كتاب مأساة الزهراء ـ لتكون جزءا منها تارة ولتخلق حالة من الحصانة والقوة والثبات لتلك الأدلة في أذهان الناس العاديين تارة أخرى.

وعلى سبيل المثال نقول: لماذا يقال للناس العاديين: أنه أنما يطرح تساؤلات حول الزهراء، أو أن انتقاد مقولاته حول الزهراء يعتبر تشهيرا به، أو أن كلامه في هذا الأمر اجتهاد؟!

بل هو يقول:

"ناقشت كل العلماء في إيران وغيرها الخ.."

أليس قوله هذا لأجل خلق حالة من الإذعان والانبهار بالأمر لدى الناس العاديين، حتى يتم اعتباره في أذهانهم في عداد الأمور المحققة اليقينية؟


/ صفحة 57 /

ولعل من لم يكن يتابع ما يصدر عن البعض من تصريحات مذاعة أو مكتوبة حول موضوع الكتاب وغيرها من الموضوعات الهامة والتي طرحت أخيرا ـ لعله ـ يعذر في تصوره أن في التمهيد بعض القسوة.

لكن من واكب، وسمع، وقرأ، وعرف وشاهد، فمن الصعب أن تجد له عذرا في إطلاق دعوى غرابة ما في تمهيد الكتاب عن الموضوعات المطروحة فيه، لأنه سيجد ما يرتفع به استغرابه واستهجانه في نفس كلمات ذلك البعض في موضوع الزهراء بالذات فضلا عن غيره من المواضيع الحساسة.

2 ـ وعدا عن ذلك كله، فهل يستطيع أحد أن يقدم لنا مفردة يصح أن يطلق عليها: أنه سباب أو شتائم؟!. أو حتى ما هو أقل من ذلك بكثير؟!

3 ـ ولا أدري، ما ذا سيكون موقف هؤلاء الناس ممن يدأب على إظهار نفسه بأنه لا يريد أن يجيب أحدا، من موقع التسامح والترفع عن الدخول في هذه الأمور، فإنه مشغول بما هو أهم ونفعه أعم؟!

ثم يواصل وصف الآخرين، وكل من يعترض عليه من العلماء حتى مراجع الدين بأوصاف لعل أهونها: التخلف في الذهنية، والعقد النفسية، والتحرك من منطلق الغرائز، وعدم التثبت، ثم يصف بعض العلماء ـ الذين لا يقبلون بمقولاته ـ عبر الإذاعة: أنه لا يملك إلا أن يقول عنهم أنهم بلا دين، هذا


/ صفحة 58 /

فضلا عن اتهامات خطيرة جدا لم يزل يرددها ويشيعها في كل اتجاه..

ونحن نفضل أن لا نثقف أحدا بهذه المفردات، فإننا نربأ بالناس عن تعلمها فضلا عن استعمالها.

أما ردود الفعل المكتوبة، التي يسخر كل ما لديه من إمكانات لترويجها ونشرها رغم ما اشتملت عليه من زخرف القول، ومن أضاليل وأباطيل، وحتى أكاذيب، فضلا عن التحريف أو التزوير المتعمد. واشتمالها على أفانين من الشتائم فقد غدت أوضح من الشمس، وأبين من الأمس، وقد أشرنا إليها في هذه المقدمة في الموضع المناسب.

صيغة الرد لماذا؟!!

ويحاول البعض أن يثير تساؤلا آخرا يرى أنه جدير بالإهتمام وبالاحترام، وهو: ألم يكن من الأفضل الابتعاد عن صيغة الرد، التي تحمل في طياتها احتمالات التخطئة والتجهيل، بل هي في الحقيقة من صيغ التحدي للقائل، الذي يفترض صونه عن أمر كهذا؟! ألم يكن من الأفضل أن يؤلف هذا الكتاب بطريقة أخرى، بأن يطرح الموضوع مجردا عن أية إشارة إلى أن البعض يقول كذا، أو يقول كذا؟!


/ صفحة 59 /

ونقول:

أولا:

لا ندري ما إذا كان النقد الموضوعي والعلمي يحمل في طياته صفة التحدي المزعومة!! ولو صح ذلك، لكن الأجدر أن يقفل الناس باب أي نقاش علمي مع أي شخص بعينه، بل كان الأجدر أن لا يجري نقاش بين اثنين في أية مسألة علمية فكرية، أو حياتية على الإطلاق.

ثانيا:

إن السؤال بل الاعتراض يتوجه على ذلك البعض نفسه حين يتصدى لنقد وتفنيد آراء بل اعتقادات طائفة بأسرها، بل هو يستعمل كثيرا من عبارات التجريح لها ولعلمائها ويتهمهم بأنواع التهم القاسية مستعملا لذلك كلمات قوية وقاذعة أيسرها عدم الوعي والتأثر بالمحيط المتخلف، والجمود، والتحجر، والعيش في الماضي وعدم الوعي ـ لا سيما المرجعي منه ـ ثم عدم العصرنة وما إلى ذلك.

ثالثا:

إنا نستغرب كثيرا طرح هذا الموضوع بهذه الطريقة، لأننا إنما تحدثنا بصيغة تجنبنا فيها التصريح باسم أحد، وذلك تحاشيا لإحراج أي كان من الناس في أن يجد نفسه في موقع لا يرغب هو بأن يرى نفسه فيه.


/ صفحة 60 /

فإذا كان ثمة حالة أسهم ذلك البعض نفسه في نشوئها بل في استمرارها لأنه لم يزل يصر على متابعة تحريك عوامل الإثارة ولا ندري سر ذلك ولا نعرف غاياته، أو أهدافه؟ حتى بات واضحا لدى الكثيرين من هو صاحب تلك المقولات ـ إذا كان الأمر كذلك ـ فما هو ذنبنا نحن يا ترى؟!

على أن من الواضح: أننا حين آثرنا تجنب التصريح بالأسماء لم يرتض بعض الناس ذلك فاعتبروه تنكيرا وتجهيلا وإهانة، فأثاروا بذلك أجواء اتجهوا فيها نحو تولي الإعلان والتصريح بالأسماء حيث لم يرضهم التلويح أو التلميح.

ونحن تعليقا على عملهم هذا لا نملك إلا أن نأسف ونأمل أن يوفقنا الله لمعرفة وجه الحكمة في صنيعهم هذا.

رابعا:

إننا من جهة لم نزل نسمع ونرى البعض يقدمون أنفهسم على أنهم دعاة حوار، ورواد انفتاح على الآخرين، ولكنهم ـ مع ذلك ـ يقمعون محاوريهم من الداخل، فلا انفتاح ولا حوار؟!

ثم يرفضون الحوار مع من لا يتمكنون من ممارسة القمع ضدهم بصورة ظاهرة.

ومن جهة أخرى نراهم يدعون إلى طرح القضايا على الناس بصراحة وبوضوح، لأن العلم والفكر ليس حكرا على فريق دون فريق، بل نجدهم يستثيرون شهية الكثيرين للحوار بقولهم: "نحن نعتبر النقد أفضل هدية تقدم إلينا.." ثم في


/ صفحة 61 /

المقابل نجدهم يواجهون هذا الكتاب المبني على الحقيقة العلمية الصريحة والواضحة بأشد حالات الغضب والانزعاج منه ومن مؤلفه.. ثم نجدهم يمارسون سياسة المحاصرة للكتاب، ويبذلون جهدا كبيرا لمنع الناس من تداوله وحتى من بيعه وشرائه بطريقة أو بأخرى. حتى بات حكمه أسوأ من حكم كتب الضلال التي جوز هذا البعض مؤخرا تداولها والاطلاع عليها؟!

ولعل أيسر ذلك محاولاتهم تحريك غرائز الناس، باعتبار:

أن هذا الكتاب هو ضد فلان أو يهدف إلى إسقاط هذا البعض، أو ذاك.

هذا كله.. عدا عن محاولات التشويه، والتجني، والتجريح التي لم وربما لن تقف عند حد..

خامسا:

إن الهدف من الكتاب إنما هو مناقشة علمية وموضوعية لمقولات معينة، اجتمعت لدى البعض في موضوعات بعينها بهدف تصحيح النظرة لدى الذين يمكن أن يتأثروا بما يقال لهم ليقبلوه، ويعملوا على أساسه.

ولو كان البحث المجرد عن الإشارة يكفي، لكفت عشرات المؤلفات التي ذكرت تلك الموضوعات، وحشدت لها الأدلة الكثيرة، ولم يكن ثمة حاجة لكتابة "مأساة الزهراء(ع)" من الأساس.


/ صفحة 62 /

وتلك الكتب الكثيرة والمعتمدة رغم أنها حافلة بالنصوص المزيلة لكل شبهة، والقاطعة لأي عذر، إلا أنها لم تمنع من تأثر هؤلاء الناس بمقولات هذا البعض، في أمر اتفقت عليه كلمة شيعة أهل البيت(ع)، وتضافرت(1) به النصوص عن المعصومين(ع)، وتواترت عنهم وعن المؤرخين والمحدثين على اختلاف ميولهم ومذاهبهم.

لعل مراد القائل غير ما فهم منه:

ومن الإعتراضات التي وجهت إلينا: أن من الممكن أن يكون مقصود القائل هو غير ما فهمتم من كلامه، فلا بد من التأكد من ذلك بسؤال نفس صاحب تلك المقولات عن مقصوده.

ونقول:

1 ـ إن هذا البعض إنما يطرح مقولاته على الملأ العام ولعامة الناس، فما فهمناه هو ما فهمه الناس من ظواهر كلماته، ونحن لم ننسب إليه شيئا خارج نطاق دلالات الألفاظ التي

ــــــــــــــــــــ

(1) كما صرح به في خطبته في قم، في حسينية الشهيد الصدر في 21 شعبان 1414 ه‍. وقد تقدمت الإشارة إلى تحريف النص، فراجع فقرة: " التنازع في جنس الملائكة " متنا وهامشا. (*)


/ صفحة 63 /

استخدمها للتعبير عن مقاصده، وفق ما يفهم كل أهل اللغة ومن ينطق بها، وطبق قواعد محاوراتهم، وأساليبهم في تفهيم مقاصدهم.

2 ـ إنه إذا لم يستطع من قضى عدة عقود من الزمن في الدراسة والجهد العلمي أن يفهم مراد هذا البعض، فمن ذا الذي يخاطبه هذا البعض بكلامه، ويمكنه أن يفهمها؟! ولنا أن نتساءل ما الذي فهمه أولئك الناس العاديون، الذين حضروا مجلسه، وسمعوا منه مباشرة أو عبر الإذاعة وغيرها، وفيهم المرأة والرجل، والكبير والصغير، والشاب، والمثقف، وغير المثقف والعامل والفلاح.

3 ـ ولنفترض جدلا وجود خطأ في فهم بعض تلك الموارد، فكم يمكن أن نتصور حجمه ومقداره إلى جانب عشرات الموارد التي فهمت كما يفهمها الناس المخاطبون بها بصورة سليمة وقويمة؟!

وماذا يمكن أن نفعل فيما اتفقت فيه أفهام العلماء الكبار، ومراجع الدين، وكثير من المثقفين، وفيهم جماعة من غير مذهبنا أو ملتنا؟ حتى أن البعض منهم بات يحتج على أهل هذا المذهب بكلامه!

وليدلنا صاحب الاعتراض على تلك الموارد التي تحتاج إلى التوضيح والتصحيح لنعرف كيف؟ ولماذا أخطأنا في فهم المراد منها؟!


/ صفحة 64 /

ثم للنظر فيما يطرح ويدعى أنه توضيح تنقيح هل يصلح لأن يوصف بذلك حقا وصدقا، أو أنه غير صالح له؟!

المصطادون في الماء العكر:

ومن الأمور التي لم نزل نسمعها من أكثر من جهة:

أن هذا الكتاب قد أفسح المجال لفئات متناثرة هنا وهناك، لتصطاد في الماء العكر ـ على حد تعبيرهم ـ وتتحرك باتجاه تحقيق أهداف أخرى لا ربط لها بما توخاه كتاب "مأساة الزهراء(ع)".

ونقول:

نخشى أن يكون المقصود: أن طرح الموضوعات المثيرة إذا كان من جانب واحد ـ هو جانب ذلك البعض ـ فليس ثمة من مشكلة، حتى لو أدت إلى زعزعة ثوابت عقيدية وإيمانية، بل إن الساحة سوف تبقى صافية كصفاء عين الديك حينئذ، لكن إذا ما أراد أحد أن ينتصر للحق، ويعترض على مقولات ذلك البعض، بهدف تحصين الناس من الانسياق وراء هذه المقولات، متلقيا لها بحسن نية وسلامة طوية، ومن دون مناقشة فإن ذلك يعد جريمة كبرى، لأنه ربما يمثل عقبة في طريق المشروع الذي قد يكون البعض يعمل له منذ أربعين أو خمسين سنة، وهل ثمة جريمة أعظم من إلفات نظر الناس إلى ما يراد لهم وبهم؟! ألا يعتبر ذلك إرباكا للواقع الإسلامي كله، على حد تعبيرهم؟


/ صفحة 65 /

وبعد ما تقدم نقول:

1 ـ حبذا لو قيل هذا للكلام لأولئك الذين أثاروا هذه القضايا وأصروا على إشاعتها وتثبيتها بين الناس، في مناسبات عديدة لمدة مديدة. وكنا نحن وكان كتابنا أيضا ضحية هذا الإصرار منهم، حيث أديرت مفردات تأكيده وتجسيده بدراية وأناة؟ وبالاستعانة بقدرات إعلامية كبيرة وأساليب "بديعة ومؤثرة"، لطالما وجهت إلينا التحذيرات منها، لكننا لم نلتفت لها، ولم نأبه بها، لأننا وجدنا أن واجبنا الشرعي يفرض علينا أن نعالج ما يمكن معالجته، وأن رضى الله هو المطلوب.

2 ـ إن ثمة درجة عالية من التهويل والتضخيم لشأن من أسموهم بالمصطادين في الماء العكر، لا سيما مع ملاحظة ما ذكرناه آنفا.

3 ـ من الواضح: أن طرح فكرة ما للناس لتصبح جزءا من عقيدتهم أو ثقافتهم، وليكون لها تأثير بشكل أو بآخر في حياتهم، يتطلب المبادرة إلى طرح الفكرة المغايرة التي تظهر أوجه الخلل فيها في نفس الفضاء، وبنفس الكيفية التي طرحت فيها الفكرة الأولى، ولا يصح الانتظار سنين متمادية، لأن التصدي بعد تجذر ذلك سيكون ـ أصعب، وأكثر تعقيدا، وأقل نتيجة، حيث تكون الفكرة قد تجذرت في نفوس الناس وعقولهم لتصير جزءا من عقيدتهم، ومفاهيمهم، وحياتهم.


/ صفحة 66 /

4 ـ إنه سواء طرحت الفكرة الصحيحة اليوم أو غدا، أو بعد عشرات السنين فليس ثمة ما يمنع من وجود مستفيدين، في كل زمان ومكان، ونحن نرى أنه لا يجوز أن يكون وجودهم مانعا من التصدي للتصحيح أو التوضيح، وإلا فإننا لو أردنا أن نتقيد بهذا الأمر إلى هذا الحد، فلن نتمكن من الرد على أية فكرة، ولن نستطيع مواجهة أي مشروع، لا سيما إذا كان يستهدف مفردات كثيرة، من بينها ما هو على درجة كبيرة من الخطورة والحساسية، مما يستدعي الإسراع في المبادرة إلى عملية التصحيح هذه. ليس هذا وقت هذه الأمور:

وبعد ما تقدم فقد اتضحت الإجابة على المقولة التي أطلقت ولا زلنا نسمع بعض أصدائها، وهي: "إن الوقت لا يسمح بطرح أمثال هذه القضايا، فهناك من القضايا ما هو أهم وأخطر، ومن المشكلات الفكرية والسلوكية والعقيدية ما هو أعقد وأكبر، بالإضافة إلى وجود أناس من إخواننا من باقي المذاهب قد يتحسسون وينزعجون من طرح بعض الأمور، والأهم من ذلك، هناك إسرائيل، ومؤامرات الاستكبار العالمي على كل حياتنا ووجودنا".


/ صفحة 67 /

ونقول:

1 ـ إن هذا الكلام إنما يوجه لمن يطرح هذه القضايا فالوضع القائم كان موجودا، قبل ومع وبعد طرحه لهذه الأمور، فلماذا ناسب التوقيت طرحها، ولم يناسب الرد عليها؟

2 ـ إذا لم يجب أحد على هذه الطروحات الآن فمتى يمكن الإجابة عنها بحيث تكون مجدية ومؤثرة؟!

3 ـ متى وفي أي زمان لم يكن للمسلمين مشكلات كبيرة وخطيرة؟ ومتى سيخرجون تماما من مشكلاتهم هذه وأمثالها؟! إلا حين خروج المهدي الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؟!.

وهل إذا كان العدو الإسرائيلي والاستكبار العالمي يتربصان بنا الدوائر.. كان علينا أن نسمح لأي كان بل نغريه بأن يتعرض لشؤون الدين، ولقضايا الإيمان، لزعزعة ثباتها، أو تبديل مفرداتها؟! وذلك حين نعطيه الأمان، ونسكت عنه، ونتستر عليه من أجل ذلك؟!

وهل سيأتي يوم لا يكون هناك من ينزعج من طرح قضايانا؟!

ومتى سيرضى الآخرون بطرح أمور تدين أو تثبت صدور مخالفات من بعض الذين يجلونهم ويحترمونهم؟!

ثم بعد هذا، كيف؟ ومن الذي يستطيع تحديد اليوم الذي لا يكون لنا فيه عدو يتربص بنا الدوائر، لنتمكن من تصحيح الأخطاء، ومن إعادة الأمور إلى نصابها؟!


/ صفحة 68 /

4 ـ قد قلنا مرارا وتكرارا: لماذا ينظر إلى من يمارس مسؤولياته، ويحاول إعادة الأمور إلى نصابها، وصيانة الذهنية العامة عن أن تقع في الخطأ في الاعتقاد والإيمان، ويريد أن يناقش مقولات يراها تلامس قضايا حساسة في المجال الديني، والإيماني، والثقافي ـ لماذا ينظر إليه ـ على أنه يثير بذلك مشكلة، أو أنه يريد إرباك الساحة؟ ولا ينظر إلى ذلك الذي يصر على صدم الواقع(1)، وإصلاح العقائد الشيعية الخاطئة والمتوارثة ـ على حد تعبيره(2) ـ بل وإظهار العلم مقابل البدع حيث يقصد: إن بعض عقائد مذهب أهل البيت هي تلك البدع التي سعى لأن يظهر علمه في مقابلها؟!.

ولو فرضنا أن ذلك قد يثير مشكلة فلماذا لا يطالب بها نفس ذلك الذي أثارها، ولا يزال مصرا على التمسك بها، وإثارتها، وتثقيف الناس بمضامينها؟!

5 ـ كنا ولا نزال ندعو هذا البعض إلى حوار علمي موضوعي وجدي، يلزم الجمع، على أن يكون بلغة واضحة ومكتوبة، لا يتسنى معها لأحد الاختباء خلف عبارات: "لم أقصد" و "فهموني خطأ" و "كذبوا علي" و "لم أقل ذلك" و

ــــــــــــــــــــ

(1) مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 281.

(2) نشرة بينات: بتاريخ 25 ـ 10 ـ 1996 م. (*)


/ صفحة 69 /

"لعل" و "ربما" إلى غيرها من أدوات التنكر ـ المتداولة أخيرا ـ لظاهر الكلام ومؤداه، الذي يفهمه العالم والإنسان العادي.

وقد حرصنا دوما ولا زلنا على استخدام أساليب للحوار مفيدة ومنتجة نجنب فيها الساحة سلبيات الطرح العلني، ويشهد لذلك رسائلنا، وشهد الكثيرون ممن حملوا لهم دعوتنا هذه، حيث عادوا جميعا بخفي حنين.

ونحن نغتنم الآن أيضا ـ وفي هذا التقديم بالذات الفرصة لدعوة الجميع من المخلصين الذين يمكنهم تبني هذا الطرح ـ الحوار ـ إلى تنفيذه ضمن الأسس التي ذكرناها، ليكونوا قد أدوا بذلك خدمة جليلة للدين الحنيف، تكون لهم ذخرا وفخرا يوم الدين.

أسلوب خبيث.. ولا مانع من استخدامه!!

ومن الأمور المطروحة للتداول، بهدف صرف الأنظار عن الرد العلمي على مقولات البعض، قولهم: إن الأمر لا يعدو كونه مجرد إثارة تساؤلات منهجية وعلمية حول مظلومية الزهراء(ع)، وغيرها من موضوعات عقيدية، وتاريخية، وقرآنية، وما إلى ذلك..


/ صفحة 70 /

وقد أشرنا إلى أن ذلك لا يقبل من عالم يفترض فيه أن يكون هو المجيب على تساؤلات الناس، ولا سيما العوام منهم.

وقلنا أيضا: إن من يثير تساؤلات وحسب، فلماذا يرفقها بالشواهد والأدلة على النفي؟!. فإذا فعل ذلك، فلن يعود المجال مفتوحا إلا لعده في جملة من يلتزمون بالنفي، ويتسترون خلف واجهة إثارة التساؤلات.

ولا ندري إن كان هذا البعض يثير تساؤلاته، بصورة جدية، وحقيقية؟ أم أنه يعتبرنا في جملة أهل الضلال، ومن خصومه في العقيدة، فيجيز لنفسه استعمال أسلوب ـ وصفه هو نفسه بأنه ماكر وخبيث ـ جوز استعماله مع الأعداء وأهل الضلال.. فهل يريد استعمال نفس هذا الأسلوب معنا؟! وكأننا في جملة أولئك الأعداء الضالين بنظره؟!.

فإن كان الجواب هو الأول، فتلك مصيبة، وإن كان الجواب هو الثاني فالمصيبة أعظم، وأمر، وأدهى. فلنستمع إليه، وهو يتحدث عن قصة صالح وثمود فكان مما استفاده منها ما يلي:

"محاولة المستكبرين إثارة طلب شك المستضعفين بالرسالة، من خلال طرح سؤال ساذج، ظاهره طلب الحقيقة، وباطنه إرادة التضليل، للإيحاء إليهم بأن عليهم إعادة النظر في قناعاتهم، على أساس أن القضية تشمل الأخذ والرد، ولا


/ صفحة 71 /

ترقى إلى مستوى الوضوح الكامل ليكتشفوا أنها لا تمثل الحقيقة اليقينية. ولكن المستضعفين وقفوا بقوة لتأكيد إيمانهم بأسلوب قوي جعل أولئك يكتشفون هويتهم بالكفر والعناد والتحدي العنيف".

ثم إنه بعد أن وصف هذا الأسلوب بأنه ماكر وخبيث قال:

"إنه من أساليب الكفر والضلال عندما يتحدثون إلينا بطريقة التحبب والتودد، وكأنهم يقولون لنا: هل أنتم جادون أم مازحون في إعلانكم الاعتقاد بما تعتقدون به، أو بما تثيرونه من قضايا؟ ويضيفون بعد ذلك: إننا لا نعتقد هذا، لأنكم ـ حسب رأينا ـ في مستوى من الوعي والعلم، يجعلكم في موضع ثقافي يرفض تقبل هذا، فكيف بالإيمان به؟!

إنه الأسلوب الخبيث الذي يحاول أن يجعل من قضية الإيمان والعقيدة، قضية تسئ إلى كرامة الإنسان، لامتهانها قدراته العقلية والفكرية".

إلى أن قال:

"ولا نمانع من استخدام هذا الأسلوب مع الكثير من المضللين من خصومنا في العقيدة، لأنه ينسجم مع واقع الأمور إذا مارسناه الخ.."(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) الحوار في القرآن: ص 252 و 253. (*)


/ صفحة 72 /

الخروج عن دائرة المذهب الفقهي:

واعترضوا علينا أيضا بأننا قد حكمنا على البعض بخروجه عن دائرة المذهب، حين قلنا: إن اجتماع كثير من الفتاوى الشاذة لدى شخص قد يخرجه عن دائرة المذهب الفقهي الذي ينتمي إليه..

والحال: أن مخالفة المشهور لا توجب ذلك مهما كثرت..

ونقول:

1 ـ إنه حتى الطالب المبتدئ يعرب الفرق بين الفتاوى الشاذة، وبين الفتاوى المخالفة للمشهور، بغض النظر عن حالات الأشخاص، وعن الحكم المباشر عليهم سلبا أو إيجابا.

2 ـ إن ما ذكرناه هو مجرد محذور ينشأ من كثرة الفتاوى الشاذة. ولم نتحدث عن المعيار في الفقاهة، سعة، وعمقا، وانتماء أيضا، وأنه هو المنهج الذي يتبعه الفقيه.. وضوابط ومنطلقات الاستنتاج عنده، ثم السمة العامة التي تطبع فتاواه وتميزها.

ولا يكفي في ذلك موافقته لهذا العالم في هذه الفتوى، وموافقته غيره في فتوى أخرى، ثالث في ثالثة..

فقد نجد مذهبا فقهيا لغير الشيعة الإمامية يتفق في غالب فتاواه مع فتاوى متناثرة وشاذة ـ أو غير شاذة أحيانا ـ لفقيه شيعي هنا، وفقيه شيعي هناك، مع وضوح المخالفة بين المذهبين


/ صفحة 73 /

في المنهج، وفي المنطلقات والسمات، ولا تجعلهما هذه الموافقات مذهبا واحدا.

فلا جدوى تذكر من قول البعض بصورة دائبة: فلان يوافقني، أو أوافقه في هذه الفتوى أو تلك..

هل هذا هو المنهج الجواهري:

وأما بالنسبة للمنهج الاستنباطي فرغم أننا نجد البعض يقول: إنه يلتزم بالمنهج الجواهري في الاستنباط(1).

نجده أيضا يلتزم في طريق الاستنباط منهجا لا يتفق مع المنهج الجواهري لا من قريب ولا من بعيد..

ونذكر للقارئ الكريم بعض الأمثلة لذلك، فهو:

1 ـ يعتبر بناء العقلاء وسيرة العقلاء يشرعان للإنسان المسلم أحكامه!!! وإن كانا قد يطلان على جانب من جوانب السنة، التي هي قول المعصوم، وفعله، وتقريره (2).

2 ـ يعتبر أن كل ما جاءنا من تراث فقهي باستثناء البديهيات ـ وما أقلها ـ هو نتاج الفقهاء، فكله فكر بشري، غير إلهي (3).

3 ـ يعتبر أن القرآن هو الذي يوسع الحديث أو يضيقه،

ــــــــــــــــــــ

(1) المرشد: العددان 3 و 4 ص 244 من محاضرة ألقيت في المعهد الشرعي في بئر حسن بتاريخ 18 / 1 / 1995 م.

(2) المرشد: العددان 3 و 4 ص 244 من محاضرة ألقيت في المعهد الشرعي في بئر حسن بتاريخ 18 / 1 / 1995 م.

 (3) حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع ص 480. (*)


/ صفحة 74 /

أما الحديث فلا يستطيع تضييق المفهوم القرآني(1).

4 ـ ثم هو يعتبر العام والخاص متعارضين إذا كانا متباعدين زمانا (2)، ولا بد أن يلحق بهما المطلق والمقيد، لنفس العلة التي ذكرها.

5 ـ ثم هو يقول: إن العقل يكشف عن ملاكات الأحكام(3).

6 ـ وهو أيضا يستوحي المعنى القرآني كما كان الأئمة يستوحونه (4).

7 ـ كما أنه لا مانع عنده من العمل بالقياس وغيره من الطرق الظنية في أي مورد لا يجد في الكتاب وفي الحديث ما يفيد في انتاج الحكم الشرعي (5) رغم نهي الأئمة عن القياس، ورفضهم له أي أنه يخص العمل بالقياس وغيره من الطرق الظنية بصورة الإنسداد الكبير لباب العلم، بل هو يعمه ليشمل حتى الإنسداد الصغير ولو في حكم شرعي في مورد خاص جدا.

8 ـ وهو يوثق الحديث الذي ينقل اتفاق العلماء على

ــــــــــــــــــــ

(1) المرشد: العددان 3 و 4 ص 267 و 247.

(2) المرشد: العددان 3 و 4 ص 267 و 247.

 (3) المرشد: العددان 3 و 4 ص 245.

(4) للإنسان والحياة: ص 310.

(5) تأملات في آفاق الإمام الكاظم(ع): ص 40 ـ 44. (*)


/ صفحة 75 /

ضعفه بدعوى أنه لا داعي للكذب فيه.

9 ـ ثم هو لنفس السبب يصحح العمل بروايات العامة(1).

10 ـ كما وأن اللغة عنده تتطور، فلا بد من فهم القرآن والحديث على أساس المعنى الجديد الذي لم يكن متداولا، ولا كان اللفظ يدل عليه في عهد صدور النص(2).

11 ـ ثم إن بعض التشريعات عنده لا بد من إعادة النظر فيها لكونها تؤدي إلى الشلل والجمود(3).

12 ـ ويعتبر أن قاعدة المصالح المرسلة التي يستند إليها أهل السنة هي نفس قاعدة التزاحم في مدرسة أهل البيت، وشتان ما بينهما(4).

13 ـ ثم الاحتياط الوجوبي عنده بحرمة شئ يعتبر ميلا إلى القول بالحلية، فيعد من يقول بالاحتياط الوجوبي بعدم حلق اللحية مثلا في جملة من يميلون إلى القول بحلية حلقها، مع أن معنى الاحتياط هو أن الفقيه لا يملك دليلا على المنع، وكأنه يقول: أنا لا فتوى لدي، فارجعوا إلى غيري، أو احتاطوا في مقام العمل، لتحرزوا براءة ذمتكم.

ــــــــــــــــــــ

(1) كتاب النكاح: ج 1 ص 58.

(2) راجع: قراءة جديدة لفقه المرأة: ص 19 ـ 20.

(3) تأملات في أفاق الإمام الكاظم(ع): ص 47.

(4) للإنسان والحياة: ص 169. (*)


/ صفحة 76 /

التكتف والشهادة بالولاية:

وكنموذج للمفارقات في منهجه الفقهي نذكر المثال التالي:

إنه يعتبر أن في قول "أشهد أن عليا ولي الله" في الإقامة مفاسد كثيرة، حيث يقول وهو يتحدث عنها: "لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة، في مقدماتها وأفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة"(1).

ولا ندري لماذا لا يزيلها من الأذان أيضا، فإنه أيضا من مقدمات الصلاة كما هو مقتضي عبارته.

ثم يقول:

وهو يعدد مبطلات الصلاة:

"تعمد قول آمين على الأحوط. وإن كان للصحة وجه، لا سيما إذا قصد بها الدعاء"(2).

ثم يعد من المبطلات أيضا:

"التفكير ـ وهو التكتف بوضع اليد اليمنى على الشمال أو العكس، على الأحوط، ولا سيما إذا قصد الجزئية. وإن كان الأقوى عدم البطلان بذلك، في فرض عدم قصد الجزئية، وانتفاء التشريع، خصوصا إذا قصد به الخضوع والخشوع لله(3) الخ.."

ــــــــــــــــــــ

(1) المسائل الفقهية: ج 2 ص 123 ط 1996.

(2) المسائل الفقهية: ج 1 ص 92 ط خامسة.

(3) المسائل الفقهية: ج 1 ص 91 92 ط خامسة. (*)


/ صفحة 77 /

إذن فليس لديه دليل على بطلان الصلاة بالتكتف، ولا بقول آمين تعمدا، لكون المسألة احتياطية عنده، والاحتياط عنده يستبطن الميل للجواز، بل بلا مانع عنده من قول آمين في الصلاة حتى لو لم يقصد بها الدعاء، لوجود وجه للصحة عنده. وكذلك الحال بالنسبة للتكتف في الصلاة، مع عدم قصد الجزئية.

والملفت هنا: أنه لم يسجل أي تحفظ على ذلك ـ فلم يعتبره يؤدي إلى مفاسد كثيرة ـ كما تحفظ على الشهادة الثالثة معتبرا لها كذلك، رغم أن التكتف وقول آمين كلاهما مثلها عنصران جديدان دخلا في أمر واجب ـ وهو الصلاة ـ لا في مستحب.

ثم إن هذا العنصر قد دخل في الصلاة نفسها، لا فيما يحتمل كونه جزءا منها، رغم أن هذا الاحتمال موهون جدا..

ولماذا هذا الاحتياط في خصوص الشهادة الثالثة؟! أمن أجل مجرد احتمال؟ أليس هو نفسه يشن هجوما قويا على كل العلماء الذين يوجبون الاحتياط حتى في موارد الأحكام الإلزامية(1)؟!

ولعل ما ذكرناه من التلميح يغني القارئ عن التصريح، فيما يرتبط بموقفه من أمرين: أحدهما يرتبط بعلي(ع)، والآخر ـ التكتف وتعمد قول آمين في الصلاة ـ يرتبط بجهة تريد أن

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 263. (*)


/ صفحة 78 /

تكرس ما سوى خط ونهج علي(ع)!!

والذي نتمناه بعد أن حكم باستلزام ذكر الشهادة لأمير المؤمنين(ع) ـ وفي كل من الأذان والإقامة ـ استلزامها لمفاسد كثيرة الذي نتمناه هو أن لا يتوسل إلى ذلك بالجبر والقهر..

وذلك عملا بالقاعدة التي استدل بها على حرمة التدخين، وكل مضر، واستنبطها من قوله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} حيث راق له تفسير الإثم بالضرر من دون أن يكون لذلك شاهد من اللغة.. ولم يرق له تفسير النفع بالمثوبة مع عدم وجود مرجح لأحدهما على الآخر.

وبعد.. فإننا لا نريد أن نذكر هذا البعض بتعهداته بأن يكون جميع فتاويه تحظى بموافق لها من علماء الطائفة، فإن حكمه الاحتياطي باستحباب ترك الشهادة لعلي(ع) في الإقامة والأذان لم نجد له فيه موافقا، لا من الأولين ولا من الآخرين، بعد تتبعنا الواسع لما يزيد على رأي مئة عالم رضوان الله عليهم أجمعين.. فليذكر لنا ولو عالما واحدا يقول:

الأحوط استحباب ترك الشهادة بالولاية في الإقامة وفي الأذان مع عدم قصد الجزئية.


/ صفحة 79 /

جواز النظر إلى العراة:

وهل هذا إلا من قبيل قوله بجواز نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، استنادا إلى مجرد استحسانات عقلية، وإلى القياس، بل هو قدت جوز بصراحة تامة النظر إلى عورات المشاركين في نوادي العراة(1). مع أن حرمة ذلك من الواضحات في مذهبنا.. فهذا ذكر لنا عالما واحدا يوافقه على هذه الفتوى؟!

فلعله لا حرج بعد اليوم من التوجه إلى تلك النوادي للاستفادة العملية (!!!) استنادا إلى ذلك (!!!)

عصمنا الله من الزلل في الفكر والقول، والعمل.

حول النشاط الاجتماعي للزهراء:

هذا.. ومن الأمور التي أثيرت، قولهم: إننا تحدثنا عن النشاط الاجتماعي للسيدة الزهراء(ع)، حين ناقشنا مقولة

ــــــــــــــــــــ

(1) كتاب النكاح: ج 1 ص 66، بل إن دليله الذي استدل به لا يأبى عن تجويز نظر الرجال إلى عورات النساء، والنساء إلى عورات الرجال، حيث اعتبر أن هذا الأمر ليس من الأمور التعبدية، بل الميزان فيه هو إسقاط ذي العورة لحرمة نفسه بكشف عورته، فإذا أسقط الحرمة جاز النظر، كما جاز النظر للواتي لا ينتهين إذا نهين. فراجع كلامه في الموضوع المذكور. (*)


/ صفحة 80 /

البعض إنه: "لا يجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للزهراء عليها السلام في داخل المجتمع الإسلامي إلا في رواية أو روايتين" ـ تحدثتا عن عدم إنشائها مؤسسات خيرية، أو عدم مشاركتها في جمعيات إنسانية وما إلى ذلك.

فاعتبروا ذلك تعريضا بنشاطات البعض في هذا المجال، وكأنهم ـ يريدون أن يجدوا متمسكا لإظهار: أن الكتاب قد تعرض لجوانب شخصية، لا علاقة لها بالجانب العلمي الذي وضع الكتاب على أساسه.

كما أنهم اعتذروا عن ذلك البعض، بإنه إنما كان بصدد النقد والإدانة للتاريخ الظالم.

ونقول:

أولا:

إن اهتمام البعض بالمؤسسات الخيرية والإنسانية لا يعتبر إدانة له، ولا هو نقطة ضعف في حياته العملية، ليصح التعريض به.

ثانيا:

إن القيام والتصدي لأمور من هذا القبيل والإهتمام بها ليس من الأمور الخاصة بهذا الفريق أو ذاك الفريق، بل إن ذلك يعتبر من صيغ العمل المتداولة لدى من يتعامل مع القضايا الاجتماعية، ولم نعترض على هذا النوع من العمل، وليس لدينا مشكلة في هذا الاتجاه.


/ صفحة 81 /

ثالثا:

إن كل من قرأ بوعي وإنصاف ما كتبناه، قد فهم المعنى المراد، وإذا كان ثمة من يحتاج إلى توضيح فإننا نقول له: إننا قد تعرضنا لمناقشة المحتملات في دائرة مقتضيات الحياة الاجتماعية في ذلك العصر..

رابعا:

إننا لا نتصور إلا أن التاريخ قد ظلم الزهراء(ع)، كما ظلم كل أهل الحق وكل المخلصين، والعاملين في سبيل الله، لكن نفي وجود أكثر من رواية أو روايتين فيه يحتاج إلى إشراف كامل وتتبع تام للنصوص التاريخية في مختلف المؤلفات والمصنفات، وقد ذكرنا في الكتاب نماذج تفيد: أن من أطلق هذا القول لم يقم بهذا الاستقصاء ليصح منه طرح الموضوع بهذه الطريقة.

وخامسا:

إن نفس هذا القائل يذكر للسيدة الزهراء(ع) في خطبه المختلفة والمتعددة الكثير من الأمور التي تقع في هذا السياق ـ كما صرح به بعض من تصدى للدفاع عنه ـ فما معنى هذا الحصر الدقيق للموضوع في رواية أو روايتين؟!

مع كوننا نجد هذه الأمور قد وردت في أكثر من ذلك، كما هو واضح.


/ صفحة 82 /

تنسيق النصوص أو تحشيدها:

ومما أخذه البعض على الكتاب أنه اهتم بتحشيد! النصوص، وتحشيد مصادرها!.

ونقول:

كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى رسائله لمعاوية بن أبي سفيان:

"لعمرو الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت"(1).

فإن المقصود من حشد النصوص هو إثبات المعنى الذي توافقت عليه، بصورة علمية، عن طريق إظهار وجود تواتر، يستغني معه الباحث عن التدقيق في الأسانيد، لأن التدقيق إنما يحتاج إليه في صورة عدم ثبوت الأمر وعدم وضوحه، وعدم صيرورته بهذا التواتر من القطعيات، وذلك حين يتكفل كل واحد من النصوص الكثيرة بإضافة درجة من الاحتمال.. ثم تتزايد.. الاحتمالات، كلما انضم نص جديد إلى سوابقه فنصل إلى درجة من الظن، ثم إلى ظن قوي، ثم إلى ما هو أقوى منه، وهكذا

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع نهج البلاغة: قسم الكتب والرسائل: الكتاب رقم 58. (*)


/ صفحة 83 /

تتراكم الاحتمالات إلى أن يسقط الاحتمال المخالف ويتلاشى، وينصرف العقل عن الإعتداد به، ويحصل بذلك التواتر والقطع بصحة المعنى المراد إثباته..

ويساعد على هذا الأمر عوامل مختلفة، وظروف متنوعة فمثلا:

كلما كانت المصادر موثوقة وقريبة من زمن صدور النصوص، أو زمن الحادثة ازدادت فرص إثبات هذا المعنى وقلت الحاجة إلى هذا التكثير.

ويساعد على ذلك أيضا: أن تكون المسألة من الأمور التي لا تنسجم مع سياسات الحكام أو توجهات المؤرخين، فإن إفلات نصوص كثيرة لها هذه الصفة، يزيد من فرص تقوي هذه الاحتمالات، ويكون تراكم الظنون معها أسرع وأوفر، خصوصا إذا كانت هذه الكثرة بحيث لا يعارضها ما يكذبها من قبل أعوان الحكام، ومن الذين يهمهم تبرئة الفريق الذي هو مصدر الحدث.

وإذا اختلفت الروايات في التفاصيل الجزئية، أو في ذكر بعضها لخصوصيات أهملها أو لم يطلع عليها البعض الآخر، فإن ذلك لا يضر في تراكم الظنون بحصول أصل الحادثة، حيث يراد لها أن تنتهي إلى العلم والقطع بالقدر الجامع بين كل هذه الروايات.


/ صفحة 84 /

ولعل من أنكر علينا ذكر النصوص بدون تحقيق في أسانيدها، لم يلتفت إلى هذه المسألة لأن من تصدى للإنكار ليس ممن له باع يذكر في هذه الأمور.

أضف إلى ذلك: أن ذكر المصادر التي ألفت عبر القرون اللاحقة والمتلاحقة لا يعني بالضرورة أن اللاحق قد نقل عن خصوص سابقه الموجود كتابه بين أيدينا، إذ كثيرا ما يكون قد نقل ذلك عن مصدر آخر معاصر له، أو سابق عليه.

كما أن اهتمام العلماء بتدوين هذا الأمر وتناقله في مصنفاتهم الكثيرة يدل على أنهم لم يمروا على هذا الحدث مرور الكرام، ولا نظروا إليه بلا مبالاة.

وقد رأينا: أن الجرأة على الزهراء(ع)، والإساءة إليها، ودخول بيتها بالقهر والغلبة وإخراج علي عليه السلام للبيعة عنوة وقهرا.

قد روي عن النبي (ص)، وعن معظم أئمة أهل البيت، وعن الزهراء نفسها في روايات كثيرة.

كما أن هذا الحديث قد رواه بالإجمال أو بالتفصيل الكثيرون من المؤرخين في مختلف الطبقات، ومن مختلف الاتجاهات. ولهج به الشعراء، واستدل به المتكلمون وأكده العلماء على تعدد ميولهم، وتضاربها، واختلاف مراتبهم العلمية.

وكل ذلك ينصب في اتجاه تحصيل العلم بوجود نقلة هذا الخبر من أناس يمتنع تواطؤهم على هذا المعنى الواحد، بسبب


/ صفحة 85 /

اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وميولهم، واختصاصاتهم على مدى العصور والدهور.

فلا يبقى مجال لدعوى البعض أنه لم يحدث شئ على الزهراء(ع)، وعلى بيتها، وفيه، سوى التهديد بالإحراق، مع التشكيك بجدية هذا التهديد أيضا باعتبار أن قلوب المهاجمين كانت مملؤة بحب الزهراء وأن موقعها الاجتماعي يمنعهم من الإقدام على أي عمل من هذا القبيل.

إلا إذا كان المعترضون على تحشيد النصوص يرفضون حتى التواتر، وحجيته، وآثاره، خلافا لما يعلنون به أمام الملأ؟!

وخلاصة الأمر: أنه إنما يحتاج للبحث في الأسانيد في ما لم يثبت معه الأمر. بصورة ظاهرة ومتواترة، أو في صورة عدم قيام قرائن الصدق على ذلك الأمر. ولو أريد الاقتصار في التاريخ على ما صح سنده ـ حسب المصطلح الرجالي ـ فلا يمكن إثبات أية حقيقة تاريخية إلا ما شذ وندر.

ولو كان الباحث من غير المسلمين، ولا يلتزم في توثيق الرجال بما يلتزم به المسلمون، فهو لا يستطيع إثبات أية حقيقة تاريخية على الإطلاق حتى ذلك الشاذ النادر أيضا، إذا لم يعتمد الطريقة التي ابتغاها وأشار إليها الشهيد السعيد آية الله السيد الصدر رحمه الله تعالى، فقد قال رحمه الله وهو يتحدث عن حصول القطع بالتواتر على أساس حساب الاحتمالات:


/ صفحة 86 /

"كل خبر حسي يحتمل في شأنه ـ بما هو خبر ـ الموافقة للواقع والمخالفة له. واحتمال المخالفة يقوم على أساس احتمال الخطأ في المخبر أو احتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة له تدعوه إلى إخفاء الحقيقة، فإذا تعدد الإخبار عن محور واحد، تضاءل احتمال المخالفة للواقع، لأن احتمال الخطأ أو تعمد الكذب في كل مخبر بصورة مفتعلة إذا كان موجودا بدرجة ما، فاحتمال الخطأ أو تعمد الكذب في مخبرين عن واقعة واحدة معا أقل درجة، لأن درجة احتمال ذلك ناتج ضرب قيمة احتمال الكذب في أحد المخبرين، بقيمة احتماله في المخبر الآخر، وكلما ضربنا قيمة احتمال بقيمة احتمال آخر، تضاءل الاحتمال، لأن قيمة الاحتمال تمثل دائما كسرا محددا من رقم اليقين فإذا رمزنا إلى رقم اليقين بواحد، فقيمة الاحتمال هي 1 / 2 أو 1 / 3 أو أي كسر آخر من هذا القبيل، وكلما ضربنا كسرا بكسر آخر خرجنا بكسر أشد ضآلة كما هو واضح.

وفي حالة وجود مخبرين كثيرين لا بد من تكرار الضرب بعدد إخبارات المخبرين، لكي نصل إلى قيمة احتمال كذبهم جميعا، ويصبح هذا الاحتمال ضئيلا جدا، ويزداد ضآلة كلما ازداد المخبرون، حتى يزول علميا بل واقعيا لضآلته، وعدم إمكان احتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات الضئيلة جدا. ويسمى حينئذ ذلك العدد من الإخبارات التي يزول معها هذا الاحتمال علميا أو واقعيا بالتواتر، ويسمى الخبر بالخبر المتواتر.


/ صفحة 87 /

ولا توجد هناك درجة معينة للعدد الذي يحصل به ذلك.

لأن هذا يتأثر إلى جانب الكم بنوعية المخبرين، ومدى وثاقتهم ونباهتهم وسائر العوامل الداخلية في تكوين الاحتمال.

وبهذا يظهر أن الاحراز في الخبر المتواتر يقوم على أساس حساب الاحتمالات.

والتواتر تارة يكون لفظيا، وأخرى معنويا، وثالثة إجماليا، وذلك أن المحور المشترك لكل الإخبارات إن كان لفظا محددا، فهذا من الأول، وإن كان قضية معنوية محددة، فهذا من الثاني، وإن كان لازما منتزعا، فهذا من الثالث.

وكلما كان المحور أكثر تحديدا كان حصول التواتر الموجب لليقين بحساب الاحتمالات أسرع إذ يكون افتراض تطابق مصالح المخبرين جميعا بتلك الدرجة من الدقة رغم اختلاف أحوالهم وأوضاعهم أبعد من منطق حساب الاحتمالات.

وكما تدخل خصائص المخبرين من الناحية الكمية والكيفية في تقييم الاحتمال، كذلك تدخل خصائص المخبر عنه ـ أي مفاد الخبر ـ وهي على نحوين:

خصائص عامة، وخصائص نسبية.

والمراد بالخصائص العامة، كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على كذب الخبر أو صدقة، بقطع النظر عن نوعية المخبر.


/ صفحة 88 /

ومثال ذلك: غرابة القضية المخبر عنها، فإنها عامل مساعد على الكذب في نفسه، فيكون موجبا لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر، وعلى عكس ذلك كون القضية اعتيادية ومتوقعة ومنسجمة مع سائر القضايا الأخرى المعلومة، فإن ذلك عامل مساعد على الصدق، ويكون حصول اليقين حينئذ أسرع.

والمراد بالخصائص النسبية: كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على صدق الخبر أو كذبه، فيه إذا لو حظ نوعية الشخص الذي جاء بالخبر.

ومثال ذلك: غير الشيعي إذا نقل ما يدل على إمامة أهل البيت عليهم السلام، فإن مفاد الخبر نفسه يعتبر بلحاظ خصوصية المخبر عاملا مساعدا لإثبات صدقة بحساب الاحتمال، لأن افتراض مصلحة خاصة تدعوه إلى الافتراء بعيد.

وقد تجمع خصوصية عامة وخصوصية نسبية معا لصالح صدق الخبر، كما في المثال المذكور، إذا فرضنا صدور الخبر في ظل حكم بني أمية، وأمثالهم ممن كانوا يحاولون المنع من أمثال هذه الأخبار، ترهيبا وترغيبا.

فإن خصوصية المضمون بقطع النظر عن مذهب المخبر شاهد قوي على الصدق، وخصوصية المضمون مع أخذ مذهب المخبر بعين الاعتبار أقوى شهادة على ذلك.(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: دروس في علم الأصول: ج 1 الحلقة الثانية: ص 108 ـ 110. (*)


/ صفحة 89 /

الاختصاص وكتاب سليم:

ومن المؤاخذات التي أشيعت: إن من بين المصادر التي اعتمدناها كتاب الاختصاص، وكتاب سليم بن قيس، وليس بالضرورة أن يكون هذان الكتابان معتمدين لدى أولئك الذين يثيرون هذه القضايا، مع رجوع أكثر الروايات الدالة على قضية الزهراء(ع) إلى هذا الثاني.

ونقول:

1 ـ إن المصادر التي سجلت الأحداث التي جرت على الزهراء لا تنحصر في هذين الكتابين، ولا تنتهي إليهما، وإن أدنى مراجعة لكتابنا: "مأساة الزهراء(ع)" ولأسانيد ومضامين الروايات التي أوردناها فيه، والتي رواها أهل السنة والشيعة..

كفيلة بإظهار خطل هذا القول وفساده. حيث يظهر للمتأمل أن الروايات متضافرة، ومتواترة، قد رويت من طرق مختلف المذاهب. وما روي عن كتاب سليم لا يزيد على نصوص يسيرة، ربما لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. واختلاف الروايات في سياق الخبر، وفي رجال الأسانيد شاهد صدق على أن النقل لم يكن من كتاب واحد، هو كتاب سليم الذي قد تجد لدى البعض حساسية خاصة تجاهه.


/ صفحة 90 /

2 ـ أما بالنسبة لكتاب الاختصاص فنقول: إن نفس ذلك البعض قد اعتمد على هذا الكتاب مصرحا بنسبته إلى الشيخ المفيد.(1) وقد تحدثنا في كتاب المأساة عن الشبهات التي أثيرت وحوله وقد ظهر أنها كلها مما لا يصح الالتفات إليه.

3 ـ إن توثيق كتاب سليم بن قيس، وقبول رواياته لا يتوقف على توثيق الطريق إليه بصورة صريحة ومباشرة، إذ يكفي لقبول رواياته تلقي العلماء له بالقبول والرضا، والأخذ منه واعتمادهم الظاهر عليه مع عدم التفاتهم إلى ما يقال حول رجال الطريق إليه، شاهد قوي على أن هذا الكتاب فوق مستوى النقد، وأن له من الثبات، والقوة ما قد قامت القرائن عندهم على صحته إلى درجة أنه لم يكن ثمة أية شبهة يعتد بها يمكن أن تخدش عندهم في صحته.. وإذا ما ناقش بعضهم في إحدى الروايات فيه، فهو كمناقشاتهم في بعض الروايات التي في الكافي، أو التهذيب، كما صرح بذلك الإمام الخوئي رحمه الله في معجم رجال الحديث.

بل إن المعيار ـ بنظر نفس ذلك البعض، الذي نحن بصدد مناقشة مقولاته ـ هو الخبر الموثوق، لا خبر الثقة، فلا حاجة عنده إلى وثاقة الطريق. إذ يكفي وثاقة المضمون والاطئمنان إليه، وما ذكره مبررا للشك في المضمون من استحسانات عقلية،

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: تأملات في آفاق الإمام الكاظم(ع): ص 40. (*)


/ صفحة 91 /

لا ينهض على مطلوبه كما أوضحناه في كتاب المأساة، وأشار إليه الإمام الخوئي في معجم رجال الحديث.

والحاصل:

إننا قد قلنا: إن كتاب سليم قد تلقته الأمة بالقبول والرضا. كما تلقت غيره من كتب الإمامية المعتمدة، وإن كان بعض العلماء قد ناقش ببعض ما ورد فيه من روايات..

وهذا هو ما قصده آية الله العظمى السيد الخوئي رحمه الله حين دافع عن مضمون الكتاب تارة، ثم حكم بضعف الطريق إليه أخرى وإنما صدر منه (ره) ما صدر باعتبار كونه قائلا بحجية خبر الثقة لا الخبر الموثوق.

ولعمري.. إن من يقرر الأخذ بروايات أهل السنة من دون تحفظ أو تدقيق في أسانيدها(1)، إذا حصل له الوثوق بصحة مضمونها وانعدمت في نظره دواعي الكذب فيها، لا يحق له النقاش في كتاب سليم الذي هو من أهم الكتب التي تلتزم أصول المذهب الحق، ولا تشذ عنها.

ثم إنه كيف يحصل له الوثوق بمرويات كتب أهل السنة في الأمور الفقهية بحجة أنه لا داعي للكذب فيها، ولا يحصل له الوثوق في كتب أهل السنة أيضا وفي أمور ذكروها عن أشخاص لا يحبون إدانتهم في شئ، مع عدم وجود داع للكذب فيها أيضا، بل الداعي يسوقهم إلى عدم التصريح بتلك الأمور، وعدم ذكرها؟!!!

ــــــــــــــــــــ

(1) كتاب النكاح: ج 1 ص 58. (*)


/ صفحة 92 /

انطلق بطريقة غير شرعية:

وعدا عن ذلك كله، فإن أطرف ما سمعناه عن كتاب المأساة هو ما ذكره البعض حين سئل عن الكتاب فقال:

"لا أعلق على هذا الكتاب، أنا لا أرد على كثير من الأشياء التي تنطلق بطريقة غير شرعية، وغير مسؤولة".

ولم يتضح لنا المراد من هذه الإجابة، فهل يعني بالطريقة غير الشرعية أن الكاتب بدل أن يمسك القلم باليد اليمنى أمسكه باليد اليسرى؟ أو أنه قد كتب بحبر مغصوب، وقلم مغصوب على ورق مغصوب؟ أو أننا بدل أن نبدأ من أعلى الصفحة بدأنا من أسفلها.

ولماذا لا يقال: إن الشتائم والاتهامات الباطلة التي توجه للآخرين بمناسبة وبغير مناسبة هي الأخرى تنطلق بطريقة غير شرعية؟! أم أن باء البعض تجر وباء غيره لا تجر؟!!

وهل ما قاله وكتبه الآخرون كردود على كتاب "مأساة الزهراء" من أباطيل وأكاذيب، وتزوير للحقائق، وخيانة للأمانة، وإيهام للناس وتلبيس عليهم، وسائر ما اشتملت عليه كتبهم ومقالاتهم من شتائم وافتراءات، ثم توزيع ما كتب مجانا، وإثارة


/ صفحة 93 /

ضجة إعلامية للترحيب به؟؟ هل أن كل ذلك قد انطلق بطريقة شرعية؟!!

إننا نريد أن لا ندري ولعل الفطن الذكي يعرف ويدري.

توثيق النصوص:

وقد واجهنا بعض العتب من إخوة لنا على عدم توثيق أقوال ذلك البعض، بنسبة تلك الأقوال إلى مصادرها، أو تواريخ صدورها، أو إذاعتها، على اعتبار أن ذلك من الأمور الفنية التي تكمل الكتاب، وتبعث على طمأنة القارئ بصحة تلك النسبة إلى صاحبها.

ونقول:

إننا لم نجد حاجة إلى ذلك لأسباب:

أولها:

إننا لم نرد التركيز على الأشخاص، حنى لا ينسب ذلك إلى الاستهداف الشخصي لأحد من الناس.

ثانيها:

إننا أردنا أن لا نساهم في ذيوع نسبة هذا الأمر إلى هذا البعض أو ذاك، أكثر مما ذاع، وذلك صيانة له عن التعرض لما


/ صفحة 94 /

لا نحب أن يتعرض له. وصيانة لبعض الطيبين من الناس من الوقوع في الشبهة والخطأ.

ثالثها:

إن ما ذكرناه في كتابنا قد أصبح له من الشهرة والذيوع ما يغني عن الإحالة إلى مصادره ومآخذ. ولا نظن، أن يتمكن ذلك البعض من إنكار أي من مقولاته التي أشرنا إليها، وهو أعرف الناس بنوع وحجم ما صدر عنه من تصريحات مكتوبة، ومسجلة، ومذاعة، يتداولها الناس، في أطراف العالم الإسلامي، وفي البلاد التي يتواجد فيها المسلمون..

ومن المضحك المبكي: أن نجد بعض من يريد الانتصار لصاحب تلك المقولات يطالبنا في موارد يسيرة جدا بمصادر ما نقلناه. ولو أنه راجع كتابات صاحبه، أو تصريحاته المنشورة والمتداولة، فلربما أغناه ذلك عن التفوه بما تفوه به.

لا داعي لأي تغيير:

وبعد.. فقد نجد البعض يقترح:

أن في تمهيد الكتاب بعض الحدة، فلو أمكن تخفيفها في الطبعات التالية للكتاب؟

ونقول:

إن تمهيد الكتاب إنما هو إجابات على مقولات أطلقها البعض في سياق إقناع الناس بآرائه حول قضية الزهراء(ع).


/ صفحة 95 /

وقد جاء الجواب عن هذه المقولات علميا واضحا وصريحا، ولم نجد ضرورة للتعمية على القارئ الكريم، بعد أن كانت هذه المقولات قد نشرت وأذيعت عبر أجهزة الإعلام. ولا نجد في هذا التمهيد أي سباب لأحد. اللهم إلا إذا كانت الحقيقة العلمية تمثل صدمة لهم، ويعتبرون الجهر بها أو الإجابة عنها سبابا وشتما.

ولماذا جاز لذلك البعض أن يعترض على كل علماء الأمة، من أول الإسلام إلى يومنا هذا ويجرح فيهم، وينال منهم؟

ثم جاز له أن يواصل اتهام العلماء المخلصين بالتخلف وبسوء الفهم، وبالعقد النفسية، وبالعمالة للمخابرات، أو الوقوع تحت تأثيرها، وبأنهم بلا دين، وما إلى ذلك مما حفل به قاموسه؟.

ولم يجز للآخرين أن يجهروا ـ جوابا على ذلك ـ بالحقيقة العلمية المبددة لكل شكوكهم وأوهامهم، وأن يوقفوهم على أخطائهم في حق هذا الدين بصورة صريحة وواضحة؟!.

أليس ذلك البعض هو الذي تحدث عن هذه الأساليب على أنها أساليب الكفار في مواجهة النبي (ص) والمؤمنين؟ فهو يقول:

"فقد نحتاج إلى أن نتعلم من هذا الموقف: كيف نواجه الاتهامات التي تتحرك بها حرب الأعصاب التي يوجهها أعداء الله إلى العاملين في سبيله: من السخرية، والاستهزاء، والاتهامات بالرجعية، والتأخر، والتخلف، والبعد عن ركب


/ صفحة 96 /

الحضارة، ومستوى العصر، إلى غير ذلك من الكلمات غير المسؤولة التي تتمثل بتهمة العمالة للأجنبي، أو السير في ركابه، مما يراد منه تحطيم أعصابنا لننسحب من خط العمل، ونترك الدعوة إلى الله.. "(1).

ويقول أيضا:

"إننا نجد إلى جانب المفردات الدينية من كفر وزندقة وهرطقة كلمات كالرجعية والخيانة، والعمالة، والسقوط، وما إلى ذلك، مما جعلنا نستهلك جماع القاموس المتوافر حتى أصبحنا نفزع إلى قاموس المفردات الأجنبية من إنكليزية وفرنسية ككلمة نازي، فاشي، توتاليتاري، وما أشبه ذلك. لذلك بت أتصور أن الحدة التي يعيشها الإنسان الديني المسلم في الشرق، هي الحدة نفسها التي يعيشها الإنسان العلماني في هذا الشرق، لا سيما ما يتصل بالمفردات التي تدور حول موضوعات عامة كالتقدمية والرجعية أو الكلمات التي تدور حول المسائل السياسية المباشرة.

من خلال ذلك نفهم أن هذه الظاهرة ليست ظاهرة دينية محضة بما هو المضمون الديني في العمق، وإن كان له دور في ذلك، ولكنها ظاهرة تتصل بالحالة الانفعالية الشرقية التي

ــــــــــــــــــــ

(1) رسالة التآخي: رقم 1 من دروس السيرة النبوية. في ذكر المولد: ص 22 و 23. (*)


/ صفحة 97 /

استطاعت الماركسية أن تزيدها عمقا، من خلال الأسلوب الماركسي في مواجهة الفكر المضاد أو الإنسان المضاد.

وإنني أزعم بأن الإسلاميين عندما لجأوا إلى بعض الأساليب الحادة فإنهم كانوا في المسألة السياسية، يختزنون الأسلوب الماركسي في ممارستهم للإسلام"(1).

وبعدما تقدم نقول:

إننا لا ندري كيف جاءت هذه الكلمات لتجعلنا أمام سؤال حرج، عن وجه الحكمة في أن يمارس بعض المؤمنين ضد بعضهم، الأساليب التي يمارسها أعداء الله ضد المؤمنين؟!

وقبل أن أختم كلامي هنا، فإنني أذكر القارئ الكريم بأمور ثلاثة:

الأول:

أنني أعده بأن يشهد من جديد هجمة شرسة علينا فيها الكثير من الشتائم، والاتهامات، وإثارة الأجواء وتعبئة النفوس ضدنا بحجة أن ثمة تجريحا بشخص فلان من الناس، وبحجة أن الطرح لم يكن علميا ولا موضوعيا.

الثاني:

ستجدهم يتمسكون بأمور صغيرة وجانبية للتعمية على الموضوعات الحساسة والهامة وتمييع القضايا.

ــــــــــــــــــــ

(1) المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 198 و 199. (*)


/ صفحة 98 /

الثالث:

أنهم سيعتبرون هذا الدفاع المشروع عن الحق والحقيقة إثارة للفتنة من جانب واحد، علما بأننا لم نتعرض إلى مقولاته الكثيرة في مختلف قضايا الدين والإيمان وهي حساسة وخطيرة كما المحنا إليه. ولسوف لن يتذكروا الإثارات المتتابعة وبمزيد من الإصرار من قبله والتحدي لعلماء الأمة ومراجعها لتلك القضايا الحساسة والهامة. التي أشرنا إليها أكثر من مرة، وإن غدا لناضره لقريب.

عصمنا الله من الزلل في الفكر والقول والعمل.

نسأل الله سبحانه أن يجمعنا على الخير والهدى والصلاح وهو حسبنا ونعم الوكيل.

27 ربيع الثاني 1418 ه‍. الموافق 31 آب 1997 م.

جعفر مرتضى العاملي


/ صفحة 1 /

مأساة الزهراء (عليها السلام)
شبهات.. وردود

الجزء الأول

سماحة العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي


/ صفحة 5 /

تقديم :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى آله الطاهرين.

وبعد..

فإن ما جرى على الزهراء من أحداث، وما واجهته من بلايا، لم يكن يستهدف شخصها أو شخصيتها كفرد، بقدر ما كان يستهدف القفز فوق ثوابت إسلامية للوصول إلى ما لم يكن صانعوا تلك الأحداث مؤهلين للوصول إليه، أو الحصول على ما يحق لهم الحصول عليه.

وذلك لأن الزهراء كانت ـ في واقع الأمر ـ ذلك السد المنيع والقوي الذي يعترض سبيل تحقيق طموحات غير مشروعة ولا مبررة. وهي تلك القوة المؤثرة والحاسمة في إظهار زيف تلك الطموحات، وتأكيد وترسيخ بطلانها، وعدم مشروعيتها في وعي الأمة، وفي وجدانها، وفي ضميرها الإسلامي والإنساني.

وقد يجد الإنسان في سياق الفهم التاريخي أن البعض يتظاهر بأنه يعيش حالة من التردد أو الترديد في أن يكون ثمة مبررات معقولة،


/ صفحة 6 /

أو فقل: فرصا موضوعية تمكن لتلك الأحداث والوقائع، من أن تنطلق على أرض الواقع، وذلك ما يثير لديه أكثر من سؤال حول دقة أو حتى صدق النقل الحديثي والتاريخي لأحداث كهذه.

ولأجل ذلك، فهو لا يجد حرجا في التشكيك في ذلك كله، إن لم يمكن له رفضه وإدانته بصورة علنية وصريحة.

على أن موقف هذا النمط من الناس يختزن في داخله أيضا مسلمة لا مراء فيها، تقول: إن الإجابة على تلك التساؤلات، ثم التثبت من صحة تلك الوقائع بجدية وحسم، سوف يعني بالضرورة إدانة قاطعة، ورفضا صريحا لشرعية كل الواقع الذي نشأ، وتخطئة صريحة ومرة لصانعي تلك الأحداث، والمتسببين بتلك البلايا التي حاقت بالصديقة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه. وهذا ما يريدون تلافيه، والابتعاد عن الوقوع فيه.

وما تهدف إليه هذه المطالعة الموجزة هو عرض تلك التساؤلات التي أنتجت نوعا من الشك والتشكيك لدى هذا البعض. ثم تسجيل ملاحظات، وتقديم إيضاحات تضع الأمور في نصابها، وتسهم ـ إن شاء الله ـ في جلاء الصورة الصحيحة، وفي استكمالها ملامحها الضرورية، مع تقديم إيضاحات أو إجابات أخرى على أسئلة، أو شبهات طرحت حول قضايا أخرى تتعلق بالزهراء عليها السلام..

فنحن نقدم ذلك مع التأكيد على أننا نحترم ونقدر الميزات الشخصية للجميع، وعلى أن اختلاف الرأي وتسجيل الموقف في مسائل بهذا المستوى من الأهمية والخطورة لا ينبغي أن يفسد في الود قضية.


/ صفحة 7 /

ومن الله نستمد القوة والعون، ونسأله تعالى أن يلهمنا سداد وصواب القول، وصحة القصد، وخلوص النية، وطهر وصفاء العمل.

وهو ولينا، والهادي إلى سواء السبيل.

بيروت: 10 شعبان 1417 ه‍. ق.

جعفر مرتضى العاملي


/ صفحة 9 /

تــمــهــيــد

بداية وتوطئة:

قد تعرض هذا الكتاب إلى أمور أثيرت في الآونة الأخيرة، حول مأساة الزهراء (عليها السلام)، وما جرى عليها بعد وفاة رسول الله (ص)، وحول أمور أخرى لها نوع ارتباط بها صلوات الله وسلامه عليها ـ أثيرت ـ بطريقة تطلبت منا توضيحا، أو تنقيحا.

وقد أحببنا قبل الدخول في ما هو المهم: أن نذكر القارئ العزيز بأمور وبنقاط، يرتبط أكثرها بإثارات في دائرة البحث العلمي لا بد له من الإطلاع عليها، كنا قد أوردنا قسما منها في مقال لنا نشر قبل أشهر بعنوان: "لست بفوق أن أخطئ من كلام علي عليه السلام".

ونعيد عرض بعضها للقارئ الكريم في هذا التمهيد أيضا لأهميتها، ولأنه قد لا يتيسر له المراجعة إليها في ذلك المقال، فإلى ما يلي من نقاط معادة أو مزادة، والله ولي التوفيق:

نقاط لا بد من ملاحظتها:

1 ـ لقد وردت النقاط التي ألمحنا إليها وناقشناها في هذا الكتاب في مؤلفات، ومقالات، ومحاضرات، ومقابلات صحافية، أو إذاعية، أو تلفزيونية.


/ صفحة 10 /

وقد حرصنا على أن لا نصرح باسم قائلها من أجل الحفاظ على المشاعر، حيث لم نرد أن نتسبب بأدنى دغدغة للخواطر، وقد كنا ولا نزال نحرص على صداقتنا مع الجميع، وحبنا لهم، وإرادة الخير لكل الناس. ولولا أننا رأينا أن من واجبنا المبادرة إلى توضيح بعض الأمور، لكنا أعرضنا عن نشر هذه المطالعة من الأساس.

فإذا ما أراد شخص أن يعتبر أن ما يرد في هذا الكتاب يعنيه دون سواه، على قاعدة: "كاد المريب أن يقول: خذوني"، فذلك شأنه،

ولكننا نسدي له النصح بأن لا يفعل ذلك، لأننا، إنما نقصد بذلك نفس القول من أي قائل كان.

2 ـ قد تصادف في حياتك العلمية بعض المتطفلين على الثقافة والمعرفة، ممن قد يحملون بعض الألقاب أو العناوين يشن حملة تشهيرية ضد من يخالفه في الرأي أو يناقشه فيه، ولو على القاعدة التي أطلقها بعض هؤلاء بالذات منتصرا ليزيد بن معاوية، حين اعتبر لعنه سقوطا، فقال: "ولكن تلك المحافل سقطت في جوانب منها إلى السباب واللعن، فلم تكتف بالشمر اللعين، بل طالت فيمن طالت معاوية ويزيد وبني أمية"(1).

فإذا واجهنا نحن أيضا هذا النوع من الناس، فإن ذلك لن يرهبنا، ولن يمنعنا من اتباع هذا الكتاب بنظائر له، تناقش شتى الموضوعات المطروحة بطريقة علمية وموضوعية، وهادئة، إذا كان ثمة ضرورة لمناقشتها، أو إذا تبلور لدينا شعور بالتكليف الشرعي الملزم باتخاذ موقف تجاهها، إذ قد بات من الواضح: أنه لا مجال للمجاملة أو المهادنة في أمر الدين، وقضايا العقيدة، وما يتعلق بأهل البيت(ع).

ــــــــــــــــــــ

(1) جريدة السفير: 27 / 6 / 1996 م من مقال لأحد الأساتذة. (*)


/ صفحة 11 /

ولن نلتفت إلى مهاترات بعض هؤلاء، أو أولئك. فما ذلك إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

وليحق الله الحق بكلماته، ويبطل كيد الخائنين.

3 ـ وبعد.. فقد يقول البعض: إن مناقشة الأفكار ونقدها يعتبر تشهيرا بصاحب الفكرة، مع أن اللازم هو حفظه، والتستر على أخطائه، وعدم الاعلان بها.

ونقول:

أولا: إذا كانت مناقشة الأفكار ونقدها تشهيرا، فاللازم هو إغلاق أبواب المعرفة والعلم، ومنع النقد البناء من الأساس، مع أن نقد أفكار حتى كبار العلماء عبر التاريخ هو الصفة المميزة لأهل الفكر والعلم، خصوصا أتباع مدرسة أهل البيت(ع).

ثانيا: إن التشهير الممنوع هو ذلك الذي يتناول الأمور الشخصية، وليس النقد البناء والموضوعي وتصحيح الخطأ في الأمور العقيدية، والإيمانية والفكرية، معدودا في جملة ما يجب فيه حفظ الأشخاص، ليكون محظورا وممنوعا.

لا سيما إذا كان هذا الخطأ سينعكس خطأ أيضا في عقائد الناس، وفي قضاياهم الدينية ومفاهيمهم الايمانية، فإنها تبقى القضية الأكثر إلحاحا، وإن حفظ الناس في دينهم هو الأولى والأوجب من حفظ من يتسبب بالمساس بذلك، أو يتطاول إليه.

ولا بد للإنسان أن يعرف حده فيقف عنده، ولا يحاول النيل من قضايا وثوابت الدين والعقيدة، والإيمان.


/ صفحة 12 /

3 ـ وثالثا: إن المبادرة إلى نقد الفكرة ليس تجنيا ولا تشهيرا، بل إن الإصرار على طرح الأمور التي تمس الثوابت الدينية أو المذهبية أو التاريخية، أو غيرها بطريقة خالية من الدقة العلمية، وتجاوز الحدود الطبيعية هو الذي يؤدي إلى التشهير بصاحبها.

4 ـ قد يرى البعض إن التعرض إلى بعض الثوابت يمثل نوعا من التجديد في الفكر، أو في الثقافة الإسلامية أو التاريخية، وما إلى ذلك.

ولكن الحقيقة هي أن ما قد اعتبر من هذا القبيل هو ـ على العموم ـ يمثل عودة إلى طرح أمور سبق الآخرون إلى طرحها في عصور سلفت، بل لا يزال كثير منهم يذكرون أبعاضا منها في مناقشاتهم مع الشيعة الإمامية إلى يومنا هذا، وهو مبثوث في ثنايا كلماتهم، واحتجاجاتهم الكلامية والمذهبية في مؤلفاتهم.. كما لا يخفى على المتتبع الخبير. وقد أجاب عنها الشيعة الإمامية ولا يزالون، بكل وضوح ودقة، ومسؤولية، ووعي، ولله الحمد.

5 ـ هناك مقولة سمعناها وقرأناها أكثر من مرة تفيد: أن علينا أن لا نخشى من طرح القضايا على الناس، فإن القرآن قد نقل لنا أفكار المشككين في النبي:

"وكيف لنا أن نعرف ما قالوه فيه (ص) من أنه مجنون، وساحر، وكاذب لو لم يستعرض القرآن مواقفهم المعادية".

ونقول:

أولا:

إن قولهم: ساحر، وكاذب، ومجنون، ليس أفكارا للمشككين، بل هو مجرد سببا وشتائم، وإهانات منهم لرسول الله


/ صفحة 13 /

(ص)، في نطاق الحرب الاعلامية ضد الرسول (ص)، والذين قالوا ذلك أنفسهم كانوا يعرفون كذبها وزيفها أكثر من غيرهم.

ثانيا:

إن إثارة التساؤلات وإلقاء التشكيكات والسباب، وكيل التهم للنبي (ص) أو لغيره لا يعتبر فكرا، فضلا عن أن يكون تجديدا في الفكر، أو حياة له وفيه.

ثالثا:

إن القرآن حين تحدث عن مقولات هؤلاء فإنما تحدث عنها في سياق الرد عليها، وتهجينها فلم يكتف بمجرد إثارتها ولا تركها معلقة في الهواء، لتتغلغل وتستحكم في نفوس الناس الذين لا يملكون من أسباب المعرفة ما يمكنهم من محاكمتها بدقة ووعي وعمق.

6 ـ يقول البعض: إن مسؤولية العالم أن يظهر علمه إذا ظهرت البدع في داخل الواقع الإسلامي وخارجه، وإذا لم يفعل ذلك "فعليه لعنة الله" كما يقول النبي (ص)، والله تعالى قال: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، من بعد ما بيناه للناس، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}(1).

ونقول:

إننا عملا بهذه المقولة بالذات، قد ألزمنا أنفسنا في كل حياتنا العلمية بالتصدي العلمي لأي تساؤل يثار في داخل الواقع الإسلامي وخارجه، إذا كان يمثل إدخالا لشئ جديد في تراثنا الفكري، أو في الدين الحنيف، أو في المذهب الحق الذي حقق حقائقه رموز الإسلام، ورواد التشيع الأصيل، وأساطين العلم وجهابذته، بالأدلة الواضحة والبراهين اللائحة.

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: 159. (*)


/ صفحة 14 /

7 ـ قد يجعل بعض الناس دعواه هي نفسها دليله القاطع عليها، فليتأمل المتأمل في ذلك، وليلتفت إليه.

8 ـ إذا كان ثمة من يحاول هدم الأدلة التي أقامها العلماء على قضية عقيدية أو غيرها، فبقطع النظر عن فشله أو نجاحه في ذلك، فإنه حين لا يقدم الدليل البديل، فإنه يكون بذلك قد قرر التخلي عن تلك العقيدة التي زعم أنه هدم دليلها، حيث لا يمكنه أن يلتزم بعقيدة ليس له دليل عليها، إلا إذا كان مقلدا في الأمور العقائدية، وهو أمر غير مقبول من أحد من الناس.

9 ـ وقد يقول البعض: إنه ليس من حق أحد أن ينصحه، بأن لا يطرح على الناس العاديين بعض آرائه وتساؤلاته حول الأمور العقيدية، والإيمانية، والتاريخية التي يخالف فيها ما أجمع عليه علماء المذهب، ورموزه وجهابذته، حتى لو كانت هذه النصيحة تهدف إلى صيانته عن الوقوع في المحذور الكبير إذا كان ما سيطرحه يمثل خروجا خطيرا، يفرض على العلماء الذين يحرم عليهم كتمان العلم والبينات مواجهته بالدليل القاطع، وبالحجة البالغة، وبالأسلوب المماثل، بل بأي أسلوب مشروع يجدي في التوضيح والتصحيح.

هذا عدا عن أنه يستتبع أيضا أمورا خطيرة فيما يرتبط بآثار هذه المخالفات وتبعاتها، وما يفرضه على الآخرين من طريقة تعامل معه، وأسلوب التعرض لتساؤلاته وآرائه وطروحاته.

10 ـ ويقول أيضا: "يخاف البعض أن يؤدي طرح المسائل الفكرية والعقائدية إلى مس أفكار متوارثة قد تكون صحيحة، وقد لا تكون".


/ صفحة 15 /

ثم يتوجه إلى الناس بقوله: "لا تبيعوا عقولكم لأحد، ولا تبقوا على جمودكم على غرار ما ذكرته الآية الكريمة: {إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون}(1)، لأن كل جيل يجب أن ينفتح على الحقيقة وفق ما عقله، وفكر به ".

ثم يستدل على لزوم طرح أفكاره وتساؤلاته بحديث: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلا فعليه لعنة الله، وبالآية الكريمة المتقدمة {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...} الخ...

ونقول:

إننا لا ندري ما هو المبرر لهذا التصريح الخطير الذي ضمنه اتهاما بأن بعض أفكار وعقائد مذهبنا الحق قد لا تكون صحيحة!!

وما كنا نظن أن اتباع هذا المذهب يتوارثون أفكارهم وعقائدهم من دون دليل وحجة، وإنما لمجرد التقليد الأعمى غير المقبول ولا المعقول!! ولم نكن نحسب أن أتباع هذا المذهب قد أصبحوا موردا لقوله تعالى: إنا وجدنا آبائنا على أمة الخ..!!

والأدهى من ذلك كله: تصنيف عقائدنا (المتوارثة!!) على حد تعبيره في عداد البدع التي ظهرت. فاحتاج إلى إظهار علمه انطلاقا من حديث: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه!!

11 ـ وربما يلجأ البعض إلى إظهار أية معالجة علمية للمقولات التي تصدر عنه، على أنها تتصل بدوافع شخصية، ثم تبدأ التحليلات،

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزخرف: 13. (*)


/ صفحة 16 /

والتكهنات، وتصاغ التهم، فينشغل الناس بها، وينسوا ما وراء ذلك.

ونحن لا نريد أن نفرض على أحد أن يحسن ظنه بأي كان، وإن كنا نعتقد: أن إحسان الظن ـ خصوصا ـ على المستوى العلمي هو ما تدعو إليه الأخوة الإسلامية والإيمانية.

ولكننا نذكر المشتغلين بالشأن العلمي بأمر يوجبه الله سبحانه وتعالى على الجميع، وهو أن عليهم أن ينأوا بأنفسهم على التكهنات، والتهم والرجم بالغيب، مع ما يتضمن ذلك من تعد على كرامات الناس من دون إثبات له بالطرق الشرعية. وهذا التعدي مرفوض، ويعد مخالفة لأحكام الشرع والدين، وللضمير والوجدان.

ثم إننا نذكر أيضا بأمرين:

أحدهما: إن هذا النوع من الفهم للأمور، لا يقلل من قيمة الطرح العلمي أو الفكري الذي تقدمه تلك المعالجة، التي ربما يراد حجب تأثيرها بأساليب كهذه، بل تبقى الروح العلمية، ومتانة الدليل هي المعيار والميزان في الرد أو في القبول، إذا اقتضى الأمر أيا من هذين الأمرين في أي مسألة من المسائل التي هي في صلب اهتماماتنا، وتقع في سلم الأولويات عندنا.

الثاني: إننا قد لا نجد مبررا لإساءة الظن هذه، لأن المعابير الشرعية هي التي يجب أن تحكم أي موقف أو سلوك، لا سيما إذا كانت العلاقة فيما بين طرفي الحوار حميمة وسليمة على مدى حين طويل من الدهر، لولا هذه المعارضة للأفكار، يريد أن يروج لها، ويستظهر بها، وينتصر لها بقوة وبحماس، فحرك الطرف الآخر شعوره بالمسؤولية العلمية أو الشرعية لبيان ما يراه حقا وصدقا، ولا حرج ولا غضاضة في ذلك، بل إنه لو لم يفعل ذلك لكان للريب في صلاحه


/ صفحة 17 /

واستقامته مجال ومبرر، مقبول ومعقول.

12 ـ يقول البعض: إن ما يصدر عنه من مقولات هو مجرد اجتهاد، ويحق لكل أحد أن يمارس الاجتهاد، ويخالف الآخرين في آرائهم..

ونقول:

لا حرج في أن يجتهد فلان من الناس، ويخالف الآخرين في آرائهم أو يوافقهم.. إذا كان الأمر يقتصر عليه هو، وينحصر به، ويمثل عقيدة شخصية له، لا تتعداه إلى غيره.

أما إذا كان هذا الشخص يريد أن ينشر بين الناس اجتهاده المخالف لثوابت المذهب التي قامت عليها، البراهين القاطعة، ودلت عليها النصوص الصريحة والصحيحة والمتواترة، فيدعوا الناس إلى مقالاته المخالفة لها، فالموقف منه لا بد أن يختلف عن الموقف من ذاك، حيث لا بد من التصدي له، وتحصين الناس عن الانسياق معه، في أفكاره التي تخالف حقائق الدين وثوابته التي حققها رموز المذهب وأعلامه، ولا بد من وضع النقاط على الحروف، وتوضيح التفاوت والاختلاف فيها بينه وبينهم.

ويتأكد لزوم مواجهة طروحاته حين نجده يقدمها للناس بعنوان أنها هي الفكر المنسجم مع ما تسالم عليه علماؤنا تحت شعار التجديد والعصرنة، ولا يعترف أبدا بأنها تختلف مع كثير من الحقائق الثابتة في النواحي العقيدية والإيمانية، الأمر الذي لا ينسجم مع الأمانة الفكرية ولا مع خلقية الإنسان الناقل والناقد.

13 ـ قد يلاحظ على البعض إيغاله في الاعتماد على عقله،


/ صفحة 18 /

وفي إعطائه الدور الرئيس، والقرار الحاسم، حتى في أمور ليس للعقل القدرة على الانطلاق في رحابها، بل ربما جعل من عقله هذا معيارا ومقياسا، مدعيا أنه يدرك علل الأحكام، فيعرض النصوص عليه، فإن أدرك مغزاها، وانسجم مع محتواها قبلها ورضيها، وإلا فلا يرى في رفضها، والحكم عليها بالوضع والدس أي حرج أو جناح.

ونوضح ذلك في ضمن فرضيتين يظهر منهما موضع الخلل:

إحداهما: إن ظاهر النص قد يتناقض مع حكم العقل، تناقضا ظاهرا وصريحا في أمر هو من شؤون العقل، ويكون للعقل فيه مجال، وله عليه إشراف. ففي هذه الحالة لا بد من تأويل النص بما يتوافق مع العقل، وينسجم مع قواعد التعبير.

فإن لم يمكن ذلك فلا بد من رده، ورفضه، وهذه الفرضية هي الصحيحة والمقبولة لدى العلماء.

الثانية: إن يعجز عقل الفرد عن إدراك وجه الحكمة أو العلة في ما تحدث عنه النص، كما لو تحدث النص عن أن المرأة الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، أو تحدث عن أن الله سبحانه سيرجع في آخر الزمان أناسا من الأولياء، وأناسا من الأشقياء، فينال الأولياء الكرامة والزلفى، ويعاقب الأشقياء ببعض ما اقترفوه، ويشفي بذلك صدور المؤمنين.

فإذا عجز عقله عن تفسير ذلك الحكم، أو هذا الحدث الذي أخبر عنه النص، رأيته يبادر إلى رفضه، أو يطالب بتأويله، ويقول: إن المراد هو رجعة الدولة والنفوذ مثلا.

مع أنه لا مورد لذلك الرفض، ولا لتلك المطالبة بالتأويل.


/ صفحة 19 /

إذ ليس من المفترض أن يدرك عقل هذا الشخص جميع العلل والحكم لكل ما صدر أو يصدر عن الله سبحانه.

كما أنه إذا لم يستطع عقله أن يدرك بعض الأمور والأسرار اليوم، فقد يدرك ذلك غدا، بل قد لا يتمكن الآن أحدا من إدراكها، ثم تدركها أجيال سوف تأتي بعد مئات السنين، كما هو الحال بالنسبة لكثير مما تحدث عنه القرآن من أسرار الكون والحياة التي عرفنا بعضها في هذا القرن.

وحتى لو لم ندرك ذلك، وبقي في دائرة من استأثر الله لنفسه بمعرفته، وربما علمه أنبياءه وأولياءه، فما هو الإشكال في ذلك؟!

ويبدو لنا أن الاسراف في تقديس العقل، باعتباره هو مصدر المعرفة الأوحد، وجعله مقياسا لرد أو قبول النصوص حتى في هذه الفرضية الأخيرة ـ إن ذلك ـ مأخوذ من المعتزلة، وقد كان هو الداء الدوي لهم، ومن أسباب انحسار تيارهم، وخمود نارهم في العصور السالفة.

وما هو التاريخ يعيد نفسه، حيث نشهد العودة إلى نفس مقولتهم، التي أثبت الدليل بطلانها، كما عادت مقولات أخرى أكل الدهر عليها وشرب لتطلع رأسها من خبايا التاريخ وزواياه، لتطرح من جديد باسم التجديد، تارة، وباسم العصرنة والفكر الجديد أخرى، والله هو الذي يبدئ ويعيد، وهو الفعال لما يريد.

14 ـ قد يحاول البعض أن يدعي: أن السبب في نقد أفكار هذا الشخص أو ذاك هو إرادة إثارة الأجواء ضده، لأنه يحتل موقعا متميزا، فتحركت العصبيات في هذا الاتجاه أو ذاك، بهدف إسقاطه..


/ صفحة 20 /

ونقول:

أولا:

إن من الواضح: أن الكثيرين ممن أعلنوا رفضهم لتلك الأقاويل ويناقشونها لا يعيشون فكرة أو هاجس "المقامات، والعناوين"، حتى ولو كان هو عنوان أو فكرة المرجعية بالذات، ولا يقع ذلك كله في دائرة اهتماماتهم.

ثانيا: إننا قد نجد أن أصحاب تلك الأقاويل المتهمة نفسها هم الذين يبادرون إلى طرح الأمور المثيرة، ويعيشون هاجس نشر طروحاتهم بكل الوسائل، ويرفعون من مستوى التوتر والحماس تارة، ويخفضونه أخرى. وقد أثبتت الوقائع ذلك.

ثالثا: عدا عن ذلك كله، فإن المعيار والميزان في الفكرة المطروحة هو عناصر الاقناع فيها، وحظها في ميزان الخطأ والصواب، ومدى قربها وبعدها عن حقائق الدين والمذهب.

وليس لأحد أن يدعي علم الغيب بما في ضمائر الناس، وحقيقة دوافعهم، فلتكن دوافعهم هذه أو تلك، فإن ذلك لا يؤثر في تصحيح أو تخطئة الفكرة، ولا يقلل أو يزيد من خطورتها.

15 ـ ما زلنا نسمع البعض يطرح مسائل في مجالات مختلفة، لا تلتقي مع ما قرره العلماء، ولا تنسجم مع كثير مما تسالموا عليه استنادا إلى ما توفر لديهم من أدلة قاطعة تستند إلى قطعي العقل، أو صريح النقل أو ظاهره..

وقد بذلت محاولة تهدف إلى بحث هذه الأمور مع نفس أولئك الذين بادروا إلى إثارتها، وطلب منهم في أكثر من رسالة، وعبر أزيد من رسول الدخول في حوار علمي مكتوب وصريح، توضع فيه


/ صفحة 21 /

النقاط على الحروف، ويميز فيه الحق من الباطل بالدليل القاطع وبالحجة الدامغة.

وذلك على أمل أن يؤدي ذلك لو حصل إلى أن تجنب الساحة سلبيات إعلانهم المستمر بما لا يحسن الاعلان به، قبل التثبت واليقين، وسد جميع الثغرات فيه.

ولكن ـ للأسف الشديد ـ قد جاءنا الجواب منهم برفض الحوار، إلا أن يكون ذلك بين جدران أربع، وخلف الأبواب، وهذا ما يسمونه بالحوار!!

لقد أبوا أن يكتبوا لنا ولو كلمة واحدة تفيد في وضع النقاط على الحروف، متذرعين بعدم توفر الوقت لديهم، للكتابة، رغم أنهم قد كتبوا وما زالوا يكتبون حتى هذه المسائل بالذات، ويوزعون ذلك في أكثر من اتجاه، لأناس بأعيانهم تارة، وللناس عامة أخرى... وفي مقالاتهم، وخطاباتهم، ومحاضراتهم عبر وسائل الإعلام المختلفة ثالثة.

وحين لمسوا منا الإصرار على موقفنا، لم يتحرجوا من العودة إلى قواميسهم ليتحفونا بما راق لهم منها، مما له لون، وطعم، ورائحة، من قواذع القول، وعوار الكلم، وتوجيه سهام الاتهام.

وكأن طلبنا للحوار العلمي كان كفرا بالله العظيم. أو ربما أقبح لو كان ثمة ما هو أقبح.

ولعل أيسر ما سمعناه وأخفه وأهونه هو أننا نتحرك بالغرائز، أو نعاني من التخلف والعقد، والوقوع تحت تأثير هذا وذاك، هذا عدا

عن وصفنا بالذهنية الايرانية، وبالتعصب. وهذه هي التهمة المحببة إلينا، لأننا إنما نتعصب للحق، وندافع عنه، وهو أمر ممدوح ومرضي عند الله


/ صفحة 22 /

ورسله، وعند أوليائه وأصفيائه صلوات الله عليهم أجمعين.

هذا، مع العلم: أننا كنا وما زلنا إلى ما قبل أشهر يسيرة من تاريخ كتابة هذه الكلمات من خير الأحباب والأصحاب لهم ومعهم، ولم يعكر صفو هذه المحبة والمودة إلا أننا اكتشفنا في هذه الآونة الأخيرة ما رأينا أن تكليفنا الشرعي يفرض علينا أن نطلب منهم الحوار العلمي الهادئ والرصين لحل معضلته.

16 ـ إن هذا الكتاب الماثل أمام القارئ الكريم يقدم قدرا كبيرا من النصوص المأخوذة من عشرات بل مئات المصادر، رغم أنه أنجز في أشهر لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهي مدة قصيرة، لا تسمح بكثير من التنقيب والتقصي، لا سيما مع وجود كثير من الصوارف عن القيام بأدنى جهد في الأيام ذات العدد، خلال تلك المدة.

ونجدنا بحاجة إلى تذكير القارئ الكريم، بأن المصادر الموضوعة في هوامش الكتاب كانت كثيرة إلى درجة بتنا نخشى معها أن نكون قد وقعنا في أخطاء في أرقام الأجزاء والصفحات، كما أننا أخذنا في موارد كثيرة من طبعات عدة للكتاب الواحد فليلاحظ ذلك..

هذا.. وإن اهتمامنا بالمصادر ـ كما هو ديدننا ـ يأتي على قاعدة وضع القارئ أمام أدق جزئيات الحدث وتفاصيله ليكون هو الذي يوازن، ويفكر، ثم يستنتج ويقرر، من خلال تشبثه بأسباب المعرفة، وإشرافه المباشر على الأمور المطروحة، واطلاعه على ما لها

من مناخات وظروف وأحوال، لتكون نظرته إلى الأمور ـ من ثم تتسم بالدقة، والعمق، ومن منطلق الوعي والإحاطة، وتمتاز بالأصالة والثبات. 


/ صفحة 23 /

وهذه الطريقة قد لا يستسيغها بعص الناس، الذين قد تقرأ لهم مئات بل آلاف الصفحات، فتجدهم يستغرقون بالإنشائيات، التي تعتمد على الكلمة الرنانة، وعلى الدعاوى العريضة، من دون أن يوثق ذلك بالنص الصريح، أو أن يفتح لك آفاق المعرفة المباشرة والشاملة، إلا نزرا يسيرا مما يتداوله عامة الناس أو خصوص ما يؤيد فكرته منها!!

إنه يكتم عنك الكثير مما يرى أن من المصلحة أن لا تهتدي إليه، أو أن تطلع عليه، وإن أردت شيئا من ذلك فلن تجد في نفسك معطيات التفكير فيه، حيث لن تملك من وسائله شيئا، ولن يجعلك ـ إن استطاع ـ تحصل على شئ يمكنك أن تمسك به، وتطبق يدك عليه.

إنه يريد منك أن تقرأ ثقافته هو، وتجربته كفرد، وتهوم في آفاقه، وتتلمس آلامه، وآماله، وأحلامه، وحتى تخيلاته وأوهامه، وليس ثمة شئ وراء ذلك إلا السراب، والسراب فقط.

17 ـ وبعد، إننا نأسف كل الأسف إذا قلنا: إن هذا الكتاب لم يقدر له أن يعالج موضوعا محددا له بداية ونهاية، وعناصر لها ما يجمع بين متفرقاتها، ويؤلف بين مختلفاتها، بل هو يعالج شتاتا من المسائل المختلفة، استخدمها البعض للتشكيك في أحداث جرت على الزهراء(ع)، أو أثارها في مناسبة الحديث عنها(ع)، لسبب أو لآخر.


/ صفحة 24 /

النقاط المعادة :

ومن النقاط التي ذكرناها في مقال سابق، ونشرناها، نختار ما يلي:

1 ـ إن طرح الأحاديث المتشابهة، أو التي يصعب فهمها على الناس، ثم الإصرار على الاستمرار في هذا الطرح، من دون تقديم التفسير المعقول والمقبول، ليس بالأمر المرضي، ولا هو محمود العواقب، خصوصا إذا كان ذلك من قبل أناس يتوقع الناس منهم حل المشكلات، وتوضيح المبهمات.

وعلى الأخص إذا كانت هذه الأحاديث، أو القضايا المشكلة لا تطرح على أهل الاختصاص من أهل الفكر، وإنما على الناس السذج والبسطاء، بمن فيهم الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والعالم والجاهل. وذلك عبر وسائل الإعلام العامة، وفي الهواء الطلق.

2 ـ إن إثارة المسائل الحساسة، وطرح التساؤلات على أولئك الذين لا يملكون من أسباب المعرفة ما يمكنهم من حل العقدة بصورة سليمة وقويمة. ومن دون تقديم إجابات كافية، أو حتى من دون إجابات أصلا، إن ذلك يفرض على العلماء المخلصين أن يبادروا إلى رفع النقيصة، وسد الثغرات، وتقديم الأجوبة الصحيحة، بكل ما يتوافر لديهم من وسائل، لئلا يقع الناس الأبرياء الغافلون في الخطأ الكبير والخطير.

مع الحرص الأكيد على الاقتصار على نقد الفكرة، ودون أن تصدر أية إساءة، أو تجريح شخصي، أو انتقاص لأي كان من الناس.


/ صفحة 25 /

وإنما مع حفظ الكرامة والسؤدد، وبالأسلوب العلمي المهذب والرصين.

مع التذكير والإلماح إلى أن تبعة إثارة هذا المواضيع تقع على عائق مثيرها الأول. لا على الذين تصدوا للتصحيح والتوضيح.

وليس من الإنصاف أن تثار هذه الأمور في الهواء الطلق، ثم يطلب من الآخرين أن يسكتوا عن التعرض لها، إلا في الخفاء، وبين جدران أربع، وخلف أبواب مغلقة أو مفتوحة، فإن طلبا كهذا لا بد أن يفهم على أنه أمر بالسكوت، بصورة جبرية، بل هو ابتزاز وحصر لحق الكلام بصاحب السيادة أو السماحة دون سواه.

3 ـ إنه لا مجاملة في قضايا الدين والعقيدة، فلا يتوقعن ذلك أحد من أي كان من الناس، حتى لو كان قريبا وحبيبا، ومهما كان موقعه ودوره، فإن الحق والدين فوق كل الاعتبارات.

4 ـ إن قضايا الدين والعقيدة ليست حكرا على فريق بعينه، بل هي تعني كل الناس على اختلاف حالاتهم ومستوياتهم، فمن حق كل أحد أن يظهر حساسية تجاه أي مقولة تمس هذه القضايا، ولا بد أن يلاحق ذلك باهتمام بالغ ومسؤول، ليحدد موقفه. ولكن ضمن حدود الاتزان، وبالأسلوب العلمي الموضوعي والرصين والمسؤول.

ويتأكد هذا الأمر إذا عرفنا:

أ ـ إن قضايا العقيدة لا يجوز التقليد فيها، بل لا بد لكل فرد من الناس أن يلتمس الدليل المقنع والمقبول.. فليست مسائل العقيدة على حد مسائل الفقه التي يرجع فيها الجاهل إلى العالم ليأخذ الفتوى. استنادا إلى الأدلة العامة على لزوم التقليد.


/ صفحة 26 /

وليس من الجائز منع الناس من التعرض لمثل هذه القضايا، ولا يصح أن يطلب منهم مجرد الأخذ الأعمى لها، وتقليد الآباء والأجداد، أو هذا العالم أو ذاك بها. كما لا يصح، بل لا يجوز استغلال غفلتهم، وطهرهم وعرض هذه القضايا لهم بصورة ناقصة، وغير متوازنة، فإن ذلك لا يتوافق مع الأمانة العلمية والشرعية التي لا بد من مراعاتها.

ب ـ إن تحسس الناس لقضايا الدين والعقيدة، ومتابعتهم لها بحيوية وحماس لهو من علامات العافية، ودلائل السلامة، ومن المفترض تشجيعه وتنميته فضلا عن لزوم الحفاظ عليه.

ولا يصح مهاجمته، ومواجهته بالاتهامات الكبيرة، والخطيرة، بهدف كبته والقضاء عليه، بل اللازم هو تأكيده، وتحصينه، وتوجيهه بصورة قويمة وسليمة، لتصبح تلك العقيدة أكثر رسوخا، وأعمق تأثيرا في السلوك وفي الموقف، لا سيما في مواجهة التحديات.

5 ـ إن العلوم الإسلامية كثيرة، وفيها سعة وشمولية ظاهرة، بالإضافة إلى أنها بالغة الدقة في كثير من تفاصيلها، فلا غضاضة على العالم أن يتريث في الإجابة على كثير من الأسئلة التي توجه إليه في كافة العلوم، إذ ليس بمقدوره الإجابة على جميع الأسئلة، إلا أن يكون في مستوى الأنبياء والأئمة. وقد قيل: رحم الله امرءا عرف حده فوقف عنده.

فإذا كان المسؤول لم ينجز بحث تلك المسائل وتحقيقها، ودراستها بصورة دقيقة ووافية، تمكنه بعد ذلك من أن يعرضها على الناس بدقة وشمولية فليس له أن يصدر فيها أحكاما قاطعة. ولا يجوز له أن يتصدى للإجابة عنها، وإن كان لا بد من ذلك، فعليه أن يلتزم


/ صفحة 27 /

حدود العرض والبراءة من العهدة، وتقديم العذر بعدم التوفر على دراستها وتمحيصها.

ولا غضاضة عليه لو اكتفى بعرض ما توافق عليه أعاظم علماء المذهب وأساطينه، من دون التفات إلى ما تفرد به هذا العالم أو ذاك، حيث لا يمكن التزام الشاذ، وترك المشهور والمنصور.

أما أن يثير كل ما يخطر على باله، أو يجيب على كل سؤال بطريقة تشكيكية، تحقق له الهروب(1)، وتوحي للناس بأنه عالم بكل تفاصيل القضايا، وبأنه يثير التساؤلات حولها من موقع الخبرة، والمسؤولية، والاطلاع الدقيق، والفكر العميق، مع أنه ربما لم يطلع على النص أصلا، فضلا عن أن يكون قد درسه أو حقق فيه ـ إن هذا الأسلوب ـ غير مقبول، وغير منطقي ولا معقول.

6 ـ إنه ليس من حق أحد أن يطلب من الناس أن يقتصروا في ما يثيرونه من قضايا على ما ورد عن النبي (ص) والأئمة (ع) بأسانيد صحيحة، وفق المعايير الرجالية في توثيق رجال السند... لأن ذلك معناه أن يسكت الناس كلهم عن الحديث في جل القضايا والمسائل، دينية كانت أو تاريخية أو غيرها.

بل إن هذا الذي يطلب ذلك من الناس، لو أراد هو أن يقتصر في كلامه على خصوص القضايا التي وردت بأسانيد صحيحة عن المعصومين، فسيجد نفسه مضطرا إلى السكوت، والجلوس في بيته، لأنه لن يجد إلا النزر اليسير الذي سيستنفده خلال أيام أو أقل من ذلك.

ــــــــــــــــــــ

(1) كقوله: إذا سئل عن أمر ورد في نص: هذا غير ثابت. أو صحة الرواية غير معلومة. أو يوجد أحاديث لم تثبت صحتها. (*)


/ صفحة 28 /

على أننا نقول، وهو أيضا يقول: إن ثبوت القضايا لا يتوقف على توفر سند صحيح لها برواية عن المعصومين، فثمة قرائن أخرى تقوي من درجة الاعتماد أحيانا، ككون الرواية الضعيفة قد عمل بها المشهور، واستندوا إليها مع وجود ذات السند الصحيح أمام أعينهم، ثم لم يلتفتوا إليها وكذا لو كان النص يمثل إقرارا من فاسق بأمر يدينه أو يناقض توجهاته، فإنه لا يصح أن يقال: إن هذا فاسق فلا يقبل قوله.

وعلى هذا، فلا بد من ملاحظة القرائن المختلفة في قضايا الفقه، والأصول، والعقيدة والتاريخ وغيرها من قبل أهل الاختصاص، حيث يستفيدون منها في تقوية الضعيف سندا، أو تضعيف القوي، بحسب الموارد وتوفر الشواهد.

7 ـ إنه ليس أسهل على الناس من أن يقف موقف المشكك والنافي للثبوت، والمتملص من الالتزام بالقضايا، والهروب من تحمل مسؤولياتها. وليس ذلك دليل علمية ولا يشير إلى عالمية في شئ.

والعالم المتبحر، والناقد، والمحقق هو الذي يبذل جهده في تأصيل الأصول، وتأكيد الحقائق. وإثبات الثابت منها، وإبعاد المزيف.

8 ـ إن نسبة أي قول إلى فئة أو طائفة، إنما تصح إذا كان ذلك القول هو ما ذهب إليه، وصرح به رموزها الكبار، وعلماؤها على مر الأعصار، أو أكثرهم، وعليه استقرت آراؤهم، وعقدوا عليه قلوبهم.

ويعلم ذلك بالمراجعة إلى مجاميعهم، ومؤلفاتهم، وكتب عقائدهم، وتواريخهم.

أما لو كان ثمة شخص، أو حتى أشخاص من طائفة، قد شذوا في بعض آرائهم، فلا يصح نسبة ما شذوا به إلى الطائفة بأسرها، أو


/ صفحة 29 /

إلى فقهائها، وعلمائها. فكيف إذا كان هؤلاء الذين شذوا بأقوالهم من غير الطليعة المعترف بها في تحقيق مسائل المذهب.

وكذا الحال لو فهم بعض الناس قضية من القضايا بصورة خاطئة وغير واقعية ولا سليمة، فلا يصح نسبة هذا الفهم إلى الآخرين بطريقة التعميم، لكي تبدأ عملية التشنيع بالكلام الملمع والمزوق والمرصع والمنمق، مع تضخيم له وتعظيم، وتبجيل وتفخيم، يؤدي إلى احتقار علماء المذهب وتسخيف عقولهم، بلا مبرر أو سبب. ثم هو يقدم البديل الذي أعده ومهد له بالكلام المعسول مهما كان ذلك البديل ضعيفا وهزيلا.

9 ـ إن طرح القضايا التي يطلب فيها الوضوح، على الناس العاديين بأساليب غائمة، وإن كان ربما يسهل على من يفعل ذلك التخلص والتملص من تبعة طروحاته إلى حد ما..

ولكنه لا يعفيه من مسؤولية تلقي الناس العاديين للفكرة على أنها هي كل الحقيقة، وهي الرأي الصواب الناشئ عن البحث والدراسة، وما عداه خطأ.

نعم، لا يعفيه من مسؤولية ذلك، ما دام أن الكل يعلم: أن الناس يفهمون الأمور ببساطة، فلا يلتفتون إلى كلمة: ربما، لعل، لنا أن نتصور، يمكن أن نفهم، نستوحي، علينا أن ندرس، وما إلى ذلك..

وبعد..

فإننا نحترم ونقدر جهور العاملين والمخلصين، وندعو لهم بالتوفيق والتسديد، ونشكر كل الأخوة العاملين المخلصين الذين بذلوا جهدا في سبيل إنجاح هذا الكتاب، وأخص منهم بالذكر الأخ العلامة


/ صفحة 30 /

الجليل الشيخ رضوان شرارة، فشكر الله سعي الجميع، وحفظهم ورعاهم. ووفقنا وإياهم لسداد الرأي، وخلوص العمل. وهو ولينا، وهو الهادي إلى الرشاد والسداد.


الباب الأول
الزهراء (ع) ومأساتها

الفصل الأول
الزهراء (ع) مقامها وعصمتها

/ صفحة 35 /

بداية وتوطئة:

سنبدأ حديثنا في هذا الفصل عن تاريخ ميلاد الزهراء(ع) لأن البعض يحاول أن يتحاشى، بل يأبى الالزام أو الالتزام بما ورد عن النبي الكريم (ص)، وعن الأئمة الطاهرين عليهم السلام، من أنها(ع) قد ولدت من ثمر الجنة بعد الإسراء والمعراج، أو يحاول تحاشي الالتزام بأنها عليها السلام قد تزوجت من علي(ع) في سن مبكر، لأنه يشعر بدرجة من الاحراج على مستوى الاقناع، يؤثر أن لا يعرض نفسه له.. وقد لا يكون هذا ولا ذاك، بل ربما أمر آخر، هو الذي يدعوه إلى اتخاذ هذا الموقف والله هو العالم بحقائق الأمور، والمطلع على ما في الصدور.

ثم نتحدث بعد ذلك، عن أمور لها ارتباط قريب بشأن عصمة الأنبياء، والأوصياء، والأولياء عليهم السلام لا سيما عصمة الصديقة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليها.

وسيكون حديثنا هذا عن العصمة مدخلا مقبولا وتمهيدا لعرض بعض الحديث عن منازل الكرامة، ودرجات القرب والزلفى لسيدة نساء العالمين عليها الصلاة والسلام، في ظل الرعاية الربانية، والتربية الإلهية، دون أن نهمل الإشارة إلى موضوع ارتباطها بالغيب، الذي تمثل بما حباها الله سبحانه وتعالى به من صفات وخصوصيات


/ صفحة 36 /

وكرامات ميزتها عن سائر نساء العالمين. فكانت المرأة التي تحتفل السما ء قبل الأرض بزواجها من علي عليه الصلاة والسلام، وكانت أيضا المرأة الطاهرة المطهرة عن كل رجس ودنس ونقص، حتى لقد نزهها الله عما يعتري النساء عادة من حالات خاصة بهن دون أن يكون لذلك أي تأثير سلبي على شخصيتها فيما يرتبط بشأن الحمل، والولادة.

ثم إننا: قبل أن نخرج من دائرة كراماتها الجلي، وميزاتها وصفاتها الفضلى، كانت لنا إلمامة سريعة بما حباها الله به من علم متصل بالغيب، أتحفها الله به بواسطة ملك كريم كان يحدثها ويسليها بعد وفاة أبيها، الأمر الذي أنتج كتابا هاما جدا، كان الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام يهتمون، به ويعتزون به، وكانوا يقرأون فيه، وينقلون عنه وهو ما عرف ب‍ "مصحف فاطمة" عليها السلام، بالإضافة إلى كتب أخرى اختصت بها صلوات الله وسلامه عليها.

إننا سنقرأ لمحات عن ذلك كله في هذا الفصل، مع توخي سلامة الاختيار ومراعاة الاختصار قدر الإمكان.. وبالله التوفيق، ومنه الهدى والرشاد.

متى ولدت الزهراء عليها السلام؟

إن أول ما يطالعنا في حياة الصديقة الطاهرة هو تاريخ ولادتها عليها السلام. حيث يدعي البعض أنها عليها السلام قد ولدت قبل البعثة بخمس سنوات؟!


/ صفحة 37 /

ونقول: إن ذلك غير صحيح.

والصحيح: هو ما عليه شيعة أهل البيت(ع)، تبعا لأئمتهم(ع)(1) ـ وأهل البيت أدرى بما فيه ـ وقد تابعهم عليه جماعة آخرون، وهو: أنها عليها السلام قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات، أي في سنة الهجرة إلى الحبشة، وقد توفيت وعمرها ثمانية عشر عاما. وقد روي ذلك عن أئمتنا(ع) بسند صحيح (2).

مضافا إلى هذا.

فمن الممكن الاستدلال على ذلك أو تأييده بما يلي:

1 ـ ما ذكره عدد من المؤرخين من أن جميع أولاد خديجة رحمها الله قد ولدوا بعد البعثة (3)، وفاطمة(ع) كانت أصغرهم.

2 ـ الروايات الكثيرة المروية عن عدد من الصحابة، مثل: عائشة وعمر بن الخطاب وسعد بن مالك وابن عباس وغيرهم، التي تدل على أن نطفتها عليها السلام قد انعقدت من ثمر الجنة، الذي

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع ضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 2 " مخطوط " وجامع الأصول لابن الأثير: ج 12 ص 9 و 10.

(2) البحار: ج 43 ص 101 عن الكافي بسند صحيح، وعن المصباح الكبير، ودلائل الإمامة ومصابح الكفعمي، والروضة، ومناقب ابن شهر آشوب، وكشف الغمة: ج 2 ص 75 وإثبات الوصية وراجع: ذخائر العقبى: ص 52 وراجع أيضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 278 عن كتاب تاريخ مواليد أهل البيت للإمام أحمد بن نصر بن عبد الله الدراع، وراجع: مروج الذهب ج 2 ص 289 وغير ذلك.

(3) راجع: البدء والتاريخ: ج 5 ص 16 والمواهب اللدنية: ج 1 ص 196 وتاريخ الخميس: ج 1 ص 272. (*)


/ صفحة 38 /

تناوله النبي (ص) حين الإسراء والمعراج(1)، الذي أثبتنا أنه قد حصل في أوائل البعثة (2).

وإذا كان في الناس من يناقش في أسانيد بعض هذه الروايات

ــــــــــــــــــــ

(1) تجد هذه الروايات في كتب الشيعة، مثل البحار: ج 43 ص 4 و 5 و 6 عن أمالي الصدوق، وعيون أخبار الرضا، ومعاني الأخبار، وعلل الشرائع، وتفسير القمي، والاحتجاج. وغير ذلك، وراجع: الأنوار النعمانية: ج 1 ص 80. وأي كتاب حديثي أو تاريخي تحدث عن تاريخ الزهراء (عليها السلام). وتجدها في كتب غيرهم، مثل: المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 156 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) نفس الجزء والصفحة، ونزل الأبرار: ص 88 والدر المنثور: ج 4 ص 153 وتاريخ بغداد: ج 5 ص 87 ومناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي: ص 357 وتاريخ الخميس: ج 1 ص 277 وذخائر العقبى: ص 36 ولسان الميزان: ج 1 ص 134 واللآلئ المصنوعة: ج 1 ص 392 والدرة اليتيمة في بعض فضائل السيدة العظيمة: ص 31. ونقله في إحقاق الحق (قسم الملحقات): ج 10 ص 1 ـ 10 عن بعض من تقدم وعن ميزان الاعتدال، والروض الفائق، ونزهة المجالس، ومجمع الزوائد، وكنز العمال، ومنتخب كنز العمال، ومحاضرة الأوائل، ومقتل الحسين للخوارزمي، ومفتاح النجاة، والمناقب لعبد الله الشافعي، وإعراب ثلاثين سورة، وأخبار الدول. وقد تحدث في كتاب ضياء العالمين: ج 4 ص 4 و 5 " مخطوط " عن هذا الأمر، وذكر طائفة كبيرة من المصادر الأخرى. وثمة مصادر أخرى ذكرناها حين الحديث حول الإسراء والمعراج في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص)، فراجع.

(2) راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص): ج 3 مبحث الإسراء والمعراج. (*)


/ صفحة 39 /

على طريقته الخاصة، فإن البعض الآخر منها لا مجال للنقاش فيه، حتى بناء على هذه الطريقة أيضا.

وأما ما يزعم من أن هذه الرواية لا تصح، لأن الزهراء قد ولدت قبل البعثة بخمس سنوات، فهو مصادرة على المطلوب، إذ أن هذه الروايات التي نحن بصدد الحديث عنها ـ وقد رويت بطرق مختلفة ـ أقوى شاهد على عدم صحة ذلك الزعم.

3 ـ قد روى النسائي: أنه لما خطب أبو بكر وعمر فاطمة(ع) ردهما النبي (ص) متعللا بصغر سنها(1).

فلو صح قولهم: إنها ولدت قبل البعثة بخمس سنوات، فإن عمرها حينما خطباها بعد الهجرة ـ كما هو مجمع عليه عند المؤرخين ـ يكون حوالي ثمانية عشر أو تسعة عشر سنة، فلا يقال لمن هي في مثل هذا السن: إنها صغيرة.

4 ـ قد روي: أن نساء قريش هجرن خديجة رحمها الله، فلما حملت بفاطمة كانت تحدثها من بطنها وتصبرها (2).

وقد يستبعد البعض حمل خديجة بفاطمة(ع) بعد البعثة بخمس سنوات، لأن عمر خديجة (رض) حينئذ كان لا يسمح بذلك.

ولكنه استبعاد في غير محله، إذ قد حققنا في كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسم) أن عمرها كان

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 228 بتحقيق المحمودي، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 393 (ط دار الأضواء) وتذكرة الخواص: ص 306 و 307، وضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 46 " مخطوط ".

(2) البحار: ج 43 ص 2. (*)


/ صفحة 40 /

حينئذ حوالي خمسين سنة، بل أقل من ذلك أيضا، على ما هو الأقوى، وإن اشتهر خلاف ذلك.

واحتمال أن يكون ذلك ـ أي ولادتها بعد سن اليأس ـ قد جاء على سبيل الكرامة لخديجة والرسول الله (ص) على غرار قوله تعالى: {أألد وأنا عجوز}".

غير وارد هنا، إذ لو كان الأمر كذلك لكان قد شاع وذاع، مع أننا لا نجد أية إشارة تدل على ذلك.

5 ـ ويدل على ذلك أيضا الأحاديث الكثيرة التي ذكرت سبب تسميتها بفاطمة، وبغير ذلك من أسماء، حيث تشير وتدل على أن هذه التسمية قد جاءت من السماء بأمر من الله عز وجل.

وهي روايات كثيرة موجودة في مختلف المصادر، فلتراجع ثمة(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: ينابيع المودة وكنز العمال: ج 6 ص 219 والمناقب لابن المغازلي: ص 221 و 229 وراجع كتاب ضياء العالمين "مخطوط": ج 4 ص 6 / 9 ففيه بسط وتتبع، والبحار: ج 43 ص 13 وفي هامشه عن علل الشرائع: ج 1 ص 178 وراجع: ذخائر العقبى: ص 26 وميزان الاعتدال: ج 2 ص 400 و ج 3 ص 439 ولسان الميزان: ج 3 ص 267 وطوالع الأنوار: ص 112 / 113 ط سنة 1395 ه‍ تبريز ايران، ومعرفة ما يجب لآل البيت النبوي، لأحمد بن علي المقريزي: ص 51 ط دار الإعتصام بيروت سنة 1392، والبتول الطاهرة لأحمد فهمي: ص 11 / 15. (*)


/ صفحة 41 /

مريم أفضل أم فاطمة عليهما السلام؟

قد يجب البعض عن سؤال: أيهما أفضل مريم بنت عمران(ع) أم فاطمة بنت محمد (ص) بقوله:

هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله، وإنما هو مجرد ترف فكري أحيانا، أو سخافة ورجعية وتخلف أحيانا أخرى. ثم يقول:

"وإذا كان لا خلاف بين مريم وفاطمة حول هذا الأمر، فلماذا نختلف نحن في ذلك؟ فلفاطمة فضلها، ولمريم فضلها، ولا مشكلة في ذلك".

أما نحن فنقول:

أولا: لا شك في أن الزهراء عليها السلام هي أفضل نساء العالمين، من الأولين والآخرين، أما مريم فهي سيدة نساء عالمها. وقد روي ذلك عن رسول الله (ص) نفسه، فضلا عما روي عن الأئمة عليهم السلام(1).

ويدل على أنها أفضل من مريم كونها سيدة نساء أهل الجنة،

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: ذخائر العقبى: ص 43 وسير أعلام النبلاء: ج 2 ص 126 والجوهرة: ص 17 والاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة): ج 4 ص 376 وتاريخ دمشق (ترجمة الإمام علي بتحقيق المحمودي ": ج 1 ص 247 ـ 248 والمجالس السنية: ج 5 ص 63 عن أمالي الصدوق والاستيعاب وشرح الأخبار: ج 3 ص 56 ومقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 79 ونظم درر السمطين: ص 178 و 179 ومعاني الأخبار: ص 107 وعلل الشرائع: ج 1 ص 182، والبحار: ج 43 ص 37 و ج 39 ص 278 و ج 37 ص 68، ومناقب ابن شهر آشوب. (*)


/ صفحة 42 /

ومريم من هؤلاء النسوة(1).

ويدل على أفضليتها أيضا، ما روي عن الصادق(ع): لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على ظهر الأرض من آدم ومن دونه (2).

وهذا الخبر يدل على أفضلية أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا.

ثانيا: إن سؤالنا عن الأفضلية لا يعني أننا نختلف في ذلك، بل هو استفهام لطلب المزيد من المعرفة بمقامات أولياء الله تعالى التي ورد الحث على طلب المزيد منها، لأنه يوجب مزيدا من المعرفة بالله تعالى.

ونحن لو اختلفنا في ذلك فليس هو خلاف الخصومة والعدوان، وإنما هو الخلاف في الرأي، الذي يأخذ بيدنا إلى تقصي الحقيقة وازدياد المعرفة، وتصحيح الخطأ والاشتباه لدى هذا الفريق أو ذلك.

ثالثا: إن علينا أن ندرك ـ كل بحسب قدرته ـ إن كل ما جاء في كتاب الله تعالى، وكل ما قاله رسول الله (ص) وأوصياؤه عليهم السلام، وأبلغونا إياه، وكل ما ذكر في كتاب الله العزيز، لا بد أن نعرفه بأدق تفاصيله إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، وهو علم له أهميته، وهو يضر من جهله، وينفع من علمه. ولا ينحصر ما ينفع علمه بما

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع الرسائل الاعتقادية: ص 459 عن صحيح البخاري: ج 5 ص 36 وعن الطرائف: ص 262 عن الجمع بين الصحاح الستة ومرآة الجنان: ج 1 ص 61 وضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 19 / 20 و 21.

(2) راجع الكافي: ج 1 ص 461 والبحار: ج 43 ص 10 و 107 وضياء العالمين "مخطوط": ج 2 ق 3 ص 11 عن عيون المعجزات: وص 48 عن كتاب الفردوس.(*)


/ صفحة 43 /

يرتبط بالأمور السياسية فقط، أو المالية، أو الاجتماعية، أو التنظيمية، والممارسة اليومية للعبادات أو ما إلى ذلك.

وذلك لأن للانسان حركة في صراط التكامل ينجزها باختياره وجده، وبعمله الدائب، وهو ينطلق في حركته هذه من إيمانه، ويرتكز إلى درجة يقينه، وهذا الإيمان وذلك اليقين لهما رافد من المعرفة بأسرار الحياة، ودقائقها، وبملكوت الله سبحانه، وبأسرار الخليقة، ومن المعرفة بالله سبحانه، وبصفاته وأنبيائه وأوليائه الذين اصطفاهم، وما لهم من مقامات وكرامات، وما نالوه من درجات القرب والرضا، وما أعده الله لهم من منازل الكرامة، كمعرفتنا بأن الله سبحانه هو الذي سمى فاطمة(1)، وهو الذي زوجها في السماء قبل الأرض (2)، وبأنها كانت تحدث أمها وهي في بطنها (3)، وغير ذلك.

وهذه المعرفة تزيد في صفاء الروح ورسوخ الإيمان، ومعرفة النفس الموصلة إلى معرفة الرب سبحانه.

ومن الواضح: أن مقامات الأنبياء والأوصياء والأولياء، ودرجات فضلهم قد سمت وتفاوتت بدرجات تفاوت معرفتهم بذلك كله.

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 43 ص 13 ح 7 عن علل الشرائع: ج 1 ص 178 ح 2.

(2) ذخائر العقبى: ص 31 وراجع كشف الغمة: ج 2 ص 98 وكنوز الحقائق للمناوي بهامش الجامع الصغير: ج 2 ص 75 والبحار: ج 43 ص 141 و 145.

(3) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد للقزويني: ص 39 والبحار: ج 43 ص 2 ونزهة المجالس: ج 2 ص 227 وضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 27. 38 "مخطوط".(*)


/ صفحة 44 /

غير أن بعض المعارف قد تحتاج إلى مقدمات تسهل علينا استيعابها، وتؤهلنا للاستفادة منها بالنحو المناسب، فتمس الحاجة إلى التدرج في طي مراحل في هذا السبيل، تماما كطالب الصف الأول، فإنه لا يستطيع عادة أن يستوعب ـ بالمستوى المطلوب ـ المادة التي تلقى على طلاب الصف الذي هو في مرحلة أعلى كالطالب الجامعي مثلا، بل لا بد له من طي مراحل تعده لفهم واستيعاب ذلك كله تمهيدا للانتفاع به.

وكلما قرب الإنسان من الله، زادت حاجته إلى معارف جديدة تتناسب مع موقعه القربى الجديد، واحتاج إلى المزيد من الصفاء، والطهر، وإلى صياغة مشاعره وأحاسيسه وانفعالاته، بل كل واقعه وفقا لهذه المستجدات.

وهذا شأن له أصالته وواقعيته ولا يتناسب مع مقولة: هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله.

وإذا كان الإمام الصادق عليه السلام لم يترفع عن الخوض في أمر كهذا، حين سئل عن هذا الموضوع فأجاب. فهل يصح منا نحن أن نترفع عن أمر تصدى للإجابة عنه الإمام(ع) دونما اضطرار، وهو الأسوة والقدوة؟!.

إذن.. نحن بحاجة لمعرفة ما لفاطمة(ع) من مقام علي وكرامة عند الله، ومعرفة ما لها من فضل على باقي الخلائق، وبحاجة إلى معرفة أنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وأنها أفضل من مريم(ع)، ومن كل من سواها، حتى لو كانت مريم(ع) سيدة نساء عالمها.


/ صفحة 45 /

إننا بحاجة إلى ذلك، لأنه يعمق ارتباطنا بفاطمة عليها السلام، ويدخل فاطمة إلى قلوبنا، ويمزجها بالروح وبالمشاعر وبالأحاسيس، ليزداد تفاعلنا مع ما تقول وما تفعل، ونحس بما تحس، ونشعر بما تشعر، ونحب من وما تحب، ونبغض من وما تبغض، ويؤلمنا ما يؤلمها ويفرحنا ما يفرحها، فيزيدنا ذلك خلوصا وطهرا وصفاء ونقاء، ومن ثم هو يزيد في معرفتنا بحقيقة ظالميها والمعتدين عليها، ويعرفنا حجم ما ارتكب في حقها، ومدى سوء ذلك وقبحه.

قيمة الزهراء عليها السلام:

قد يتساءل بعض الناس، ويقول: إن إشراك الزهراء(ع) في قضية المباهلة لا دلالة له على عظيم ما لها(ع) من قيمة وفضل، فإنه (ص) إنما جاء بأهل بيته(ع)، لأنهم أعز الخلق عليه، وأحبهم إليه، ليثبت أنه على استعداد للتضحية حتى بهؤلاء من أجل هذا الدين، ولا دلالة في هذا على شئ آخر.

ونقول في الجواب: لقد أشرك الله سبحانه الزهراء في قضية لها مساس ببقاء هذا الدين، وحقانيته، وهي تلامس جوهر الإيمان فيه إلى قيام الساعة، وذلك لأن ما يراد إثباته بالمباهلة هو بشرية عيسى عليه السلام، ونفي ألوهيته.

وقد خلد القرآن الكريم لها هذه المشاركة لكي يظهر أنها عليها السلام قد بلغت في كمالها وسؤددها وفضلها مبلغا عظيما، وبحيث جعلها الله سبحانه وتعالى بالإضافة إلى النبي والوصي والسبطين، وثيقة على صدق النبي (ص) فيما يقول، حيث إن الله سبحانه هو


/ صفحة 46 /

الذي أمر نبيه (ص) بالمباهلة بهؤلاء، ولم يكن ذلك في أساسه من تلقاء نفسه (ص).

إذن، لم يكن ذلك لأنهم عائلته، وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، بل لأن فاطمة صلوات الله وسلامه عليها، والنبي (ص) وعلي والحسنان عليهم السلام، كانوا ـ وهم كذلك ـ أعز ما في هذا الوجود، وأكرم المخلوقات على الله سبحانه، بحيث ظهر أنه تعالى يريد أن يفهم الناس جميعا أن التفريط بهؤلاء الصفوة الزاكية هو تفريط بكل شئ، ولا قيمة لأي شئ في هذا الوجود بدونهم، وهو ما أشير إليه في الحديث الشريف(1).

ثم إن إخراج أكثر من رجل وحصر عنصر المرأة بالزهراء عليها السلام في هذه القضية إنما يشير إلى أن أيا من النساء لم تكن لتداني الزهراء في المقام والسؤدد والكرامة عند الله سبحانه وتعالى فلا مجال لادعاء أي صفة يمكن أن تجعل لغيرها عليها السلام امتيازا وفضلا على سائر النساء.

فما يدعي لبعض نسائه (ص) ـ كعائشة ـ من مقام وفضل على نساء الأمة، لا يمكن أن يصح خصوصا مع ملاحظة ما صدر عنها بعد وفاة رسول الله (ص) من الخروج على الإمام أمير المؤمنين(ع)، والتصدي لحرب وصي رسول رب العالمين، مما تسبب بإزهاق عدد كبير جدا من الأرواح البريئة من أهل الإيمان والإسلام، فأطلع الشيطان قرنه من حيث أشار النبي (ص) وصدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم.

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع الكافي: ج 1 ص 179 و 198 والغيبة للنعماني: ص 139 و 138 وبصائر الدرجات: ص 488 و 489 وراجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص): ج 8 ص 359 عنهم. (*)


/ صفحة 47 /

إذن، فلا يصح اعتبار ما صدر عنها من معصية الله مسوغا لممارسة المرأة للعمل السياسي ـ كما ربما يدعي البعض ـ ولا يكون قرينة على رضى الإسلام بهذا الأمر، أو عدم رضاه.

أما ما صدر عن الزهراء(ع) فهو المعيار وهو الميزان لأنه كان في طاعة الله وهي المرأة المطهرة المعصومة التي يستدل بقولها وبفعلها على الحكم الشرعي، سياسيا كان أو غيره.

سيدة نساء العالمين:

من الواضح: أن التنظير، وإعطاء الضابطة الفكرية، أو إصدار الأحكام لا يعطي الحكم أو الفكرة أو الضابطة من الثبات والقوة و التجذر في النفوس ما يعطيه تجسيدها، وصيرورتها واقعا حيا ومتحركا، لأن الدليل العقلي أو الفطري مثلا قد يقنع الإنسان ويهيمن عليه، ولكن تجسد الفكرة يمنح الإنسان رضا بها، وثقة وسكونا إليها، على قاعدة: {قال: أو لم تؤمن. قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي}(1).

فالقناعة الفكرية والعقلية والعملية، التي تستند إلى البرهان والحجة القاطعة متوفرة وليس فيها أي خلل أو نقص، ولكن سكون النفس قد يحتاج إلى تجسيد الفكرة في الواقع الخارجي ليتلائم السكون النفسي ويتناغم مع تلك القناعة الفكرية والعقلية الراسخة، ليكونا معا الرافد الثر للمشاعر والأحاسيس.

وقد كانت الزهراء عليها السلام أول امرأة تجسدت فيها الأسوة

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: 260. (*)


/ صفحة 48 /

والنموذج والمثل الأعلى لكل نساء العالمين، بعد مسيرة طويلة للإنسانية، كمل فيها عدد من النساء حتى كانت فاطمة ذروة هذا الكمال. وكما تجسد الإنسان الكامل بآدم عليه السلام أولا ليكون واقعا حيا، يعيش إنسانيته بصورة متوازنة، لا عشوائية فيها، يعيشها بكل خصائصها وميزاتها، وبكل خلوصها وصفائها وطهرها، وبكل طاقاتها: فكرا، وعقلا، وأدبا، وحكمة، وتدبيرا، حتى كان أسوة وقدوة للبشر كلهم من حيث هو آدم النبي والانسان، لا آدم التراب من حيث هو تراب، بل التراب الذي أصبح إنسانا كاملا بما لهذه الكلمة من معنى.

واستمرت المسيرة نحو الكمال في الإنسانية، فكمل رجال أنبياء(ع) كثيرون، وكملت أيضا نساء، مثل آسية بنت مزاحم، ومريم، وخديجة(ع)، ثم بلغ الكمال أعلى الذرى في رسول الله صلى الله عليه وآله، الرجل، وفي الزهراء المرأة، ولم تستطع أهواء النفس وشهواتها، وكذلك الطموحات والغرائز وغير ذلك من مغريات وتحديات، بالإضافة إلى الضغوطات البيئية والاجتماعية وغيرها، ثم بغي وجبروت الطواغيت، لم يستطع ذلك كله أن يمنع الإنسان من أن يجسد إنسانيته، ويعيش حياة الإيمان، وحياة الكمال والسلام الشامل.

وكانت أسوة بني البشر وقدوتهم هذه النماذج الماثلة أمامهم التي استطاعت أن تقنع الإنسان بأن عليه أن يتحدى، وأن يواجه، وأن يقتحم، وأن باستطاعته أن ينتصر أيضا، ومثله الأعلى هم الأنبياء والأولياء بدءا من آدم، وانتهاء برسول الله (ص) وأهل بيته الطاهرين، فهو لا يتلقى الفكرة فقط، بل هو يرى الحركة والموقف في الرسول والوصي، والولي.


/ صفحة 49 /

ولأجل ذلك فهو لم يقتصر على الأمر والزجر كما في قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}(1)، بل تعداه ليقول: {ولكم في رسول الله أسوة حسنة}(2)، فهو يريه الحركة والموقف والصفاء والطهر متجسدا أمامه في النبي والوصي، وفي نسوة واجهتهن أعظم المحن والبلايا كامرأة فرعون، وفي الزهراء فاطمة(ع)، وحيث واجهتها أجواء الانحراف والشدة والظلم، وفي مريم بنت عمران التي واجهت ضغوط البيئة في أشد الأمور حساسية بالنسبة لجنس المرأة بصورة عامة.

النشاط الاجتماعي للزهراء عليها السلام:

قد يورد البعض ملاحظة ذات مغزى! تقول: "إننا لا نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للسيدة فاطمة الزهراء في داخل المجتمع الإسلامي إلا في رواية أو روايتين".

وتعليقا على هذا نقول:

كل زمان له متطلباته وتقنياته، وأطر نشاطه. وإنما يطالب كل من الرجل والمرأة ويحاسب وفقا لذلك، ويتم تقويم نشاطاته أيضا على هذا الأساس، من حيث حجم تأثيرها في الواقع الإسلامي كله.

وبالنسبة لعصر النبوة، فإن تعليم الزهراء القرآن للنساء، وتثقيفهن بالحكم الشرعي، وبالمعارف الإلهية الضرورية. ثم مشاركتها الفاعلة والمؤثرة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في المواقع المختلفة،

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحشر: الآية 7.

(2) سورة الأحزاب: الآية 21. (*)


/ صفحة 50 /

حتى في المباهلة مع النصارى. ثم دورها الرائد في الدفاع عن القضايا المصيرية، ومنها قضية الإمامة. ثم خطبتها الرائعة في المسجد، التي تعتبر مدرسة ومعينا يرفد الأجيال بالمعرفة...

هذا، عدا عن إسهامها المناسب لشخصيتها ولقدراتها، ولظروفها في حروب الإسلام المصيرية. وعدا عن طبيعة تعاملها مع الفئات المحتاجة إلى الرعاية كاليتيم، والأسير، والمسكين، وهو ما خلده الله سبحانه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة.

وأعظم من ذلك كله.. موقفها القوي والمؤثر، الذي وظفت فيه حتى فصول موتها ودفنها لصالح حفظ ثمرات الجهاد، في سبيل قضية الإسلام الكبرى، تماما فعلته ابنتها زينب(ع) في نطاق حفظها القوي والمؤثر لثمرات الجهاد والتضحيات الجسام للإمام الحسين عليه السلام وصحبه في كربلاء..

نعم، إن ذلك كله، ونظائره، يدل على أن الزهراء (عليها السلام)، قد شاركت في العمل الإنساني، والسياسي، والثقافي، والإيماني بما يتناسب مع واقع، وحاجات، وظروف عصرها. وفي نطاق أطر نشاطاته، وفقا للقيم السائدة فيه..

وقد حققت إنجازات أساسية على صعيد التأثير في حفظ الدعوة، وفي نشرها، وتأصيل مفاهيمها، وسد الثغرات في مختلف المجالات التي تسمح لها ظروف ذلك العصر بالتحرك فيها.

وهنا الذي حققته قد لا يوازيه أي إنجاز لأية امرأة عبر التاريخ، مهما تعاظم نشاطها، وتشعبت مجالاته، وتنوعت مفرداته، لأنه استهدف تأصيل الجذور. فكان الأبعد أثرا في حفظ شجرة الإسلام، وفي منحها المزيد من الصلابة والتجذر، والقوة. وفي جعلها أكثر غنى


/ صفحة 51 /

بالثمر الجني، والرضي، والهني..

فيتضح مما تقدم: أن الاختلاف في مجالات النشاط وحالاته، وكيفياته بين عصر الزهراء عليها السلام وهذا العصر، لا يجعل الزهراء في دائرة التخلف والنقص والقصور. ولا يجعل إنجاز المرأة في هذا العصر أعظم أثرا، وأشد خطرا. حتى ولو اختلفت متطلبات الحياة، واتسعت وتنوعت آفاق النشاط والحركة فيها.. لأن من الطبيعي أن يكون عصر التأصيل لقواعد الدين. والتأسيس الصحيح لحقائق الإيمان، وقضايا الإنسان المصيرية هو الأهم، والأخطر، والانجاز فيه لا بد أن يكون أعظم وأكبر..

وهكذا يتضح: أنه لا معنى للحكم على الزهراء عليها السلام بقلة النشاط الاجتماعي في عصرها قياسا على مجالات النشاط للمرأة في هذا العصر..

وبعد ما تقدم فإننا نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية:

أولا: ليته ذكر لنا الرواية أو الروايتين لنعرف مقصوده من النشاط الاجتماعي. فإن كان المقصود به هو أنها قد تخلفت عن وظيفتها ولم تقم بواجبها كمعصومة وبنت نبي، وزوجة ولي.

فقد كان على خصومها أن يعيبوها بذلك وكان على أبيها وزوجها أن يسددوها في هذا الأمر وإن كان المقصود بالنشاط في داخل المجتمع الإسلامي هو إنشاء المدارس، والمؤسسات الخيرية، أو تشكيل جمعيات ثقافية، أو خيرية، أو إقامة ندوات، واحتفالات، أو إلقاء محاضرات، وتأليف كتب تهدى أو تباع، فإن من الممكن أن لا تكون الزهراء (عليها السلام) قد قامت بالكثير من هذا النشاط كما يقوم به بعض النساء اليوم، ولا يختص ذلك بالزهراء عليها السلام، بل


/ صفحة 52 /

هو ينسحب على كل نساء ذلك العصر، والعصور التي تلته. فإن طبيعة حياة المجتمع وإمكاناته وكذلك طبيعة حياة المرأة آنذاك كانت تحد من النشاط الذي يمكنها أن تشارك فيه إلا في مجالات خاصة تختلف عن المجالات في هذه الأيام، بقطع النظر عن المبررات الشرعية التي ربما يتحدث عنها البعض بطريقة أو بأخرى.

أما إذا كان المقصود هو أن التاريخ لم يذكر: أنها كانت تجهر بالحق، لمن أراد معرفة الحق، ولا تقوم بواجباتها في تعليم النساء وتوجيههن وفي صيانة الدين، وحياطته، على مستوى قضايا الإسلام الكبرى، وغيرها خصوصا ما أثير عنها من معارف نشرتها، حتى ولو في ضمن أعمالها العبادية وغيرها. فإن ما أنجزته في هذا المجال كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار.

وإن خطبتها في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومع نساء الأنصار تعتبر بحد ذاتها مدرسة للأجيال، ومنبعا ثرا للمعرفة على مدى التاريخ لو أحسن فهمها، وصحت الاستفادة منها.

هذا مع وجود أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وابن عمها أمير المؤمنين عليه السلام، اللذين هما محور الحركة الاجتماعية، والإنسانية والاسلامية وكان نشاطها(ع) جزءا من مجموع النشاط العام الذي كان آنئذ.

على أن قوله "إلا في رواية أو روايتين" يبقى غير واضح وغير دقيق. فهناك العديد من الروايات التي ذكرت مشاركتها في أنشطة مختلفة، إجتماعية وسياسية وثقافية وتربوية، وقد ذكرنا بعضا من ذلك فيما سبق، بل إن بعض الروايات تذكر: أنها كانت تشارك حتى في مناسبات غير المسلمين. وذلك حينما دعاها بعض اليهود إلى


/ صفحة 53 /

حضور عرس لهم.

وثمة رواية تحدثت عن ذلك الأعرابي الذي أعطته عقدها، وفراشا كان ينام عليه الحسن والحسين(ع)، فاشتراهما عمار بن ياسر.. في قصة معروفة.

بل إن الله سبحانه قد تحدث أنها وأهل بيتها(ع) من طبيعتهم إطعام الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.

وحين خطبت خطبتها في المسجد جاءت في لمة من النساء كانوا يؤيدونها في ما تطالب به، بل ويتحدث البعض عن وجود تكتل نسائي لها(ع) في مقابل تكتلات مناوئة.

هذا كله عدا عن أن اهتمامها (بالجار قبل الدار) يعطينا صورة عن طبيعة اهتماماتها، وأنها لو وجدت أية فرصة لأي نشاط اجتماعي أو نشاط إنساني أو ثقافي فستبادر إليه بكل وعي ومسؤولية وحرص.

وثانيا: إن تأكيدات النبي (صلى الله عليه وآله) للمسلمين بصورة مستمرة قولا وعملا، على ما لها من مقام ودور، وموقع في الإسلام والإيمان، والمعرفة، قد جعل لها درجة من المرجعية للناس، وأصبح بيتها موئلا للداخلات والخارجات(1) وكان ".. يغشاها نساء المدينة، وجيران بيتها (2)". وصار الناس يقصدونها لتطرفهم بما عندها من العلم والمعرفة (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي: ج 9 ص 198.

(2) المصدر السابق: ج 9 ص 193.

(3) ستأتي حين الحديث عن " مصحف فاطمة " قصة مجئ أحدهم يطلب منها شيئا تطرفه به، فطلبت صحيفة كان رسول الله (ص) قد أعطاها إياها، فلم تجدها في بادئ الأمر. فانتظر. (*)


/ صفحة 54 /

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه يوجه حتى بأصحاب الحاجات المادية إلى بيت فاطمة (عليها السلام)، كما في قضية الإعرابي الذي أعطته عقدها، وفراشا للحسنين كما أسلفنا.

وكان الناس يترددون عليها لطلب المعرفة أيضا، وكل ذلك من شأنه أن يملأ حياتها عليها السلام بالحركة والنشاط، الذي يضاف إلى نشاطاتها البيتية، حيث كانت تطحن حتى مجلت يداها..

ثالثا: إنه لا يمكن تقييم إنسان ما على أساس إنجازاته ونشاطاته الاجتماعية، أو ذكائه السياسي، فهناك أذكياء سياسيون كثيرون، ولكنهم لا يتمتعون بالقيمة الحقيقة للإنسان، لأن النشاط الاجتماعي والذكاء لا يعطي الموقف السياسي أو غيره قيمة، وإنما تتقوم السياسة بمنطلقاتها ومبادئها، وهي إنما تؤخذ من المعصوم: كالنبي والوصي، ومن الزهراء أيضا. فهي عليها السلام تحدد لنا ما به تكون القيمة للسياسة، أو لأي عمل آخر، اجتماعيا كان أو غيره، ولا تكتسب الزهراء قيمتها من سياساتها، أو من نشاطاتها الاجتماعية، وإلا لكان بعض المجرمين أو المنحرفين أعظم قيمة حتى من الأنبياء، والأولياء، والأصفياء، إذا قام بنشاط اجتماعي أو سياسي كبير، بسبب توفر المال، أو الجاه، أو السلطة له، مع عدم توفر ذلك للنبي أو الولي عليهم السلام.

والحقيقة: أن قيمة الإنسان إنما تنبع من داخل ذاته، ومن قيمه التي يجسدها، ومن مثله وإنسانيته، ومن علمه النافع المنتج للتقوى والخشية من الله سبحانه، وما سوى ذلك فهو في سياق الأسباب والنتائج، وقد يكون في الطرف الآخر من المعادلة.

رابعا: إننا لا بد أن نتحقق أولا من حقيقة موقع الزهراء عليها


/ صفحة 55 /

السلام فيما يرتبط بإيمان الإنسان المسلم، ونتحقق أيضا من حقيقة المهام التي يفترض فيها أن تضطلع بها في تأييد هذا الدين وتشييده، فنقول:

إن ولاء الإنسان المسلم للنبي والأئمة والزهراء(ع) له دور أساسي ومفصلي في بلورة إيمانه، وتحقيق هويته وشخصيته الرسالية والإنسانية، فوجود الزهراء ـ المرأة ـ التي ليست هي بإمام ولا نبي، بصفتها المرأة الكاملة في إنسانيتها هو الذي نحتاجه كضرورة حياتية، واعتقادية، وسلوكية، وحتى منهجية في حياتنا، أما نشاطها الاجتماعي أو السياسي، فليس له هذه الدرجة من الأهمية أو الحساسية مع وجود أبيها وزوجها.

إننا نحتاج إلى هذا الوجود لنرتبط به، وتحنو عليه قلوبنا، وهو يجسد لنا القيم والمثل، والكمال الإنساني الذي نحتاج إليه هو الآخر، لتحتضنه قلوبنا من خلال احتضانها للزهراء (ع)، وليسهم ـ من ثم ـ في بناء عقيدتنا، وتركيز المفاهيم الإسلامية والقيم والمثل في قلوبنا وعقولنا، لتنتج ولتصوغ عواطفنا وأحاسيسنا وكل وجودنا، هذا هو دور فاطمة عليها السلام، وليس دورها ودورهم هو بناء المؤسسات، أو إنشاء الجمعيات الخيرية أو الإنسانية، أو ما إلى ذلك!!.

خامسا: إنه لا شك في أن للزهراء عليها السلام الدور الكبير والحساس في بقاء هذا الدين ونقائه، ولولاها لطمست معالمه وعفيت آثاره، فالزهراء هي نافذة النور، وهي برهان الحق، وهي ـ كما هو زوجها. علي أمير المؤمنين(ع) ـ مرآة الإسلام التي تعكس تعاليمه، وأحكامه، ومفاهيمه، ونظرته للكون وللحياة. فهي مع الحق يدور معها كيفما دارت وتدور معه كيفما دار.


/ صفحة 56 /

إنها المعيار والميزان الذي يوزن به إيمان الناس، ودرجة استقامتهم على طريق الهدى والخير والخلوص والاخلاص. ونعرف به رضا الله ورسوله، وغضب الله ورسوله (ص). وهذا ما يشير إليه قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: هي بضعة مني وهي قلبي الذي بين جنبي، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، أو يرضيني ما أرضاها ويسخطني ما أسخطها، أو نحو ذلك.

والملاحظ: أنه (ص) قد جعل المرتكز لمقولة يرضيني ما يرضيها أو من آذاها فقد آذاني هو كونها بضعة منه (ص)(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) هذا الحديث لا ريب في تواتره وصحته. وصرح بتواتر نقله بين الفريقين الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتابه المعروف كشف الغطاء: ص 12 فراجعه. وبما أن هذا الحديث قد ذكر في مختلف المصادر التي تحدثت عن الزهراء، فإن استقصاء مصادره متعسر لنا الآن بل متعذر، ولا نرى حاجة إلى ذلك، ولذا فسوف نكتفي هنا بذكر ما تيسر منها. ومن أراد المزيد، فعليه بمراجعة الكتب التي تتحدث عن سيرة الزهراء(ع) أو عن كراماتها ومزاياها، فسيجد هذا الحديث أمامه أينما توجه.

أما المصادر التي نريد الإشارة إليها فهي التالية: فرائد السمطين: ج 2 ص 46، ومجمع الزوائد: ج 9 ص 203، ومقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 52 و 53، وكفاية الطالب: ص 364 و 365، وذخائر العقبى: ص 37 و 38 و 39، وأسد الغابة: ج 5 ص 522، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وينابيع المودة: ص 173 و 174، و 179 و 198، ونظم درر السمطين: ص 176، و 177 ومستدرك الحاكم: ج 3 ص 154 و 158 و 159، وتلخيصه للذهبي مطبوع بهامشه، وكنز العمال: ج 13 ص 93 و 96 و ج 6، ص 219، و ج 7 ص 111، والغدير: ج 7 ص 231 ـ 236، وسير أعلام النبلاء: ج 2 ص 132 والصواعق المحرقة: ص 186 و 188 وشرح المواهب للزرقاني: ج 4 ص 335 وغير ذلك كثير. (*)


/ صفحة 57 /

ومن الواضح: أن كونها جزءا من كيانه الجسدي والمادي من حيث بنوتها النسبية له، ليس هو السبب في كون ما يرضيها يرضيه، وذلك لأمرين:

الأول: إنه (ص) لا ينطلق في مواقفه من موقع العصبية للقرابة أو للعرق أو ما إلى ذلك، بل هو (ص) إنما يريد أن يكون كل ما لديه من خصوصيات، أو امتيازات، أو قدرات مادية أو معنوية في خدمة هذا الدين، ومن أجله، وفي سبيله.

الثاني: إن البنوة النسبية أو بالتبني لا تكفي بحسب طبيعتها لاكتساب امتياز بهذا المستوى من الخطورة، وإن كانت لها أهميتها من حيث أنها تشير إلى صفاء العنصر، وطهارة العرق، لأنها(ع) كانت نورا في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة، ولكن من الواضح إن الحفاظ على هذا الطهر بحاجة إلى جهد، وحين لم يبذل ابن نوح(ع) ـ الذي تحدثت بعض الروايات عن أنه ابن له(ع) بالتبني لا بالولادة(1) ـ هذا الجهد هلك وضل، حتى قال الله عنه لأبيه نوح: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}، ولذلك لم يكن رضا ابن نوح رضا الله ورسوله، ولا غضبه غضب الله ورسوله.

فالمراد بكونها (بضعة منه) لا بد أن يكون معنى يصلح أن يكون مرتكزا لكون رضاها رضاه (ص)، وأذاها أذاه، خصوصا مع علمنا بأنه (ص) قد قال ذلك حينما أجابت عن سؤال: ما خير للمرأة؟

فقالت: أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــــــ

(1) فلا موقع لما يقوله البعض من أن العاطفة الأبوية لنوح قد أثرت عليه فانساق معها حتى إنه لم يلتفت لخطاب الله له بهذا الشأن. راجع: البرهان في تفسير القرآن: ج 2 ص 220. (*)


/ صفحة 58 /

أو أنه (ص) قد قال ذلك لعلي (عليه السلام) بحضور أولئك الذين تسببوا في أذى فاطمة (عليها السلام)، حين أخبروها بأنه قد خطب بنت أبي جهل.

فقال له علي(ع): والذي بعثك بالحق نبيا ما كان مني مما بلغها شئ، ولا حدثت بها نفسي.

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صدقت وصدقت. ففرحت فاطمة عليها السلام بذلك وتبسمت حتى رأى ثغرها. فقال أحد الرجلين لصاحبه: ما دعاه إلى ما دعانا في هذه الساعة الخ...(1)

فالنبي إذن أراد أن يقول لمن أخبر فاطمة هذا الخبر الكاذب أنه آذاها وآذاه.

ومهما يكن من أمر، فإن المراد بهذه الكلمة لا بد أن يكون معنى منسجما مع كون أذاها أذاه. وهو أن مزاياها من مزايا رسول الله (ص) وكمالها من كماله، فالحديث عنها بما هي جزء من كيان النبي (ص) ووجوده الإنساني والرسالي بكل ميزاته، ودقائقه، وخصوصياته التفصيلية، كإنسان إلهي كامل، يمثل الإنسانية والفطرة، والكمال والصفاء، والحق والصدق، بأجلى وأدق هذه المعاني وأسماها.

وواضح أن فاطمة إنما تغضب إذا انتقصت الإنسانية، والقيم واعتدي عليها، وترضى إذا كرمت وتكاملت هذه الإنسانية والقيم وتجذرت، فالاعتداء عليها لا يغضبها من حيث هي شخص بل يغضبها من حيث أنه اعتداء على الإنسانية، وعلى الكمال الروحي والسمو المعنوي، ولكون ذلك محاولة للانتقاص، من هذا الوجود الكريم.


/ صفحة 59 /

إن العدوان عليها عدوان على الحق، وعلى الفطرة وعلى الإنسانية، وعلى الفضل، وذلك هو الذي يغضبها، ويغضب الله ورسوله، وكل عمل يأتي على وفق الفطرة، ويصون هذا الوجود، فهو الذي يرضيها ويرضي الرسول ويرضي الله. وبذلك تصلح أن تكون معيارا وميزانا حين ترضى، وحين تغضب.

ولنا أن نقرب هذا المعنى بالإشارة إلى شاهد قرآني وهو قوله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}(1).

فإن الجسد الذي هو لحم وعظم لا يزال موجودا، والذي فقد هو إرادته، واختياره، وعقله، وخصائصه الإنسانية، من نبل وكرم، وعواطف، ومشاعر، و... إن الجسد قد أفرغ من محتواه بواسطة إزهاق روحه.

الزهراء أم أبيها:

ومن أغرب ما سمعناه مقولة أطلقها البعض مفادها:

إن الزهراء عليها السلام قد عوضت النبي (ص) عن عطف الأم، حيث إن أمه ماتت، وهو لا يزال طفلا، فلأجل ذلك أطلق عليها لقب: أم أبيها.

إنه يقول بالحرف الواحد: ".. بدأ النبي حياته وهو يشكو فقد

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة: 32. (*)


/ صفحة 60 /

حنان الأم، لأن حنان الأم ليس شيئا يمكن أن تتكفله مرضعة أو مربية... إلى أن قال: ولذلك أعطته أمومتها باحتضانها له. وقالها رسول الله، وهو يشعر: أن ذلك الفراغ الذي فقده بفقدان أمه استطاع أن يملأه من خلال ابنته(1)".

ونقول:

إن هذا الكلام لا يمكن قبوله إذ لا يمكننا قبول مقولة: أن النبي (ص) كان يعاني من عقدة نقص، نشأت عن فقده أمه، فاحتاج إلى من يعوضه ما فقده..

بل معنى هذه الكلمة: أن الزهراء كانت تهتم بأبيها، كما تهتم الأم بولدها، وهذا لا يعني: أن ذلك سيعوض النبي عن عاطفة فقدها، أو سيكمل نقصا يعاني منه.

وبعد، فهل يمكن أن يقبل هذا البعض أن غير الزهراء عليها الصلاة والسلام كان بإمكانها أن تملأ هذا الفراغ. لو حدبت على رسول الله (ص)، ومنحته قسطا من العاطفة التي هو بحاجة إليها؟!

إن الكلمة المذكورة: "أم أبيها" تريد أن تبين لنا حقيقة وأبعاد تعامل السيدة الزهراء، مع أبيها، ولا تريد أن تتحدث عن ملء فراغات أو حل عقد نقص في الشخصية النبوية المقدسة، والعياذ بالله.

العصمة جبرية في اجتناب المعاصي؟!!

1 ـ يتحدث البعض: عن أن العصمة التي تجلت في الزهراء

ــــــــــــــــــــ

(1) كتاب الندوة: ص 58. (*)


/ صفحة 61 /

عليها السلام قد أنتجتها البيئة والمحيط الايماني الذي عاشت وترعرعت فيه، لأنها كانت بيئة الإيمان والطهر والفضيلة والصلاح.

ومن الواضح: إن هذه المقولة فيما تستبطنه تستدعي سؤالا حساسا وجريئا، وهو:

ماذا لو عاشت الزهراء في غير هذه البيئة، وفي محيط ملوث بالرذيلة والموبقات؟!

وماذا لو عاش غير الزهراء في هذه البيئة بالذات؟

هل سوف تكون النتيجة هي ذاتها؟! وقد عاش البعض فعلا في هذه البيئة بالذات، فلماذا لم يكن الأمر كذلك؟

2 ـ ومع كل ذلك نرى هذا البعض نفسه يتحدث عن تكوينية العصمة، الأمر الذي يستبطن مقولة "الجبر" الإلهي، التي ثبت بطلانها، ونفاها أهل البيت(ع)، بقولهم: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين.

ونقول:

إن ذلك يثير أكثر من سؤال جرئ وحساس أيضا. وهو أنه لو كانت البيئة هي المؤثرة، فما معنى كون العصمة تكوينية؟!

وممنوحة بالفيض الإلهي المباشر، وبلا وساطة شئ، من محيط أو غيره؟!

ثم هناك سؤال آخر عن: السبب في تخصيص هؤلاء بهذه العصمة الاجبارية التكوينية؟

ولماذا لم ينلها غيرهم معهم من سائر بني الإنسان؟!!


/ صفحة 62 /

ولماذا نحن نتعب ونشقى، ونحصل على القليل، وتكون لهم هم الدرجات العالية، مع أنهم لم يتعبوا ولم يجاهدوا أنفسهم مثلنا؟!

وسؤال آخر، وهو: ألا يكون الشخص الذي يقوم بالامتناع ـ من تلقاء نفسه ـ عن سيئة واحدة، أو المبادرة إلى عمل حسنة واحدة في حياته، يجاهد بها نفسه وغرائزه، أفضل من جميع النبيين والأوصياء المعصومين بالتكوين والاجبار؟!

يضاف إلى ذلك سؤال آخر وهو: ألا يعني ذلك أن لا يستحق المعصوم مدحا ولا أجرا على عباداته، ولا على أي شئ من طاعاته للأوامر والزواجر الإلهية؟!(1).

إلى غير ذلك من علامات استفهام لا يمكن استيفاؤها عرضا وردا في هذا البحث المقتضب.

3 ـ ولعله من أجل دفع غائلة هذا السؤال الأخير، عاد هذا البعض ليقول: إن العصمة التكوينية إنما هي في الاجتناب عن المعاصي، حيث لا يقدر المعصوم على اقترافها. أما الطاعات فالاختيار فيها باق له على حاله، وليس ثمة جبر إلهي عليها.. وهذه نفس مقولة الأشاعرة الذين فسروا العصمة بأنها " القدرة على الطاعة، وعدم القدرة على المعصية " (2).

ونقول:

إننا لا نريد أن نناقش هذا التفصيل (بين الطاعات وبين

ــــــــــــــــــــ

(1) هذا السؤال قد سأله علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم لأولئك القائلين بعدم قدرة المعصوم على المعصية. راجع اللوامع الإلهية: ص 169.

(2) راجع اللوامع الإلهية: ص 169. (*)


/ صفحة 63 /

المعاصي)!! بإسهاب، بل نكتفي بالإلماح إلى ما يلي:

أولا: إن ترك الطاعات أيضا معصية، فهو إذن لا يقدر على هذا الترك تكوينا فكيف يكون مختارا في فعلها، وما معنى كونه مختارا في خصوص الطاعات؟!.

ثانيا: إن هذا التفصيل لا دليل عليه، ولا توجيه له بل هو تحكم محض فلماذا لا تكون القضية معكوسة، فيكون مختارا في ترك المعاصي مكرها على فعل الطاعات..

والملفت للنظر هنا: أنه حين واجهته هذه الأسئلة التجأ تارة إلى مقولة البلخي بأن الثواب على الطاعة إنما هو بالتفضل، لا باستحقاق العبد. وتارة أخرى إلى ما يتحدث عنه البعض بزعمه من أن الاستحقاق بالتفضل وهي مقالة كمقالة البلخي لا يلتفت إليها لقيام الدليل على أن الطاعة بالاستحقاق لا بالتفضل.

وهذا الدليل هو: أن الطاعة مشقة ألزم الله العبد بها، فإن لم يكن لغرض كان ظلما وعبثا، وهو قبيح لا يصدر من الحكيم. وإن كان لغرض، فإن كان عائدا إليه تعالى فهو باطل لغناه وإن كان عائدا إلى المكلف، فإن كان هذا الغرض هو الإضرار به كان ظلما قبيحا، وإن كان هو النفع له فإن كان يصح أن يبتدئ الله به العبد، فيكون التكليف حينئذ عبثا، وإن كان لا يصح الابتداء به بل يحتاج إلى تكليف ليستحق أن يحصل على ذلك النفع فهو المطلوب.

فالنتيجة إذن هي: أن الثواب بالاستحقاق لا بالتفضل.

وأما قول البلخي فهو باطل من الأساس، لأنه يستند فيما ذهب إليه إلى أن التكاليف إنما وجبت شكرا للنعمة، فلا يستحق بسببها


/ صفحة 64 /

مثوبة، فالثواب تفضل منه تعالى.

ولا شك في عدم صحة هذا القول، إذ أن الكلام إنما هو في مرحلة الحسن والقبح، ويقبح عند العقلاء أن ينعم شخص على غيره، ثم يكلفه ويوجب عليه شكرها من دون إيصال ثواب على هذا التكليف، فإنهم يعدون ذلك نقصا، وينسبونه إلى حب الجاه والرياسة ونحو ذلك من المعاني القبيحة التي لا تصدر من الحكيم، فوجب القول باستحقاق الثواب.

غاية ما هناك أنه يمكن أن يقال، وإن كان ذلك لا يلائم كلام البلخي أيضا بل هو أيضا ينقضه ويدفعه: أنه وإن كانت مالكية الله سبحانه لكل شئ تجعله، متفضلا في تقرير أصل المثوبة لمملوكيه على أفعالهم، ولكنه بعد أن قرر لهم ذلك بعنوان الجزاء، وتفضل عليهم في زيادة مقاديره، حتى لقد جعل الحسنة بعشرة أمثالها، أو بسبع مئة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء وبعد أن دخل ذلك في دائرة القرار، وأصبح قانونا إلهيا مجعولا، فقد دخل في دائرة الاستحقاق بعد أن لم يكن.

ولأجل ذلك لم يجز في حكم العقل أن يعطي الله العاصي، ويمنع المطيع، ولو كانت المثوبة من باب التفضل لجاز ذلك، وهذا نظير ما لو قرر رجل أن يجعل لولده جائزة على نجاحه في الامتحان في مدرسته، فإذا نجح الولد، فسيطالب أباه بالجائزة، ويرى أنه مظلوم ومهان لو لم يعطه إياها، فضلا عن أن يعطيها لأخيه الراسب.


/ صفحة 65 /

هل للمحيط والبيئة تأثير في العصمة:

وأما بالنسبة لما قيل عن تأثير البيئة والمحيط الايماني في شخصية الزهراء عليها السلام:

فإننا نقول فيه:

إن الزهراء النور التي خلقت من ثمر الجنة، وكانت تحدث أمها وهي في بطنها، قبل أن تولد. هي خيرة الله سبحانه، قد اصطفاها لتكون المعصومة(1) الطاهرة، والصفوة الزاكية، قبل دخولها في هذه البيئة التي يتحدث البعض عنها على أنها هي السبب الرئيسي في ما للزهراء من مقامات وكرامات. وحديثه هذا يستبطن: أن الزهراء نفسها عليه السلام لو عاشت في بيئة أخرى ليست بيئة صلاح وخير وإيمان، فلسوف تطبعها بطابعها الخاص، فتكون المرأة الشريرة والمنحرفة، والعياذ بالله!! فهل هذا مقبول أو معقول؟!..

إننا نصر على أن المحيط الذي عاشت فيه الزهراء عليها السلام،

ــــــــــــــــــــ

(1) العصمة في الأنبياء والأوصياء ثابتة بدليل العقل، لاقتضاء مقام النبوة والإمامة لها. ويؤيدها النقل، وقد يتعرض النقل أيضا لبيان حدودها وآفاقها، وغير ذلك من خصوصيات.. أما عصمة الزهراء عليها السلام، فهي ثابتة بالنقل الصحيح الثابت عن الرسول (ص)، وبنص القرآن الكريم، وهي من ضروريات المذهب وثوابته. وبديهي أن لا تعرف العصمة إلا بالنقل، لأن الأوامر والزواجر الإلهية لا تنحصر بأعمال الجوارح الظاهرية، بل تتعداها إلى القلب والنفس والروح، وإلى صياغة مواصفات الإنسان، ومشاعره وأحاسيسه، مثل الشجاعة والكرم والحسد، والحب والبغض، والإيمان والنفاق، والنوايا وغير ذلك مما لا سبيل لنا للاطلاع عليه بغير النقل عن المعصوم. (*)


/ صفحة 66 /

لم يكن هو محض السبب في وصول الزهراء إلى مقام الكرامة والزلفى، ولا كان هو الذي صاغ وبلور شخصيتها الايمانية، وحقق عصمتها، وكمالها الإنساني، بل إن فطرتها السليمة، وروحها الصافية، وعقلها الراجح، وتوازنها في خصائصها وكمالاتها الإنسانية، ثم رعاية الله سبحانه لها، ومزيد لطفه بها، وتسديده وتوفيقه، وسعيها باختيارها إلى الحصول على المزيد من الخلوص والصفاء، والطهر، والوصول إلى درجات القرب والرضا، إن ذلك كله هو الذي أنتج شخصية الزهراء المعصومة والمطهرة.

فالعصمة لا تعني العجز عن فعل شئ، وإنما تعني القدرة والمعرفة، والاختيار الصالح، والإرادة القوية الفاعلة مع العقل الكبير، واللطف والرعاية والتسديد الإلهي. أما كبر السن أو صغره، أو مقدار النمو الجسدي، فليس هو المعيار في صفاء الروح، أو كمال الملكات، والخصال الإنسانية، ولا في فعلية التعقل، أو قوة العقل والإدراك، ولا في سعة المعرفة، واستحقاق منازل الكرامة، فقد آتى الله يحيى عليه السلام الحكم صبيا، كما أن عيسى عليه السلام قد تكلم في المهد:

{قال إني عبد الله آتاني الكتاب، وجعلني نبيا، وجعلني مباركا أينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرا بوالدتي، ولم يجعلني جبارا شقيا}(1).

ولم تكن الزهراء (عليها السلام) في أي وقت من الأوقات بعقلية طفل، ولا بمستوى ملكات وإدراكات وطموحات وليد.

وقد تكلم علي، والزهراء عليهما السلام حين ولادتهما، وحدثت الزهراء أمها قبل أن تولد.

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة مريم: 20 / 22. (*)


/ صفحة 67 /

وقد ذكرت لنا الروايات وكتب التاريخ وغيرها من مصادر الفريقين كثيرا من هذا وأمثاله مما يتعلق بأهل البيت عليهم السلام. مما يدل على هذه الحقيقة فيهم وفيما صلوات الله وسلامه عليهم وعليها، وعلى شيعتها ومحبيها إلى يوم الدين.

إمكانية التمرد على البيئة والمحيط:

أما فيما يرتبط بالمحيط والبيئة، فلسنا ننكر ما له من تأثير على روح الإنسان وسلوكه وأخلاقياته ونفسيته.

ولكننا نقول: إن ذلك ليس مطردا في جميع الناس، ولا هو حتمي الحصول، إلى درجة أن يفقد الإنسان معه إرادته، ويأسره، ويمنعه من الاختيار ويقيده عن الحركة باتجاه الخير، والصلاح، والنجاح والفلاح.

وقد أوضح القرآن الكريم لنا ذلك بما لا يدع مجالا للشك حينما تحدث عن نساء جعلهن مثلا يحتذى كمريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم ثم تحدث عن أخريات مثلا للعبرة والحذر كامرأة نوح ولوط.

فقد قال سبحانه وهو يتحدث عن إحدى زوجات النبي (ص)، كان النبي (ص) قد أسر إليها حديثا هاما جدا فأفشته وزادت فيه:

{ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح، وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فخانتاهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة


/ صفحة 68 /

فرعون، إذ قالت: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها، فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها، وكتبه، وكانت من القانتين}(1).

فنجده سبحانه قد ضرب مثلا للذين آمنوا ـ وليس لخصوص النساء المؤمنات ـ بآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران.

وضرب مثلا للذين كفروا ـ وليس لخصوص النساء الكافرات. بزوجتي نوح ولوط ـ ولتوضيح ذلك نقول:

ألف: زوجتا النبي نوح والنبي لوط(ع):

إن الذي يساعد على وضوح ما نريد بيانه في معنى الآيات، هو ملاحظة الأمور التالية:

1 ـ أشار في الآية إلى وقوف امرأة في مقابل رجل، ولعل البعض يرى للرجال على النساء تميزا في جهات معينة، تعطي للرجل الأفضلية والأولوية في أمور كثيرة.

2 ـ إن هذين الرجلين هما في موقع الزوجية، وللزوج موقعه القوي في داخل بيت الزوجية على الأقل.

3 ـ ومع صرف النظر عما تقدم، فإن الزوج عادة هو أعرف الناس حتى من الأم والأب، بأحوال زوجته، وبطبائعها، وبنقاط ضعفها وقوتها، لأنه على احتكاك عملي مستمر معها، وهي تعيش معه

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة التحريم: 10 / 12. (*)


/ صفحة 69 /

ـ عادة ـ الوضوح بأقصى حالاته وأرفع درجاته.

4 ـ وهذا الرجل يملك من صفات الكمال الإنساني كل أسباب القوة خصوصا في وعيه، وتدبيره، وعقله وحكمته، ومن حيث مستواه الفكري، وسلامة هذا الفكر، ومن حيث قدراته الاقناعية، فضلا عما سوى ذلك، بل هو القمة في ذلك كله، حتى استحق أن يكون نبيا، بل رسولا، بل إن أحدهما وهو نوح، من أولي العزم الذين يملكون أعلى درجات الثبات والحصانة والقوة.

وهل هناك أعرف من النبي الرسول بأساليب الاقناع ووسائله وأدواته؟ أم هناك أكثر منه استجماعا للمفردات الفكرية وغيرها مما يحتاج إليه في ذلك؟!.

5 ـ كما أن هذه المرأة تعيش في محيط هدى، وفي أجواء الطهر، والصفاء، والاستقامة، والفضيلة، والإيمان، والخير، والصلاح، حيث يتجسد ذلك كله واقعا تتلمسه بصورة مباشرة، وليس مجرد نظريات.

أما الانحراف والسوء والشرك فلن يكون في هذا المحيط إلا غريبا، مرفوضا، ومنبوذا، لا يجد حرية الحركة، ولن ينعم بالقبول والرضا أبدا.

6 ـ إن هذين الرجلين النبيين، وأحدهما من أولي العزم، يتحملان مسؤولية هداية الأمة، والذب عنها، وإبعادها عن مزالق الانحراف وآفاته.

بل إن هذه الهداية هي مسؤوليتهما الأولى والأساس، وهي كل شئ في حياتهما الرسالية الهادية. وليست أمرا عارضا، كالمال


/ صفحة 70 /

الذي يمكن تعويضه، أو الجاه الذي يمكن العيش بدونه، ولا هي من قبيل السلطة، والنفوذ، وإدارة البيت ولا هي مصلحة مادية، ولا أي شأن من شؤون الحياة، مما يمكن التغاضي عنه. بل المساس بها مساس بالمصير، وبالوجود، وبالمستقبل، وبالآخرة والدنيا. إنه ينظر إلى هذه المهمة ويتعامل معها من موقع التقديس، ومن موقع التعبد والتدين.

وتتحداه زوجته التي لا تدانيه في شئ مما ذكرناه، وتتمرد عليه في صميم مسؤوليته، وفي أعز وأغلى وأقدس شئ لديه.

7 ـ وهذا التحدي هو للمحيط وللبيئة، لأنه ينبع من داخل بيئة الصلاح، والإيمان والخير، والهدى.

8 ـ ويزيد في الألم والمرارة، أنها تتحداه في شئ يندفع إليه بفطرته، ويرتبط به بقلبه ووجدانه، وبأحاسيسه، وبعمق مشاعره، وبهيمنات روحه، وبكل وجوده.

والأكثر مرارة في هذا الأمر، أنها تريد أن تكون النقيض الذي لا يقتصر على مجرد الانحراف، بل هي تعمل على تقويض وهدم ما يبنيه، مستفيدة من المحيط المنحرف الذي قد يعينها على تحقيق ما تعمل من أجله، ويعطيها نفحة قوة، وفضل عزيمة.

ومن جهة أخرى: فإن هذا الأمر لا يختص بمورد واحد يمكن اعتباره حالة عفوية أو استثناء أو حالة شاذة، فقد تكررت القضية ذاتها وشملت نوحا ولوطا عليهما السلام اللذين ضرب الله المثل بما جرى لهما.


/ صفحة 71 /

ب: زوجة فرعون:

وفي الجهة المقابلة تقف المرأة المجاهدة الصابرة آسية بنت مزاحم الشهيدة. ونوضح ما نرمي إليه في حديثنا عنها فيما يلي من نقاط:

1 ـ إن آسية بنت مزاحم امرأة في مقابل رجل، هو فرعون بالذات.

2 ـ وفرعون هذا هو الزوج المهيمن والقوي، وهو يتعامل مع هذه المرأة الصالحة من موقع الزوجية.

3 ـ وفرعون الرجل والزوج، لا يملك شيئا من المثل والقيم الإنسانية والرسالية، ولا يردعه رادع عن فعل أي شئ، وفي أي موقع من مواقع حياته، فهو يسترسل مع شهواته، وطموحاته، ومصالحه، بلا حدود ولا قيود، ودونما وازع أو رادع.

أما آسية فعلى النقيض من ذلك، ترى نفسها محكومة لضوابط الدين والقيم والمثل، وهي تهيمن على كل وجودها فلا تستطيع أن تسترسل في حركتها، ولا يمكنها أن تتوسل بكل ما يحلو لها.

4 ـ وفرعون يمثل أقصى حالات الاستكبار في عمق وجوده، وذاته، حتى ليدعي الربوبية، ويقول للناس: "أنا ربكم الأعلى"، فلا يرى أن أحدا قادر على أن يخضعه، أو أن يملي عليه رأيه وإرادته، بل تراه يحمل في داخله الدوافع القوية لسحق كل من يعترض سبيل أهوائه وطموحاته.

فرعون هذا تتحداه امرأته!! في صميم كبريائه، وفي رمز استكباره وعلوه، وعنفوانه، وعمق طموحاته، في ادعائه الربوبية، وفي


/ صفحة 72 /

كل ما يرتكبه من موبقات، وما يمثله من انحراف.

5 ـ وفرعون ملك لديه الجاه العريض، وغرور السلطان، وعنجهيته، وجاذبيته، وعنفوانه، وزهوه. وما أحب تلك المظاهر الخادعة إلى قلب المرأة، وما أولعها بها.

وإذا كانت المرأة تميل إلى الزهو، فإنها إلى زهو الملك العريض أميل، وإذا كان الجاه العريض يستثيرها، فهل ثمة جاه كجاه السلطان، فكيف وهو يدعي الربوبية لنفسه؟!

6 ـ أما المغريات فهي بكل صنوفها، وفي أعلى درجات الإغراء فيها، متوفرة لفرعون، فلديه الدور والقصور، والبساتين، والحدائق الغناء، ولديه اللذائذ والأموال، والخدم والحشم، ولديه الزبارج والبهارج وزينة الحياة الدنيا.

وهل ثمة أحب إلى قلب المرأة من القصر الشاهق، ومن الأثاث الفاخر، واللائق، ومن وصائف كالحور، وغير ذلك من بواعث البهجة والسرور؟!

7 ـ وعند فرعون الرجال والسلاح، وكل قوى القهر، والتسلط، والجبروت، والهيمنة، ولذلك أثره في بث الرهبة، والرعب في قلب كل من تحدثه نفسه بالتمرد، والخلاف.

8 ـ وعند فرعون أيضا المتزلفون، والطامعون، والطامحون، الذين هم وسائله وأدواته الطيعة، التي تحقق رغباته، وتلبي طلباته، مهما كانت، وفي أي اتجاه تحركت.

9 ـ وهناك الواقع المنحرف الذي تهيمن عليه المفاهيم الجاهلية. والجهل الذريع، والافتتان الطاغي بالحياة الدنيا، هذا الواقع الذي تفوح


/ صفحة 73 /

منه الروائح الكريهة للشهوات البهيمية، وتنبعث فيه الأهواء، وتضج فيه الجرائم.

10 ـ وفي محيط فرعون، تريد امرأة فرعون أن تتخلى عن لذات محسوسة وحاضرة من أجل لذة غائبة عنها، مع أن الإنسان كثيرا ما يرتبط بما يحس ويشعر به، أكثر ما يرتبط بما يتخيله أو يسمع به، بل هو يستصعب الانتقال من لذة محسوسة إلى لذة أخرى مماثلة لها، فكيف يؤثر الانتقال إلى ما هو غائب عنه، ولا يعيشه إلا في نطاق التصور والأمل بحصوله في المستقبل، ثقة بالوعد الإلهي له.

بل إنها عليها السلام تريد أن تستبدل لذة وسعادة ونعيما حاضرا بألم وشقاء، وبلاء، بل بموت محتم لقاء لذة موعودة.

11 ـ وبعد ذلك كله، إن هذه المرأة لا تواجه رجلا كسائر الرجال، بل تواجه رجلا عرف بالحنكة، والدهاء، والذكاء.

فكما كان عليها أن تواجه استكباره، وسلطانه، وبغيه، وكل إرهابه، وإغراءه، فقد كان عليها أيضا أن تواجه مكره، وأحابيله، وتزويره، وأساليبه الذكية الخداعة، وهو الذي استخف قومه فأطاعوه.

وقد ظهرت بعض فصول هذا الكيد والمكر في الحوار الذي سجله الله سبحانه له مع موسى، ومع السحرة الذين جاء بهم هو، فآمنوا بإله موسى(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) إن حنكة فرعون كانت عالية إلى درجة أنه ـ كما قال القرآن الكريم ـ استخف قومه فأطاعوه، أي أنه قد تسبب في التأثير على مستوى تفكيرهم، وخفف من مستوى وعيهم للأمور.. كما أننا حين نقرأ ما جرى بينه وبين موسى والسحرة، نجده أيضا في غاية الفطنة والدهاء، فقد قال تعالى: (*)


/ صفحة 74 /

ــــــــــــــــــــ

(تابع هامش الصفحة السابقة) * {.. قال فرعون: وما رب العالمين؟! قال: رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله: ألا تستمعون؟! قال ربكم، ورب آبائكم الأولين. قال: إن رسولكم الذي أرسل إليهم لمجنون}. سورة الشعراء، الآيات 23 ـ 27.

فيلاحظ: إنه حاول في بادئ الأمر أنه يسفه ما جاء به موسى بطريقة إظهار التعجب والاستهجان. فلما رأى إصرار موسى على مواصلة الاعلان بما جاء به لجأ إلى اتهامه بالجنون. ولكنه أيضا وجد أن موسى يواصل بعزم ثابت، وإصرار أكيد، إعلانه المخيف لفرعون فالتجأ إلى استعمال أسلوب القهر والقمع، فقال لموسى: {قال: لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين}. فواجهه موسى(ع) بإبطال كيده هذا، وجرده من هذا السلاح، حيث قال له: {أولو جئتك بسلطان مبين} فاضطره أمام الناس إلى الرضوخ لذلك فقال: {فأت به إن كنت من الصادقين} فأظهر موسى المعجزة التي جردته من سلاح المنطق والحجة. ولكنه مع ذلك لم يستسلم بل التجأ إلى سلاح آخر، يدلل على حنكته البالغة ودهائه العظيم وعلى درجة عالية من الذكاء، حيث نقل المعركة فورا من ساحته هذه إلى ساحة الآخرين، وأخرج نفسه عن دائرتها، وجعل من نفسه إنسانا غيورا على مصلحة الناس، يريد أن يدفع الشر عنهم، وأن يحفظ لهم مواقعهم فأظهر أن ما جاء به موسى (ع) لا يعنيه هو ولا يهدد موقعه، وإنما هو يستهدفهم دونه فالقضية إذن هي قضيتهم، فلا بد أن يبادر كل منهم لمواجهتها، وليست هي قضية يمكن التفريط في شأنها، ولا هي تسمح لهم باللامبالاة، أو التأجيل، أو التواكل، مستفيدا من طبيعة المعجزة عنصر التمويه عليهم والتشويه للحقيقة، حيث اعتبر إن انقلاب العصا إلى ثعبان وخروج اليد بيضاء، سحرا يريد موسى أن يتوسل به إلى إخراجهم من أرضهم، فهو قد حول المعجزة القاهرة إلى دليل له، يبطل به دعوى موسى التي جاءت المعجزة لإثباتها وتأكيدها، ثم ألقى الكرة في ملعبهم، وجعل القرار لهم. واستطاع من خلال ذلك أن يقتنص فرصة جديدة يستدرك بها شيئا من القوة لمواجهة موسى.. وهذا هو ما أوضحته الآيات التالية: (*)


/ صفحة 75 /

خلاصة:

كانت تلك بعض لمحات الواقع الذي واجهته امرأة فرعون، التي هي من جنس البشر، ومن لحم ودم، لها ميولها، وغرائزها، وطموحاتها، ومشاعرها، وأحاسيسها.

وقد واجهت رحمها الله كل هذا الواقع الصعب بصبر وثبات، ولم تكن تملك إلا نفسها، وقوى إرادتها، وقويم وعيها، الذي جعلها تدرك: أن ما يجري حولها هو خطأ، وجريمة، وانحراف وخزي،

ــــــــــــــــــــ

(تابع هامش الصفحة السابقة) *{قال: فأت به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. قال للملأ حوله: إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، فماذا تأمرون. قالوا: أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين} سورة الشعراء: 28 و 36 وراجع سورة طه: 47 / 57. فكل ذلك يشير إلى أن فرعون لم يكن رجلا عاديا، بل كان على درجة عالية من الذكاء والمكر والدهاء، وأنه في حين كان قد استخدم كل قدراته من مال وجاه وجيوش، وقمع وقهر، في سبيل الوصول إلى مبتغاه، فإنه أيضا قد استخدم ذكاءه وأساليبه المماكرة في سبيل ذلك، حتى {استخف قومه فأطاعوه} سورة الزخرف: 54. ولننظر بدقة إلى قوله تعالى {وقال فرعون: ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} سورة غافر: 26. ولنتأمل في موقف فرعون من السحرة، وطريقة مواجهته للصدمة التي نتجت عن إيمانهم بما جاء به موسى، فإنه هو الآخر، دليل آخر يضاف إلى ما تقدم على حنكته وذكائه، وطبيعة أساليبه الماكرة والفاجرة. ولسنا هنا بصدد التوسع في هذا الموضوع، ولم نرد إلا التنويه والإشارة لندلل من خلال ذلك على عظمة الانجاز، وقيمة النصر الذي حققه نبي الله موسى(ع) على هذه الطاغية المستكبر والماكر. (*)


/ صفحة 76 /

فرفضت ذلك كله من موقع البصيرة والإيمان، وواجهت كل وسائل الإغراء والقهر، ولم تبال بحشود فرعون، ولا بأمواله، ولا بجاهه العريض، ولا بزينته ومغرياته، ولا بمكره وحيله وحبائله..

وطلبت من الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لها سبل النجاة من فرعونية فرعون، ومن أعمال فرعون، ومن محيط القوم الظالمين.

ولم يؤثر شئ من ذلك كله، من البيئة والمحيط وغير ذلك، في زعزعة ثقتها بدينها وربها، أو في سلب إرادتها، أو في سلامة وصحة خيارها واختيارها.

وكان دعائها: "رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين".

فهي تعتبر الابتعاد عن فرعون، وعن ممارسات فرعون نجاة، وتعتبر الابتعاد عن دنس الإنحراف والخروج من البيئة الظالمة نجاة أيضا..

وهي لا تريد من الله قصورا ولا زينة، ولا ذهبا ولا جاها، بل تريد أن تفوز بنعمة القرب منه تعالى. (عندك)، وبمقام الرضا، على قاعدة: (رضا الله رضانا أهل البيت).

ج: مريم(ع) في مواجهة التحدي:

أما التحدي في قضية مريم عليها السلام فهو الآخر قاس ومرير، إنه تخد في أمر يمس شخصيتها وكيانها، وهو من أكثر الأمور حساسية بالنسبة إليها كأنثى، تعتبر نفسها أمام قومها رائدة الطهر والفضيلة، وتنعى عليهم رجسهم وانحرافهم، إنه التحدي في أمر العفة والطهر،


/ صفحة 77 /

وقد جاء بطريقة تفقد معها كل وسائل الدفاع عن نفسها، إذ كيف يمكن لامرأة أن تأتي قومها بمولود لها، ثم تزعم لهم أنها لم تقارف إثما، ولا علاقة لها برجل.

إنها تزعم: أنها قد حملت بطفل ولم يمسسها بشر، وتصر على أنها تحتفظ بمعنى العفة والطهارة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل هي لا تقبل أي تأويل في هذا المجال، ولو كان من قبيل حالات العنف التي تعذر فيها المرأة.

بل وحتى المرأة، المتزوجة حين تلد فإنها في الأيام الأولى تكون خجلى الى درجة كبيرة، لا سيما أمام من عرفوها وعرفتهم وألفوها وألفتهم.

فكيف إذا كانت تأتي قومها بطفل تحمله، وقد ولدته ولم تكن قد تزوجت، ثم هي تصر على أنها لم يمسسها بشر!! أو لا ترضى منهم أن يعتقدوا أو حتى أن يتوهموا غير ذلك.

ولم يهتز إيمان مريم، ولم تتراجع، ولم تبادر إلى إخفاء هذا الطفل، ولا إلى إبعاده ولا إلى التبرء منه، بل قبلت، ورضيت، وصبرت، وتحملت في سبيل رضا الله سبحانه، فكانت سيدة نساء زمانها بحق، وبجدارة فائقة، لأنها صدقت بكلمات الله، وكانت من القانتين.

أما الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، فقد أخبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنها أفضل من جميع نساء العالمين من الأولين والآخرين بمن فيهم مريم وآسية وسواهما، رغم كل ما قاسوه وما واجهوه مما ينبؤك عن عظيم مكانتها


/ صفحة 78 /

وبلائها لقوله(ع): إن أشد الناس بلاء هم الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل(1).

من نتائج ما تقدم:

ونستخلص مما تقدم نتائج كثيرة، نذكر منها هنا ما يلي:

1 ـ قد ظهر مما تقدم من خلال عرض ما ضربه الله مثلا: أن البيئة والمحيط ليس هو الذي يصنع شخصية الإنسان، وإن كان ربما يؤثر فيها أحيانا، إذا فقدت الرقابة الواعية، حيث يستسلم الإنسان للخضوع والخنوع.

فلا مجال إذن لقول هذا البعض: إن شخصية الزهراء عليها السلام، هي من نتاج المحيط والبيئة التي عاشتها، ولن نقبل أن يقال: إنها عليها السلام لو عاشت في محيط آخر ـ فاسد مثلا ـ لكانت قد عاشت واقع محيطها الفاسد أيضا.

2 ـ إن مواجهة مريم لضغوطات محيط الانحراف، في أشد الأمور حساسية وأهمية بالنسبة إليها، وهي لا تملك أي وسيلة مألوفة للدفاع عن نفسها، سوى هذا الإيمان الصافي، والثقة الكبيرة بالله تعالى.

ثم تحرك آسية بنت مزاحم في عمق وكر الانحراف والشرك، وفي صميم محيطه، وبيئته، لمواجهة أعتى القوى، وأكثرها استجماعا لوسائل القهر، والاغراء، والتحدي، وأشدها بغيا، وظلما، واستكبارا..

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع البحار: ج 64 ص 200. (*)


/ صفحة 79 /

إن هذا وذاك يدل على أنه لا مجال لتبرير الانحراف بضغوطات المحيط، والبيئة، أو السلطة، أو الخضوع لإرادة الزوج، وما إلى ذلك.

3 ـ قد ظهر مما تقدم: أن للمرأة كما للرجل، قوة حقيقية، وقدرة على التحكم بالقرار النهائي في أية قضية ترتبط بها، وأنها في مستوى الخطاب الإلهي، وتستطيع أن تصل إلى أرقى الدرجات التي تؤهلها لأسمى المقامات، في نطاق الكرامة والرعاية الإلهية.

4 ـ إن الاندفاع نحو إحقاق الحق، وإقامة شرائع الله، والعمل بأحكامه، والتزام طريق الهدى والخير أمر موافق للفطرة والعقل دون ريب، وإن الانحراف عن ذلك ما هو إلا تخلف عن مقتضيات الفطرة، واستخفاف بأحكام العقل، وتفريط بمعاني الإنسانية والسداد والرشاد.


الفصل الثاني
الزهراء (ع) والغيب

/ صفحة 83 /

الجوانب الغيبية في حياة الزهراء(ع):

هناك من يقول: إنه لا حاجة لنا فيما يفيض فيه التاريخ في مسألة زواج الزهراء عليها السلام، والجوانب الغيبية في ذلك الزواج، فيما احتفلت به السماء، وغير ذلك مما يتعلق بهذا الأمر، كما أنه يتحفظ على الحديث الذي يقول بوجود عناصر غيبية أو خصوصيات غير عادية في شخصية الزهراء عليها السلام، وماذا ينفع أو يضر ـ على حد تعبيره ـ أن نعرف أو نجهل: أن الزهراء(ع) نور أو ليست بنور؟

فإن هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله.

ويضيف على هذا قوله: ولا نجد إن هناك خصوصية غير الظروف التي كفلت لها النمو الروحي والعقلي، والالتزام العملي، بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو الذاتي، ولا نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبية مميزة تخرجها عن مستوى المرأة العادي، لأن ذلك لا يخضع لأي إثبات قطعي.


/ صفحة 84 /

ونقول:

إننا بالنسبة لضرورة الثقافة الغيبية نسجل ما يلي:

أولا: إن إثارة الأمور بهذه الطريقة، التي يخشى أن تسبب بإثارة صراع داخلي، من حيث أنها ترمي إلى التشكيك بضرورة الثقافة الدينية الغيبية وذلك غير مقبول ولا معقول، لأن ذلك من بديهيات الدين والعقيدة، ولا شك أن إبعاد جانب مهم جدا من قضايا الدين والإيمان عن دائرة الاهتمام، بطريقة التسويف أو التسخيف، أو التقليل من أهميته، يعتبر تقويضا لركن مهم من أركان الدين، وهو إرباك حقيقي للفكر الإسلامي الرائد، وهو يستبطن وضع علامات استفهام على الكثير من مفردات المعارف الدينية الأخرى، الأمر الذي سينتهي إلى أن يضعف إيمان الناس، وأن تنحسر معرفتهم بالله سبحانه وتعالى وبرسله وأصفيائه، ويتزعزع واقع اعتقادهم بحقائق الإسلام والإيمان، ويثير تساؤلات كثيرة حول أمور كان الأجدر أن لا يثار حولها جدل غير منهجي ولا علمي، حيث لا ينتج عن ذلك إلا إرباك الحالة العامة، وصرف إهتمامات الناس إلى اتجاهات بعيدة عن الواقعية، وعن التفكير الجدي في أمور مصيرية، تهدد مستقبلهم ووجودهم، وتبعدهم عن التخطيط والعمل لمواجهة الأخطار الجسام التي تنتظرهم في حلبة الصراع مع قوى الحقد والاستكبار، التي لا بد من تشابك الأيدي، وتضافر الجهود في مواجهتها.

عصمنا الله من الخطل والزلل في الفكر والقول والعمل إنه ولي قدير، وبالإجابة حري وجدير.

ثانيا: لا شك في أن النصوص التي تثبت عناية إلهية، ورعاية


/ صفحة 85 /

غيبية للزهراء، بل كرامات ومعجزات(1)، وميزات لها، هي بدرجة من الكثرة تفقد الإقدام على إنكارها مبررة من الناحيتين العلمية والوجدانية.

وإذا كان هذا الحجم من النصوص لا يثبت ميزة وكرامة ورعاية غيبية، فلا مجال بعد لإثبات أية حقيقية إسلامية أخرى.

وقد سبقه المعتزلة إلى إنكار كرامات الأولياء، بحجة اشتباهها بمعجزات الأنبياء، فلا يعرف النبي من غير النبي (2).

ولم يلتفتوا إلى أن ظهور الكرامة إنما هو للولي الذي يلتزم خط الإيمان بصورة يمتنع معها من ادعائه النبوة، وإلا فإنه ليس بولي ولا يستحق كرامة الله، ولن يظهر الله له هذه الكرامة يوما.

ثالثا: قال الله سبحانه وتعالى: {ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون}(3).

ومما لا شك فيه أن للأمور الغيبية تأثيرا قويا على الحالة الإيمانية للإنسان المسلم، وأن الغيب هو من الأمور الأساسية في موضوع الإيمان، الذي يريده الله سبحانه من عباده.

ــــــــــــــــــــ

(1) فقد ذكر أبو الصلاح الحلبي في الكافي: ص 102 و 103 أن المعجزات تظهر لغير الأنبياء أيضا، ولا يقتصر الأمر فيها على التحدي للأنبياء في نبوتهم ـ كما يحاول البعض أن يدعيه ـ وقد مثل لذلك أبو الصلاح بقصة آصف بن برخيا ومجيئه بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف. وما ظهر لمريم من معجزات كحصولها على الرزق ومعجزات تلاميذ عيسى، وغير ذلك.

(2) شرح عقائد النسفي للتفتازاني: ص 177.

(3) سورة البقرة: 1 و 3. (*)


/ صفحة 86 /

كما أن مما لا شك فيه أيضا: أنه لا يكفي في الإيمان بالغيب أن يكون مجرد إحساس مبهم وغامض بوجود غوامض ومبهمات في بعض جوانب الحياة، ثم شعور بالعجز عن نيل تلك الغوامض، ومن ثم شعور بالخوف والخشية منها.

ولا يكفي أيضا في تحقق الإيمان، بحد ذاته، وبكل حالاته ومفرداته، غيبية كانت أو غيرها مجرد الحصول على قناعات فكرية جافة، ومعادلات رياضية، تستقر في عقل ووعي الإنسان ليرسم على أساس ذلك خريطة سلوكية، أو حياتية منفصلة عن الغيب، أو غير منسجمة أو متناغمة معه، لا يكفي هذا ولا ذاك، فإن الإيمان فعل اختياري، يتجدد، ويستمر حيث إن الله سبحانه قال: {يؤمنون} ولم يقل آمنوا، ليفيد بالفعل المضارع التجدد، والاستمرار أي أنهم يختارون هذا الإيمان، ويحدثونه، ويوجدونه، ويجسدونه باستمرار.

وإذا كان من الواضح أيضا: أن الخشية من المجهول، والاحساس المبهم بالأمور الغائبة عن حواسنا ليس إيمانا، بل هو ينافي الإيمان الذي هو عقد القلب على أمر، واحتضانه له بعطف وحنان، ومحبة وتفهم، ثم سكون هذا القلب إلى ما يحتضنه، واطمئنانه إليه، ومعه، ورضاه به، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} و {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية}.

إذا كان الأمر كذلك:

وحيث لا يمكن احتضان الفراغ ولا السكون إليه، أو الرضا به فلا بد من توفر الدلالة القريبة على ذلك الغامض، والتجسيد له في وعي الإنسان، لكي يخرج عن حالته الغيبية في الواقع الايماني والشعوري، ويصبح شهودا إيمانيا، وإن كان في واقعه وكينونته لا


/ صفحة 87 /

يلتقي مع الحس، ولا يظهر عليه، بل يبقى منفصلا وغائبا عنه.

ومن هنا: تبرز ضرورة ربط هذا الغيب بالواقع الموضوعي، ليصبح بذلك أشد تأثيرا في الوعي، وأكثر رسوخا وتجذرا في الإيمان، حيث تخرجه تلك المفردات المعبرة عنه والمشيرة إليه، عن أن يكون مجرد حالة غائمة وهائمة، ليصبح أكثر تركيزا وتحديدا إلى درجة التجسيد الحقيقي للمعنى الغيبي، الذي يهيئ للانسان أن يعقد قلبه عليه، ليكون ذلك المسلم المؤمن بالغيب، وفق ما يريده الله سبحانه، وعلى أساس الخطة الإلهية لتحقيق ذلك، وبذلك نستطيع أن نفهم بعمق مغزى قول علي عليه الصلاة والسلام: "لو كشف لي الغطاء، ما ازددت يقينا"(1).

وحين سئل عليه السلام عن أنه كيف يعبد ربا لم يره، أجاب: ما كنت لأعبد ربا لم أره، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، وإنما رأته القلوب بحقائق الإيمان (2).

ولأجل ذلك: أيضا تطمئن القلوب بذكر الله سبحانه {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فإن القلب لا ينال حقيقة الذات الإلهية نفسها، بل ينال آثارها وأفعالها ويطمئن بذكر الله سبحانه، وقد قال الله سبحانه: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}(3)، و {إقرأ بسم ربك الذي خلق}(4)، و {بسم الله الرحمن الرحيم}.

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 40 ص 153 و ج 46 ص 135.

(2) البحار: ج 4 ص 27 و 32 و 33 و 44 و 52 و 54 و 304 و ج 10 ص 118 و ج 36 ص 406.

(3) سورة الأعراف: 180.

(4) سورة العلق: 1. (*)


/ صفحة 88 /

فيتضح من جميع ما تقدم: أن الإسلام حين ألزم بالإيمان بالغيب، فإنه لم يرده غيبا هائما، وخاويا ومبهما، بل أراده الغيب الهادف والواعي، الذي يتجسد على صفحة القلب والنفس، ويزيد وضوحا وتجذرا ورسوخا، من خلال الوسائل التي أراد الله سبحانه أن ينقل بواسطتها العنصر الغيبي إلى وعينا ليستقر فيه مقترنا بها، ومعتمدا عليها، ومستندا إليها.

فالثقافة الغيبية إذن، من شأنها أن تبعد الإيمان بالغيب، عن أن يكون حالة خوف من المجهول، ليكون الغيب شهودا قلبيا حقيقيا، يعقد عليه القلب، ويتقوم به الإيمان، وتخضع له المشاعر، وينطلق ليصبح حياة في الوجدان، ويقظة في الضمير، وليكون موقفا، وحركة وسلوكا، وسجية وبادرة عفوية صريحة وخالصة.

مع أنه في الوقت نفسه لا يزال هذا الغيب منفصلا على إحساس الحواس، حيث لا يمكنها أن تناله، وتبقى عاجزة حياله، إذ هو متصل بما هو أسمى منها، ويغنيه عنها، مستمسك بأسبابه، ومنطلق في رحابه.

وبنظرة إجمالية على الوسائل والدلائل التي تجسد هذا الغيب في قلب الإنسان، وتحوله إلى عنصر إيماني مؤثر وفاعل... نجد: أن الإسلام في تعاطيه التربوي مع هذه الناحية الحساسة، قد أراد للغيب أن ينطلق من بوتقة الفكر والوعي ليستقر في القلب، وليحتضنه هذا القلب بحنان ليجد معه الرضا والسكينة، وليهوم ـ من ثم ـ في رحاب الروح، في تفاعل مشاعري، وعاطفي متوهج وعارم.

ثم هو لا يزال يسري في كل كيان الإنسان، ليصوغ أحاسيسه، ومشاعره، وليصبح من ثم سمعه وبصره، وفكره، وبسمته،


/ صفحة 89 /

ولغته ولفتته العفوية، وسلوكه، وموقفه، بل كل شئ في حياته.

ولأجل ذلك كله، كان لا بد أن يمتزج الفكر بالعاطفة، لتصبح مأساة الزهراء، وذكرى الحسين (ع) في عاشوراء، ومأساة طفله الرضيع و.. جزءا من الحقيقة الايمانية، وهكذا يصبح كل ما قاله الرسول (ص) والأئمة الطاهرون عليهم السلام يمثل ضرورة ثقافية لاستكمال الإيمان بحقائق الإسلام، ومنها الإيمان بالغيب.

فلا غرو إذن أن يتجسد هذا المعنى الغيبي معجزة وكرامة إلهية وواقعا حيا ومؤثرا في وعي الإنسان ـ يتجسد ـ بالحجر الأسود، حيث أودعه الله مواثيق الخلائق، وبالإسراء والمعراج، وباستقرار يونس في بطن الحوت، وفي حديث النملة، حيث تبسم سليمان ضاحكا من قولها، وبالإتيان له بعرش بلقيس من اليمن قبل ارتداد طرفه إليه، وبحديث فاطمة مع أمها وهي في بطنها، وبأعراس السماء بمناسبة زواجها من علي(ع)، وبحديث الملك معها حتى كتب علي(ع) عنه "مصحف فاطمة".

وبأن الملائكة كانت تناديها كما تنادى مريم ابنة عمران، فتقول: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك الخ.. فسميت "محدثة لأجل ذلك"(1).

ولا غرو أن يتجسد لنا هذا الغيب في أن فاطمة نور، وبأنها حوراء إنسية قد خلقت من ثمر الجنة (2)، الذي يمتاز عن ثمر الدنيا

ــــــــــــــــــــ

(1) كشف الغمة: ج 2 ص 94. ودلائل الإمامة: ص 56 وراجع: علل الشرائع: ج 1 ص 182 و 183 وروضة المتين: ج 5 ص 345.

(2) راجع: علل الشرائع: ج 1 ص 182 و 184 ومصادر ذلك كثيرة جدا لا مجال لتعدادها. (*)


/ صفحة 90 /

بنقائه وصفائه وخلوصه وطهره، وقد زادته فاطمة صفاء على صفاء، وطهرا على طهر، بما بذلته من جهد موفق من خلال معرفتها بالله، وما نالته من إشراف على أسرار الخلق ونواميس الحياة، ففازت بالتأييد والتسديد واللطف الإلهي، فكانت المرأة المعصومة التي يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها، حتى باتت سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، إلى غير ذلك من أمور دلت على أن لها(ع) ارتباطا وثيقا بالغيب، ومقاما وموقعا، وكرامة إلهية، لا تنالها عقولنا، ولا تصل إليها أفهامنا.

فيتضح مما تقدم: أنه إذا تجسد هذا الغيب برموز معينة، كأنبياء الله، وأصفيائه، وأوليائه وأصحاب كراماته، وبما لهم من مآثر وكرامات، وبرموز كثيرة أخرى، فإن قلوبنا ستحتضنها وستحتضن معها الغيب المودع فيها لتكون محور الإيمان ومعقد القلب لتعيش حالة السكينة والرضا أرواحنا، ولتحنو عليها مشاعرنا، فتدغدغ أحاسيسنا، ويكون العلم بذلك كله ينفع من علمه، والجهل به يضر من جهله بدرجة كبيرة وخطيرة.

وليس بالضرورة أن يستتبع اختلاف مفردات تجسيد الغيب في الأشخاص كالأنبياء والأوصياء والأولياء تفاضلا لهذا على ذاك أو بالعكس، إذ قد تكون طبيعة المرحلة، أو ظروف معينة هي التي فرضت هذه الخصوصية الغيبية هنا وتلك هناك.

أما التفاضل فله معاييره الخاصة به، التي نطق بها القرآن العظيم، والرسول الكريم(1)، وليس هذا منها فكل هذه الغيوب

ــــــــــــــــــــ

(1) فإن مقامات الأنبياء والأوصياء درجات، بحسب درجات معرفتهم التي تستتبع مزيدا من الخلوص والخشية، والجهد، والقرب إلى الله، ونيل درجات، والرضا والزلفى. (*)


/ صفحة 91 /

المرتبطة بالزهراء عليها السلام وبغيرها هي جزء من هذا الدين، ولها أهميتها البالغة في صياغة الشخصية الايمانية، والإنسانية، والرسالية، بما لها من خصائص تحقق للانسان وجوده، وتخصصه، وتميزه، وتجعله على درجة عالية من الصفاء والنقاء والطهر، كما أنها تحقق درجة من الارتباط الوجداني بأولياء الله وأصفيائه، والمزيد من الحب لهم وبهم، والتفاعل الضميري والوجداني مع كل ما يقولون وما يفعلون.

وقد أخبر الأئمة (ع) بعض الخلص من أصحابهم ببعض الغيوب، من أمثال ميثم التمار، وزرارة، ومحمد بن مسلم، وغيرهم، فما أنفع الغيوب لمن علمها وتعلمها، وما أروع هذه الكرامات، وما أجلها وأشد تأثيرها، وما أعظم الحاجة إليها، وما أروع القرآن العظيم، وهو يركز على كثير من المفردات التي تدخل في هذا السياق، معلنا بذلك أهميتها البالغة، في بناء الشخصية الإنسانية والإيمانية والرسالية.

الارتباط الفكري لا يكفي:

فلا يصح إذن ما يردده البعض من أن المطلوب هو مجرد الارتباط الفكري بهم(ع) من خلال معرفتنا بسياساتهم، وأنماط سلوكهم الشخصي، وبأنشطتهم الاجتماعية ليكونوا لنا أسوة وقدوة على طريقة التقليد والمحاكاة، وليثير ذلك فينا حالة من الزهو والإعجاب بهم كأشخاص، كإعجابنا بغيرهم من العباقرة والمفكرين، مثل أديسون أو ابن سينا.

إذ أن المطلوب هو الارتباط الفكري، والضميري، والوجداني الذي تشارك فيه المشاعر، وتستجيب له الأحاسيس بعفوية وانقياد،


/ صفحة 92 /

ويهتز له كل كيان الإنسان وعمق وجوده بطواعية واستسلام.

المطلوب هو أن يدخل هؤلاء الأصفياء إلى قلوبنا ليكونوا حياة لها، وإلى أرواحنا لتكون أكثر توهجا وتألقا، وإلى نفوسنا لتصبح أكثر صفاء ونقاء وخلوصا.

المطلوب هو أن يكون لهم الحظ الأوفر في صياغة شخصيتنا الايمانية وأن يسهموا في صنع مشاعرنا وتكوين أحاسيسنا.

ولنستبعد نهائيا إذن مقولة: هذا علم لا ينفع من علمه، ولا يضر من جهله، فإنها مقولة مضرة بالتأكيد لا تجلب لنا إلا الخسران، والبوار والخيبة.

ولو غضضنا النظر عن ذلك كله، فإن ميزان النفع والضرر الذي يتحدثون عنه غير واضح المعالم، فهو يختلف في حالاته وموارده، فقد يكون الحديث عن الطب غير نافع للنجار في مهنته، والحديث عن الفلك غير نافع للحداد، أو الحائك في حرفته، أو للإداري في دائرة عمله..

لكن الأمر بالنسبة لقضايا الإيمان والسلوك ليس بالضرورة من هذا القبيل وإن كانت درجات المعرفة ومقتضياتها تختلف من شخص لآخر على قاعدة: أمرنا أن نحدث الناس على قدر عقولهم.

تنزه الزهراء(ع) عن الطمث والنفاس:

يقول البعض: "إن عدم رؤية السيدة الزهراء للعادة الشهرية يعتبر حالة مرضية تحتاج إلى العلاج؟ أو هي على الأقل حالة نقص في


/ صفحة 93 /

أنوثتها وفي شخصيتها كامرأة، ولا يمكن عدها من كراماتها وفضائلها، وكذا الحال بالنسبة للنفاس".

بل يصف هذا البعض القول بتنزه الزهراء عن الطمث والنفاس بأنه من السخافات.

ونقول:

أولا: قد يحدث لبعض النساء ـ وإن كان ذلك قليلا ـ أن لا ترى دما حين الولادة، أو ترى شيئا يسيرا منه، ولا يعد ذلك نقصا في أنوثتها وشخصيتها كامرأة. وأما بالنسبة لتنزه الزهراء(ع) عن العادة الشهرية، فإننا نقول:

إن الخروج عن مضائق الطبيعة لا يعد نقصا، بل هو كرامة وفضل، ككرامة مريم عليها السلام حيث حملت بعيسى(ع) ولم يمسسها بشر، وزوجة إبراهيم(ع) أيضا قد حملت وهي عجوز، وحملت زوجة زكريا(ع) وهي عاقر.

وأمثال ذلك من الكرامات وخوارق العادات كثير..

وإن تنزه الزهراء(ع) عن ذلك يشير إلى علو مقامها، وإلى خصوصية تميزها عن كل من سواها، ما دام أن المحيض من الأذى، كما قال سبحانه(1).

وحصول هذا الأذى للمرأة يجعلها في حرج وفي وضع نفسي وجسدي غير طبيعي. إنه اعتلال للمرأة، كما في بعض الروايات،

ــــــــــــــــــــ

(1) قال تعالى: {ويسألونك عن المحيض. قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض} سورة البقرة: 222. (*)


/ صفحة 94 /

وحالة مرضية لها ـ كما يذكره الأطباء في أبحاثهم حول هذا الموضوع ـ وهو يقعدها عن الصوم، وعن الصلاة، ويمنعها من الدخول إلى المساجد، وما إلى ذلك من أمور تشير إلى أن المرأة ليست في وضع يمكنها من أن تعيش الأجواء الروحية بكل حيويتها، وصفائها، ونقائها، وقوتها..

إن هذا الحدث المستمر الذي لا يرفعه وضوء ولا غسل ولا تيمم، إلى أن يرتفع هو بنفسه ويزول. قد نزه الله عنه سيدة النساء التي طهرها الله من الرجس تطهيرا، إكراما لها، وحرصا على تأكيد تميزها عن كل من عداها، وتخصيصها من الله سبحانه بفضيلة وكرامة، دون أن يكون في ذلك أي تغيير في طبيعتها الأنثوية، والله تعالى هو مسبب الأسباب، وهو القادر على أن يتجاوز قانون العلية والتسبيب، لا بالخروج عنه وتحطيمه، وإنما بقانون العلية نفسه، حيث إنه تعالى يوجد حتى معجزات الأنبياء، بواسطة أسباب وعلل لها، استأثر بعلمه بها، في حين أن البشر لم يطلعوا عليها، ولا هي معهودة لديهم، وهذا هو معنى خرق العادة الذي يتحدثون عنه في موضوع المعجزات والخوارق.

ولعل ذلك أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بيان، أو إلى إقامة دليل أو برهان.

ثانيا: إن اعتبار القول بتنزيه الزهراء عن الحيض والنفاس من السخف غير مقبول ممن يتعبد ويعمل بأقوال النبي (ص)، بل والأئمة (ع) لأن كل ما يقوله النبي (ص) والأئمة الطاهرون(ع) لا يمكن أن يكون سخيفا على الإطلاق، ولا غير نافع لمن علمه.

وقد روي ذلك التنزه من طرق الشيعة والسنة عن رسول الله


/ صفحة 95 /

(ص) وعن الأئمة الطاهرين في نصوص كثيرة، تخرج عن حد الاستفاضة لتصل إلى حد التواتر، وهي تدل على أن الله سبحانه قد نزه الزهراء عليها السلام عن رؤية دم الحيض والنفاس.

ونذكر من هذه الروايات ما يلي:

1 ـ عن النبي (ص): إنما سميت فاطمة " البتول " لأنها تبتلت من الحيض والنفاس(1).

2 ـ وعنه (ص): أن ابنتي فاطمة حوراء لم تحض، ولم تطمث (2).

3 ـ وروى الصدوق بسنده عن عمر بن علي(ع) عن أبيه علي(ع): أن النبي (ص) سئل ما البتول؟! فإنا سمعناك يا رسول الله تقول: إن مريم بتول، وفاطمة بتول؟

قال: البتول التي لن (لم) تر حمرة قط ـ أي لم تحض ـ فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) ينابيع المودة: ص 260 وإحقاق الحق (الملحقات): ج 10 ص 25 عنه وعن مودة القربى: ص 103.

(2) ذخائر العقبى ص 26 وشرح بهجة المحافل ج 2 ص 138. وراجع: عوالم العلوم: ج 11 ص 54 وفي هامشه عن: تاريخ بغداد: ج 12 ص 331 وعن كنز العمال: ج 12 ص 109 ح 3426 وعن مصادر كثيرة أخرى، وإسعاف الراغبين ومطبوع بهامش نور الأبصار: ص 173.

(3) معاني الأخبار: ص 64 ومناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 330 عن أبي صالح المؤذن في الأربعين وتاج المواليد: ص 20 وكشف الغمة: ج 2 ص 90 والبحار ج 43 ص 16 / 15 راجع: ج 78 ص 112 عنهما، وينابيع المودة: ص 260 ومستدرك الوسائل: ج 2 ص 37. وعلل الشرائع: ج 1 ص 181 وعن مصباح الأنوار: ص 223 ومصباح الكفعمي: ص 659 وروضة الواعظين: ص 149 (*)


/ صفحة 96 /

4 ـ وروى القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن العباس بن بكار، عن عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك، عن أمه، قالت ما رأت فاطمة دما في حيض، ولا في نفاس(1).

5 ـ وروي عن أبي جعفر عن آبائه(ع): أنها عليها السلام إنما سميت "الطاهرة" لعدة أمور، ومنها: "وما رأت قط يوما حمرة ولا نفاسا"(2).

6 ـ الصادق عليه السلام: تدري أي شئ تفسير فاطمة؟!

قال: فطمت من الشر، ويقال: إنما سميت فاطمة لأنها فطمت من الطمث (3).

7 ـ وقال (ص) لعائشة: يا حميراء، إن فاطمة ليست كنساء الآدميين، لا تعتل كما تعتلن وفي لفظ آخر: كما يعتللن(4).

8 ـ وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: حرم الله النساء

ــــــــــــــــــــ

(هامش تابع للصفحة السابقة) ودلائل الإمامة: ص 55 والروضة الفيحاء في تواريخ النساء: ص 252 وحبيب السير: ج 1 ص 433 وضياء العالمين " مخطوط ": ج 2 ق 3 ص 7 وإحقاق الحق: ج 10 ص 25 و 310 و ج 19 ص 11 عن مصادر أخرى والعوالم: ج 1 ص 641 وراجع: إعلام الورى: ص 148.

(1) الأمالي للصدوق: ص 154 والبحار: ج 43 ص 21 وراجع: العوالم: ج 11 ص 153 وفي هامشه عن العديد من المصادر.

(2) البحار: ج 43 ص 19 عن مصباح الأنوار وعوالم العلوم: ج 11 ص 66.

(3) مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 330، والبحار: ج 43 ص 16.

(4) المصدران السابقان ومجمع الزوائد: ج 9 ص 202 عن الطبراني وإعلام الورى: ص 148 ومرآة العقول: ج 5 ص 345 والطرائف: ص 111 والعوالم (قسم حياة الزهراء): ص 64 وضياء العالمين " مخطوط ": ج 2 ق 4 ص 7. (*)


/ صفحة 97 /

على علي(ع) ما دامت فاطمة حية، لأنها طاهرة لا تحيض(1).

ولصاحب البحار شيخ الإسلام العالمة المجلسي الثاني كلام جيد يتعلق بهذا الأمر فليراجع.. ثمة.

9 ـ عن عائشة قالت: إذا أقبلت فاطمة كانت مشيتها مشية رسول الله (ص): وكانت لا تحيض قط، لأنها خلقت من تفاحة الجنة(2).

10 ـ وفي دلائل الإمامة بأسناده عن أسماء بنت عميس، قالت: قال لي رسول الله، وقد كنت شهدت فاطمة، وقد ولدت بعض ولدها فلم نر لها دما، فقلت يا رسول الله (ص): إن فاطمة ولدت ولم نر لها دما؟

فقال رسول الله (ص): يا؟؟؟ إن فاطمة خست حورية إنسية(3).

11 ـ وعن علي عليه السلام قال رسول الله (ص) إن فاطمة

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 64 ومناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 330 والبحار: ج 43 ص 16 و 153 عنه وعن أمالى الطوسي: ج؟ ص 42 ومستدرك الوسائل: ج 2 ص 42. وراجع: التهذيب: ج 7 ص 475 وبشارة المصطفى: ص 306 وراجع: عوالم العلوم ج 11 ص 66 3870. وضياء العالمين " مخطوط ": ج 2 ق 3 ص 7..

(2) أخبار الدول: ص 87 ط بغداد على ما في إحقاق الحق (ملحقات): ج 10 ص 244. وراجع: عوالم العلوم: ج؟؟؟ ص 60.

(3) دلائل الإمامة: ص 53 و 55 والبحار: ج 78 ص 112 وراجع ج 43 ص 7 عن كشف الغمة.(*)


/ صفحة 98 /

خلقت حورية في صورة أنسية، وإن بنات الأنبياء لا يحضن(1).

12 ـ وفي رواية عن أبي جعفر: " فسماها فاطمة، ثم قال: إني فطمتك بالعلم، وفطمتك عن الطمث "، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: والله، لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم، وعن الطمث بالميثاق (2).

وقد وصف المجلسي الأول هذا الخبر بالقوي (3).

13 ـ وروى الصدوق رحمه الله عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم عن أبي جميلة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن بنات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يطمثن إنما الطمث عقوبة الخ.. (4).

14 ـ وعن أبي عبد الله(ع) قال: إن بنات الأنبياء لا يحضن (5).

15 ـ قال السيوطي: " من خصائص فاطمة(ع) أنها كانت لا

ــــــــــــــــــــ

(1) دلائل الإمامة: ص 52، والبحار ج 78 ص 112 ومستدرك الوسائل: ج 2 ص 37.

(2) البحار: ج 43 ص 13 عن مصباح الأنوار وكشف الغمة: ج 2 ص 89. وعلل الشرائع: ص 179 وعوالم العلوم: ج 11 ص 55 وفي هامشه عن المصادر التالية: الكافي: ج 1 ص 46 والمحتضر: ص 132 و 138 والمختصر: ص 172 و 218 وغير ذلك.

(3) روضة المتقين: ج 5 ص 349.

(4) علل الشرائع: ج 1 ص 290 ح 1 والبحار: ج 43 ص 25 و ج 12 ص 107 و ج 81 ص 81. وعوالم العلوم: ج 11 ص 153 ومستدرك الوسائل: ج 2 ص 38.

(5) الخرائج والجرائح: ج 2 ص 527. (*)


/ صفحة 99 /

تحيض "(1).

16 ـ وقال الصبان: " سميت الزهراء أي الطاهرة، فإنها لم تر لها دما في حيض ولا في ولادة " (2).

17 ـ وروي في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله قال: وسميت فاطمة بتولا، لأنها تبتلت وتقطعت عما هو معتاد العورات في كل شهر الخ.. (3).

18 ـ عن أسماء بنت عميس، قالت: قبلت فاطمة عليها السلام، فلم أر لها دما، فقلت: يا رسول الله، إني لم أر لفاطمة دما في حيض ولا نفاس.

فقال لها رسول الله (ص): أما علمت أن ابنتي طاهرة مطهرة لا يرى لها دم في طمث، ولا في ولادة (4).

19 ـ وقال في عمدة الأخبار: مولد الحسن بن علي عليه السلام في منتصف رمضان، وعلقت أمه بالحسين عليه السلام عقب الولادة بالحسن عليه السلام، لأن فاطمة عليها السلام لا ترى طمثا

ــــــــــــــــــــ

(1) إحقاق الحق (الملحقات): ج 10 ص 309 عن الشرف المؤبد السيوطي وراجع: عوالم العلوم: ج 11 ص 63.

(2) راجع: إسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار): ص 172، ونسب ذلك إلى المحب الطبري، وإلى صاحب الفتاوى الظهيرية الحنفي.

(3) إحقاق الحق: ج 10 ص 25 عن المناقب المرتضوية: ص 78 وعوالم العلوم: ج 11 ص 64.

(4) راجع: العوالم (حياة الزهراء): ص 66 و 153 عن صحيفة الرضا(ع) وذخائر العقبى: ص 44 وإتحاف السائل: ص 90 وتاريخ الخميس: ج 1 ص 417 ونزهة المجالس: ج 2 ص 183، وضياء العالمين " مخطوط ": ج 2 ق 3 ص 7. (*)


/ صفحة 100 /

ولا نفاسا(1).

20 ـ وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): إن ابنتي فاطمة حوراء، إذ لم تحض، ولم تطمث.

قال المحب الطبري: الطمث، الحيض، وكرر لاختلاف اللفظ (2).

21 ـ وفي الصحيح: عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن عليه السلام، قال: إن فاطمة صديقة شهيدة، وإن بنات الأنبياء لا يطمثن (3).

22 ـ عن أنس بن مالك، عن أم سليم زوجة أبي طلحة الأنصاري: أنها قالت: لم تر فاطمة (ع) دما قط في حيض ولا نفاس، وكانت من ماء الجنة، وذلك إن رسول الله (ص) لما أسري به دخل الجنة، وأكل من فاكهة الجنة، وشرب من ماء الجنة " رواه أيضا عن النبي" (4).

23 ـ وقد روي عنهم عليهم السلام: أن سبيل أمهات الأئمة عليهم السلام سبيل فاطمة عليها السلام في ارتفاع الحيض عنهن إلخ..(5).

ــــــــــــــــــــ

(1) العوالم (حياة الزهراء): ص 66 عن عمدة الأخبار: ص 349.

(2) ذخائر العقبى: ص 26 عن النسائي. وفرائد السمطين: ج 2 ص 48 وراجع تاريخ بغداد: ج 12 ص 331.

(3) روضة المتقين: ج 5 ص 342 والكافي: ج 1 ص 458.

(4) إعلام الورى: ص 148.

(5) تاج المواليد للطبرسي: ص 20 مطبوع ضمن مجموعة رسائل نفيسة، انتشارات بصيرتي ـ قم ـ ايران. (*)


/ صفحة 101 /

24 ـ وعن النبي (ص) ـ مرسلا ـ أنه قال: إن فاطمة ليست كإحداكن، إنها لا ترى دما في حيض ولا نفاس، كالحورية(1).

تأويل النصوص:

وحين تواجه البعض، هذه النصوص الكثيرة في أمر كهذا، فيقع في حيرة من أمره، حيث لا مجال له لردها، لأنها متواترة أو تكاد، فإنه يقول لك: إن اللازم هو تأويل هذه النصوص، تماما كما هو الحال بالنسبة للنصوص الدالة على الرجعة، أو غيرها..

ونقول:

إنه لا مجال للتأويل، لا في هذه النصوص ولا في تلك، بل علينا ـ إذا لم نستطع فهمها ـ أن نرد علمها إلى الله، كما قاله الخواجوئي المازندراني، وهو يتحدث عن موضوع الرجعة، وإليك عبارته:

"وليس ينبغي أن يعجب من ذلك، فالأمور المجهولة العلل لا يعجب منها. ألا يرى إلى قول سيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ـ وقد سبق ـ: هذا علم يسع الناس جهله، ورد علمه إلى الله؟! على أن بعضه كفوز الأولياء بثواب النصرة والمعونة، وبهجتهم بظهور الدولة والسلطنة، وكالانتقام من الأعداء، ونيل بعض ما يستحقونه من العقاب والعذاب في الدنيا، إلى غير ذلك، مذكور في

ــــــــــــــــــــ

(1) رواه الصدوق في كتاب الفقيه باب غسل الحيض من كتاب الطهارة. (*)


/ صفحة 102 /

الأخبار الخ.."(1).

نعم لا مجال للتأويل، وذلك لما يلي:

1 ـ إن النص إذا تضمن أمرا توقيفيا، لا مسرح للعقل فيه، ولا يخالف الثوابت العقلية ولا الدينية، فلا بد من قبوله.

2 ـ إذا لم نفهم نحن هذا النص، ولم نستطع إدراك الحكمة فيه، فليس لنا أن نرده، وليس لنا أن نأوله، إذ قد يأتي زمان تترقى فيه قوانا الفكرية، وعقولنا، ويزيد فيه علمنا، ونعرف الحكمة فيه. وقد تمر عشرات السنين بل المئات ليقطع البشر شوطا بعيدا في التقدم الفكري والعلمي ليمكن لنا أن تتحقق من السر أو من الحكمة، أو من المعنى الدقيق لبعض النصوص.

ونحن إنما فهمنا العديد من معاني آيات القرآن الكريم، كالآيات الكونية وسواها في هذا القرن العشرين، وفي خصوص هذين العقدين الأخيرين وما لم نفهمه أكثر.

3 ـ إن تأويل النص إنما يتم في صورة ما لو جاء مخالفا في ظاهره البدوي لما يحكم به العقل، أو مخالفا للثوابت والمسلمات الشرعية وغيرها، شرط أن يكون هذا التأويل مقبولا ومعقولا وممكنا.

4 ـ إذا كان النص الوارد غير قابل للتأويل المقبول عند أهل اللسان. وكان نصا صريحا مخالفا للمسلمات، العقلية والشرعية، ومخالفا لصريح القرآن، فلا بد حينئذ من رفضه، ورده، وضربه على الجدار، للعلم حينئذ بأن المعصوم لم يقله، ولم يتفوه به.

ــــــــــــــــــــ

(1) الرسائل الاعتقادية: ص 115. (*)


/ صفحة 103 /

وهكذا يتضح: أن الاستناد إلى الاستبعادات والاستحسانات في أمور ترتبط بالغيب، وما لا طريق لنا إلى الإطلاع عليه، وكذا عدم القدرة على تعقل أو فهم بعض الأمور، الواردة في النصوص، لا يبرر رفض النص، ولا يلزمنا بتأويله، وذلك واضح وظاهر(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) الرجعة المثال الآخر: ويشبه ما نحن فيه، ما يقوله البعض عن موضوع الرجعة أيضا وذلك لأن من الواضح أن هناك أمورا تثبت الإجماع أو بالدليل العقلي، وهما دليلان لبيان ولا مجال للتأويل في الدليل اللبي، كما ذكره السيد المرتضى (قدس سره) ردا على من قال بلزوم تأويل أحاديث الرجعة برجوع الدولة، والأمر والنهي، حيث قال ما لفظه: "إن قوما من الشيعة لما عجزوا عن نصرة الرجعة، وبيان جوازها وأنها تنافي التكليف عولوا على هذا التأويل للأخبار الواردة بالرجعة.

وهذا منهم غير صحيح، لأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة، فيطرق التأويلات عليها، فكيف يثبت ما هو مقطوع على صحته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم؟

وإنما المعول في إثبات الرجعة على إجماع الإمامية على معناها، بأن الله تعالى يحيي أمواتا عند قيام القائم(ع)، من أوليائه وأعدائه على ما بيناه، فكيف يطرق التأويل على ما هو معلوم " رسائل الشريف المرتضى ج 1 ص 126.

فالسيد المرتضى رحمه الله يقول إذن:

1 ـ إن الرجعة ثابتة بإجماع الإمامية.

2 ـ إن الإجماع دليل لبي، والدليل اللبي غير قابل للتأويل، لأنه ليس من النصوص ليمكن تأويله.

3 ـ إن الذين خالفوا، إنما خالفوا بعد القطع بتحقق إجماع الإمامية على هذا الأمر، فلا تضر مخالفتهم الإجماع، بل هو يحتج عليهم به، ويلزمهم (*)  =


/ صفحة 104 /

ــــــــــــــــــــ

(هامش تابع للصفحة السابقة) = بموافقته، وباعتماده.

4 ـ إن الرجعة ليست من المدركات العقلية، ليحتكم فيها إلى العقل، أو لكي يسأل العقل عنها، بل هي أمر غيبي لا يعرف إلا بالنقل أو الإجماع الكاشف عن إبلاغ المعصوم لهذا الأمر للناس، وإجماع المجمعين ـ كما يقول السيد المرتضى ـ قد كشف لنا عن معرفتهم بهذا الأمر التوقيفي، الذي أخذوه عن المعصومين(ع).

وإذا كانت الرجعة ثابتة بالأخبار المتواترة، فإن ما ذكرناه من عدم جواز الالتجاء إلى تأويل أخبارها، إلا إذا صادمت الحكم العقلي الفطري، وهي لا تصادمه، قطعا، غاية ما هناك عجز بعضهم عن إدراك مغزاها، وذلك لا يبرر تأويل أخبارها كما قلنا.

إن هذا الذي ذكرناه جار هنا ولا مجال لإنكاره. وللتدليل على ما ذكرناه من ثبوت الرجعة بالدليل القطعي، نذكر هنا كلام بعض الأعلام.

فنقول:

قال ابن البراج في كتابه جواهر الفقه ص 250، وهو يعدد العقائد الجعفرية: يرجع نبينا وأئمتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الأمم السابقة واللاحقة، لإظهار دولتهم وحقهم، وبه قطعت المتواترات من الروايات والآيات.

ويقول: السيد عبد الله شبر في كتابه حق اليقين ص 2 و 3: إعلم أن ثبوت الرجعة مما اجتمعت عليه السنة الحقة والفرقة المحقة، بل هي من ضروريات مذهبهم، وقال العلامة المجلسي رحمه الله: أجمعت الشيعة على ثبوت الرجعة في جميع الأعصار واشتهرت بهم كالشمس في رابعة النهار حتى نظمتها في أشعارهم واحتجوا بها على المخالفين في جميع أمصارهم وشنع أعداءهم عليهم في ذلك وأثبتوه في كتبهم وأسفارهم منهم الرازي والنيشابوري؟؟؟ غيرهما. وكيف يشك مؤمن بأحقية الأئمة الأطهار فيما تواترت = (*)


/ صفحة 105 /

ــــــــــــــــــــ

(تابع هامش الصفحة السابقة) = عنهم في قريب من مائتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقاة العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم كثقة الإسلام الكليني والصدوق محمد بن بابويه والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيد المرتضى والنجاشي والكشي والعياشي وعلي ابن إبراهيم وسليم الهلالي والشيخ المفيد والكراجكي والنعماني والصفار وسعد بن عبد الله وابن قولويه وعلي بن عبد الحميد والسيد علي بن طاوس وولده صاحب كتاب زوائد الفوائد ومحمد بن علي بن إبراهيم وفرات بن إبراهيم ومؤلف كتاب التنزيل والتحريف وأبي الفضل الطبرسي وأبي طالب الطبرسي وإبراهيم بن محمد الثقفي ومحمد بن العباس بن مروان والبرقي وابن شهرآشوب والحسن بن سليمان والقطب الراوندي والعلامة الحلي والسيد بهاء الدين علي بن عبد الكريم وأحمد بن داود بن سعيد والحسن بن علي بن أبي حمزة والفضل بن شاذان والشيخ الشهيد محمد بن مكي والحسين بن حمدان والحسن بن محمد بن جمهور والحسن بن محبوب وجعفر بن محمد بن مالك الكوفي وطهر بن عبد الله وشاذان بن جبرئيل وصاحب كتاب الفضائل ومؤلف الكتاب العتيق ومؤلف كتاب الخطب وغيرهم من مؤلفي الكتب التي عندنا ولم نعرف مؤلفه على التعيين.

وإذا لم يكن مثل هذا متواترا ففي أي شئ دعوى التواتر مع ما روته كافة الشيعة خلفا عن سلف وظني أن من يشك في أمثالها فهو شاك في أئمة الدين ولا يمكنه إظهار ذلك من بين المؤمنين فيحتال في تخريب الملة القويمة بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين من استبعادات المتفلسفين وتشكيكات الملحدين {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} وقد صنف جماعة من القدماء كتبا في حقية الرجعة فمنهم أحمد بن داود بن سعيد الجرجاني قال الشيخ في الفهرست له كتاب المتعة والرجعة ومنهم الحسن بن علي بن أبي حمزة البطايني وعد النجاشي من جملة كتبه كتاب الرجعة. ومنهم الفضل بن شاذان النيشابوري ذكر الشيخ في الفهرست والنجاشي أن له كتابا في إثبات الرجعة ومنهم الصدوق محمد بن علي ابن بابويه فإنه عد النجاشي من كتبه كتاب الرجعة. ومنهم محمد بن مسعود = (*)


/ صفحة 106 /

هل الزهراء(ع) أول مؤلفة في الإسلام؟

قد يقال: إن الزهراء (عليها السلام) هي أول مؤلفة في الإسلام، إذ قد دلت الروايات على أنه قد كان لها مصحف، عرف باسم "مصحف الزهراء"، فإن هذه التسمية تدل على ما ذكرناه، لأننا إذا قلنا: "مصحف الزهراء" فذلك يعني أن لها دورا في تأليف وكتابة هذا المصحف.

وبعبارة أخرى: "إن نسبة الكتاب إلى فاطمة(ع) يدل على أنها صاحبة الكتاب، كما أن نسبة الكتاب إلى علي(ع) في ما ورد عن الأئمة(ع) عن كتاب علي يتبادر منه أن صاحبه علي(ع).

وخلاصة ذلك: إنه لا مانع من القول: إنها أول مؤلفة في الإسلام ".

ــــــــــــــــــــ

(تابع هامش الصفحة السابقة) = النجاشي ذكر النجاشي والشيخ في الفهرست كتابه في الرجعة. ومنهم الحسن بن سليمان وستأتي الرواية عنه.

(أقول) ولذا تضافرت الأخبار عن الأئمة الأطهار(ع): ليس منا من لم يؤمن برجعتنا ففي الفقيه عن الصادق(ع) قال: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا.

والرجعة عبارة عن حشر قوم عند قيام القائم ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته وقوم من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب والقتل على أيدي شيعته وليبتلوا بالذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته وهي عندنا تختص بمن محض الإيمان ومحض الكفر والباقون مسكوت عنهم كما وردت به النصوص الكثيرة ويدل على ثبوتها مضافا إلى الإجماع بل ضرورة المذهب، الكتاب والسنة. (*)


/ صفحة 107 /

ونقول في الجواب:

إن نسبة المصحف إلى الزهراء، وقولهم: "مصحف فاطمة" لا يعني بالضرورة أنها هي التي ألفته وكتبته، فأنت تقول: هذا كتاب فلان، إذا كان له نوع ارتباط به ولو من حيث ملكيته له، وتقول: هذه ساعة فلان، وقميص فلان، وبيت فلان، ولا يعني ذلك أنه هو الذي صنع الساعة، أو بنى، أو ملك البيت، أو حتى خاط القميص، فضلا عن أن يكون قد نسجه، أو ما إلى ذلك.

وفي الرواية: مسجد المرأة بيتها، ويقال: لا تخرج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، مع أن لها مجرد السكن في البيت.

ولأجل ذلك يقال أيضا: زبور آل داوود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، ويقال أيضا: مصحف عثمان. ويقال كذلك: صحف إبراهيم وموسى، ودعاء كميل وعهد الأشتر.

قال الله تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}.

فهل هذا يعني أن هذه الصحف كانت من تأليفهما عليهما السلام؟! أو أنهما كتباها بيديهما؟!

وقد ذكر هذا القائل نفسه روايات تدل على: أن مصحف فاطمة قد كتب في زمن الرسول، وبعد وفاته بخط علي، وإملاء الملك أو النبي، فما معنى قوله بعد ذكره لتلك الروايات: وخلاصة ذلك: أنه لا مانع من القول: إنها أول مؤلفة في الإسلام؟.

فالمصحف إذن قد كتب لأجلها وبسببها، وهي التي ستستفيد منه، وملكيته أيضا تعود إليها، وفيه وصيتها، فهذا كله يكفي في


/ صفحة 108 /

صحة نسبة المصحف إليها (عليها السلام)، ولا حاجة إلى أن تكون قد شاركت في كتابته وتأليفه.

هذا بالإضافة إلى عدم توفر ما يثبت مشاركتها في كتابته من وجهة نظر تاريخية، أو روائية، مع عدم وجود ضرورة تحتم إثبات ذلك، كما لا وجه للإصرار على استيحائه من نسبته إليها، أو غير ذلك.

وأما الاعتذار عن ذلك بأن المقصود هو إبراز صورة للمرأة المسلمة تنال إعجاب الآخرين بها.

فهو غير وجيه ولا مقبول، إذ هو يتضمن الايحاء بأمر لا واقعية له.. هذا بالإضافة إلى أن سيرة الزهراء(ع) وطهرها، وعلمها الذي أثبتته الروايات المتضافرة والمتواترة ولا سيما خطبتها في المسجد وغير ذلك يغني عن التشبث بأمر وهمي لا حقيقة له، فلا حاجة إلى إيهام الناس بأنها عليها السلام كانت مؤلفة أو غير مؤلفة.

هل في مصحف فاطمة (ع) أحكام الشرعية؟

يزعم البعض: أن مصحف فاطمة يحوي أحكاما شرعية، وهو يستند في ذلك إلى رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، تقول: " وعندي الجفر الأبيض، قال: قلت : فأي شئ فيه؟! قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم عليهم السلام، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا، ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف


/ صفحة 109 /

الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش"(1).

ونقول:

أولا: إن قوله: "وفيه ما يحتاج الناس إلينا" ليس معطوفا على قوله: "ما أزعم أن فيه قرآنا"، ليكون بيانا لما يحتويه المصحف، وإنما هو معطوف على قوله: زبور داود، وتوراة موسى الخ.. أي إن في الجفر الأبيض: زبور داود، وتوراة موسى، ومصحف فاطمة، وفيه الحلال والحرام، وفيه ما يحتاج الناس إلينا.

وثمة رواية أخرى عن عنبسة بن مصعب ذكرت: أن في الجفر سلاح رسول الله، والكتب، ومصحف فاطمة (2).

ثانيا: لقد روى الكليني عن: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن حماد بن عثمان، عن الإمام الصادق عليه السلام، حديثا ذكر فيه أنه كان ملك بعد وفاة النبي يحدث الزهراء، ويسلي غمها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين، فقال لها: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته ذلك، وجعل أمير المؤمنين (ع) يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا، ثم قال:

"أما إنه ليس فيه شئ من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون" (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) الكافي: ج 1 ص 240 والبحار: ج 26 ص 37 باب 1 حديث 68 وبصائر الدرجات: ص 150.

(2) بصائر الدرجات: ص 154 و 156. والبحار: ج 26 ص 45 و 42 و ج 47 ص 271.

(3) الكافي: ج 1 ص 240 وبصائر الدرجات: ص 157، وبحار الأنوار: ج 26 = (*)


/ صفحة 110 /

وقد ناقش البعض في هذا الحديث، فقال: "إن المفروض في الملك أنه جاء يحدثها، ويسلي غمها، ليدخل عليها السرور، فيكف تشكو ذلك إلى أمير المؤمنين؟ مما يدل على أنها كانت متضايقة من ذلك. كما أن الظاهر منه أن الإمام عليه السلام لا يعلم به، وأن المسألة كانت سماع صوت الملك، لا رؤيته". انتهى.

ونقول:

ليس ثمة مشكلة من حيث رؤية الملك أو سماع صوته فقط، ولا في أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم ذلك أو لا يعلم.

وليس هذا هو محط النظر، وإن كان إثباته في غاية السهولة، لكن لا دور له في إثبات مصحف فاطمة أو نفيه، ولا في كونها أول مؤلفة في الإسلام أو عدمه، فلا داعي لطرح الكلام بهذه الكيفية.

وأما تضايقها عليها السلام فلم يكن من حديث الملك معها، بل كان لأجل أن الملك كان يذكر لها أيضا ما سيجري على ذريتها، ففي كتاب المحتضر: أن فاطمة (ع) لما توفي أبوها (ص) قالت لأمير المؤمنين (ع): إني لأسمع من يحدثني بأشياء ووقائع تكون في ذريتي، قال: فإذا سمعتيه فأمليه علي، فصارت تمليه عليه، وهو يكتب.

وروي أنه بقدر القرآن ثلاث مرات، ليس فيه شئ من القرآن. "فلما كمله سماه "مصحف فاطمة" لأنها كانت محدثة

ــــــــــــــــــــ

(تابع هامش للصفحة السابقة) = ص 44، و ج 43 ص 80 و ج 22 ص 45 باب 2، حديث 62 وعوالم العلوم: ج 11 القسم الخاص بالزهراء. (*)


/ صفحة 111 /

تحدثها الملائكة "(1).

بل إن هذا المستشكل نفسه يذكر بعد كلامه السابق مباشرة رواية أبي عبيدة وفيها: "وكان جبرائيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان(ع) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة (2)".

وقد وصف المجلسي الأول هذه الرواية بأنها صحيحة (3).

فحكم البعض على هذه الرواية بالضعف موضع نظر وتأمل، إذ أن الظاهر أن المراد بأبي عبيدة هو أبو عبيدة الحذاء أي زياد بن أبي رجاء، وهو ثقة، ولا ندري السبب في استظهار البعض: أنه المدائني!!

مع أننا لم نجد لابن رئاب رواية عن المدائني هذا، ولم يرو عن المدائني سوى رواية واحدة فيما يظهر. ولعلها من الاشتباه في النسبة من قبل الرواة.

فإذا أطلق أبو عبيدة فالمقصود هو الحذاء، لا سيما مع تعدد رواية ابن رئاب عنه، ومع عدم وجود شئ ذي بال يرويه عن المدائني(4).

والملفت للنظر أيضا: أن هذا البعض قد علق على هذا الحديث

ــــــــــــــــــــ

(1) عوالم العلوم: ج 11 ص 583 (مسند فاطمة) عن المحتضر: ص 132.

(2) الكافي: ج 1 ص 240 و 241 و 457 و 458. والبحار: ج 22 ص 545 وراجع المناقب لابن شهر آشوب: ج 3 ص 337 ط المطبعة العلمية ـ قم ـ ايران.

(3) روضة المتقين: ج 5 ص 342 ومرآة العقول ج 3 ص 59 و ج 5 ص 314.

(4) ولا بأس بمراجعة معجم رجال الحديث: ج 21 ص 233 / 236. (*)


/ صفحة 112 /

بأنه "ظاهر في اختصاص العلم بما يكون في ذريتها فقط، بينما الرواية الأخرى تتحدث عن الأعم من ذلك، حتى إنها تتحدث عن ظهور الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومئة، وهو ما قرأه الإمام(ع) في مصحف فاطمة". إنتهى.

ونقول:

غاية ما هناك: أن الرواية قد أثبتت أن جبرائيل(ع) قد حدث فاطمة بما يكون في ذريتها، وليس فيها ما يدل على نفي وجود إخبارات غيبية أخرى فيه.

ومن الواضح: أن إثبات شئ لا ينفي ما عداه.

وليس في الرواية أيضا ما يدل على أنها في مقام نفي وجود علوم وأمور أخرى في المصحف، لكنها أرادت أن تنبه على شئ جعل فاطمة عليها السلام تهتم له، وتذكره لعلي، لكونه يتعلق بما سيجري على ذريتها.

ثالثا: هناك حديث حبيب الخثعمي، الذي يذكر: أن المنصور كتب إلى محمد بن خالد: أن يسأل أهل المدينة عن مسألة في الزكاة، ومنهم الإمام الصادق عليه السلام، فأجاب الإمام عليه السلام، عن السؤال، فقال له عبد الله بن الحسن: من أين أخذت هذا؟

قال: قرأت في كتاب أمك فاطمة(1).

وقد علق هذا البعض على هذا الحديث بقوله: "ظاهر هذا الحديث إن كتاب فاطمة ـ وهو مصحف

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 7 ص 227 باب: 7 حديث: 17. (*)


/ صفحة 113 /

فاطمة ـ يشتمل على الحلال والحرام".

ونقول:

أولا: إن هذا الحديث ضعيف السند.

ثانيا: إن التعبير ب‍: "كتاب فاطمة" قد ورد أيضا في رواية فضيل بن سكرة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)(1) وليس بالضرورة أن يكون المقصود به "مصحف فاطمة" الذي هو موضع البحث، فضلا عن الجزم بذلك، ثم إرساله إرسال المسلمات، إذ قد كان لفاطمة عليها السلام كتب أخرى غير المصحف.

1 ـ فقد روى الكليني في الكافي عن: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إسحاق به عبد العزيز، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: جاءت فاطمة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعض أمرها، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله كربة (2) وقال تعلمي ما فيها، وإذا فيها: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليسكت (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) الكافي: ج 1 ص 242.

(2) كرب النخل: أصول السعف، أمثال الكتف.

(3) عوالم العلوم: ج 11 (الجزء الخاص بالزهراء(ع): ص 187 والكافي: ج 2 ص 667 ح 6 وراجع: ص 285 ج 1. والبحار: ج 43 ص 51 ح 52، والوسائل: ج 8 ص 487 ح 3 وفي الجنة الواقية: ص 508 قطعة منه. (*)


/ صفحة 114 /

2 ـ وروى في دلائل الإمامة بسنده عن ابن مسعود، قال: جاء رجل إلى فاطمة عليها السلام.

فقال: يا ابنة رسول الله، هل ترك رسول الله عندك شيئا تطرفينيه؟

فقالت: يا جارية، هات تلك الحريرة، فطلبتها، فلم تجدها.

فقالت: ويحك اطلبيها، فإنها تعدل عندي حسنا وحسينا. فطلبتها، فإذا هي قد قممتها في قمامتها، فإذا فيها: قال محمد النبي (ص): ليس من المؤمنين، من لم يأمن جاره بوائقه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يسكت.

إن الله يحب الخير الحليم المتعفف، ويبغض الفاحش الضنين السائل الملحف. إن الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، وإن الفحش من البذاء، والبذاء في النار(1).

وهذه الرواية أيضا وسابقتها أيضا لا تدل على أنها(ع) هي التي كتبت وألفت. بل في الرواية الأولى دلالة على عكس ذلك، لأنها ذكرت: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاها "كربة" مكتوبة

ــــــــــــــــــــ

(1) دلائل الإمامة: ص 1 وعوالم العلوم: ج 11 ص 188 و 620 و 621. (الجزء الخاص بالزهراء(ع). وفي هامشه عن مسند فاطمة(ع): ص 113. وراجع مستدرك الوسائل: ج 18 وسفينة البحار: ج 1 ص 229 و 231 والمعجم الكبير للطبراني: ج 22 ص 413 مع اختلاف في اللفظ. (*)


/ صفحة 115 /

من عنده، وقال: تعلمي ما فيها.

3 ـ وروى الصدوق بسنده إلى أبي نضرة، عن جابر، رواية مفادها: أنه دخل على فاطمة عليها السلام ليهنئها بمولودها الحسين (ع)، فإذا بيدها صحيفة(1) بيضاء، درة، فسألها عنها، فأخبرته: أن فيها أسماء الأئمة من ولدها، وأنها قد نهيت عن أن تمكن أحدا من أن يمسها إلا نبي، أو وصي، أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون أن ينظر إلى باطنها من ظاهرها، فنظر إليها، وقرأ.. ثم ذكر ما قرأه (2).

لا تعارض في أحاديث مصحف فاطمة(ع):

ثم إن هذا البعض قد ادعى: إن الأحاديث حول مصحف فاطمة عليها السلام متعارضة..؟

لأن بعضها يذكر أنه من إملاء رسول الله وكتابة علي عليه السلام (3)، والبعض الآخر يذكر أنه كان ملك يأتيها بعد وفاة أبيها يحدثها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك، فكان مصحف فاطمة (4).

ــــــــــــــــــــ

(1) عبرت بعض النصوص الواردة في المصادر التي في الهامش باللوح.

(2) عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 40 و 44 و 46. والاختصاص ص 210 والأمالي للطوسي ج 1 ص 297 والخصال ج 2 ص 477 / 478 وكمال الدين ص 305. 313.

(3) راجع: بصائر الدرجات: ص 153 و 155 و 161 والبحار: ج 46 ص 41 و 42 و 47 و 48 و 49 و 271.

(4) الكافي: ج 1 ص 41 و 240 و 457 و 458. بصائر الدرجات: ص 157 و 153، 159 والخرائج والجرائح: ج 2 ص 526. وبحار الأنوار: ج 26 ص 41 و 240 و ج 43 ص 79 و 80 و ج 22 ص 545 و 546. وراجع: ج 47 (*) =


/ صفحة 116 /

ونقول في الجواب:

إن معنى التعارض في الروايات هو أن تكون الروايات متكاذبة في ظاهرها، تثبت هذه شيئا وتلك تنفيه، أو العكس، فإذا لم يمكن الجمع بينها، فلا بد من الطرح لهما، أو لإحداهما، إذا وجد مرجح للآخر..

والأحاديث التي تحدثت عن مصحف فاطمة ليست كذلك، حيث يمكن الجمع بينها، إذ قد يكون هذا الكتاب "المصحف" ـ سمي بذلك لأنه صحف مجتمع بعضها إلى بعض ـ قد كان قسم منه بإملاء رسول الله (ص) وكتابة علي(ع)، والقسم الآخر من إملاء الملك لفاطمة وكتابة علي(ع). وقد كتب بعد وفاة رسول الله (ص)، حيث كان ذلك الملك يأتيها فيسليها. وفي هذا المصحف وصية فاطمة(ع) أيضا، فراجع(1).

وخلاصة الأمر:

إنه قد يتعلق الغرض ببيان أن الرسول كان قد تصدى. لإملاء قسم مما في الكتاب، ليثبت بذلك أنه مقبول وممضى منه (ص)، إيذانا بصحة ما في المصحف، وبعظيم أهميته ومزيد شرفه.

أما الحديث الذي يتضمن: أن جبرائيل(ع) هو الذي كان يسلي فاطمة(ع)، فلا يعارض الحديث الذي يقول: إن ملكا كان يسليها ويحدثها.

ــــــــــــــــــــ

(هامش تابع للصفحة السابقة) = ص 65. وفي هامش الخرائج والجرائح عن مصادره كثيرة جدا، فليراجعها من أراد. وعوالم العلوم: " القسم الخاص بالزهراء(ع) " ج 11 ص 583 و 447 عن المحتضر: ص 132 وضياء العالمين " مخطوط ": ج 2 ق 3 ص 38 و 39.

(1) بصائر الدرجات: ص 157 و 158 والبحار: ج 26 ص 43 والكافي: ج 1 ص 241. (*)


/ صفحة 117 /

إذ قد يكون هذا الملك هو نفس جبرائيل(1)، على أن المجلسي قد وصف هذا الحديث بالصحيح (2) فراجع.

تصوير التعارض بنحو آخر:

وذكر البعض نحوا آخر للتعارض بين روايات مصحف فاطمة، فقال:

"إن هناك روايتين تقولان: إنه بخط علي(ع) عما يحدثه الملك للزهراء(ع)، ولكن الروايات الأخرى لا تدل على ذلك، وهي المشتملة على الحلال والحرام، ووصية فاطمة، فلا بد من الترجيح بينها". إنتهى.

ونقول:

قد ذكرنا فيما سبق بعض ما يتعلق بكلامه هذا، ونزيد هنا: أن قوله الأخير: "فلا بد من الترجيح بينها" معناه أنها أخبار متعارضة، ولا يمكن الأخذ بها كلها، فلا بد من طرح البعض منها، والأخذ بالبعض الآخر وفقا للمرجحات.

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 43 ص 79 و ج 26 ص 41، بصائر الدرجات: ص 153 والكافي: ج 1 ص 241. والخرائج والجرائح: ج 2 ص 526. وفي هامشه عن مصادر كثيرة جدا وضياء العالمين " مخطوط ": ج 2 ق 3 ص 38.

(2) راجع: روضة المتقين ج 5 ص 342. ومرآة العقول: ج 3 ص 59. وجلاء العيون: ج 1 ص 183. (*)


/ صفحة 118 /

وهذا كلام غير مقبول:

أولا: لأن وجود روايتين تصرحان بأنه بخط علي(ع) لا يعني أن الرواية الأخرى الساكتة عن ذلك تنفي هذا الأمر، بل هي لم تتعرض له، لأنها بصدد بيان جهات أخرى، لم يكن معها داع أو ملزم لذكر الكاتب أو المملي.

وإذا كان هناك روايتان تصرحان بأن عليا عليه السلام هو كاتب المصحف، فهل هناك ولو رواية واحدة تصرح بأن فاطمة عليها السلام هي التي كتبته وألفته؟!

فلماذا الجزم بكون مصحف فاطمة إنما كتب بخط يدها، مع كونه مخالفا لما دل على كونه كتب بخط علي عليه السلام.

ثانيا: لم نعرف كيف تعارضت الروايات التي ذكر بعضها: أن كاتب المصحف هو علي(ع)، وذكر بعضها الآخر: أن هذا الذي كتبه علي(ع) في الحلال والحرام، ثم ذكرت روايات أخرى: أن في هذا "المصحف وصية فاطمة"!!

فهل عدم ذكر الطائفتين الأخيرتين لكون علي(ع) هو الكاتب يوجب أن تصبح هاتان الروايتان معارضتين لروايات كتابة علي(ع) للمصحف؟!. فأين التعارض؟ وأين التنافي؟!

ثالثا: إننا حين راجعنا الروايات وجدنا: أن رواية حماد بن عثمان قد ذكرت أن مصحف فاطمة ليس فيه شئ من الحلال والحرام، ثم راجعنا رواية الحسين بن أبي العلاء، فوجدنا أن الضمير في قوله: وفيه ما يحتاج الناس إلينا، لا يعود إلى مصحف فاطمة، بل يعود إلى الجفر. ونتيجة ذلك كون الحلال والحرام في الجفر لا في


/ صفحة 119 /

المصحف، وراجعنا رواية الخثعمي، فوجدناها تتحدث عن كتاب فاطمة، لا عن مصحف فاطمة.

وقد تقدم إنه قد كان لها عليها السلام مكتوبات أخرى غير المصحف.

وإن ما ذكرناه حول اختلاف الأغراض من ذكر الخصوصيات يشبه في بعض وجوهه نقل وقائع ما جرى على الزهراء عليها السلام، فنجد أن بعضهم ينقل التهديد بالاحراق..

وبعض آخر ينقل: جمع الحطب..

وثالث ينقل: الاتيان بقبس من نار..

ورابع ينقل: إحراق الباب، واشتعال النيران..

وخامس ينقل: كسر الباب، ودخول البيت..

وسادس ينقل: عصر الزهراء، بين الباب والحائط، وإسقاط الجنين..

وسابع ينقل: لطمها على خدها، أو ضربها على يديها، أو جنبها، أو متنها، أو عضدها، حتى صار كالدملج..

وثامن ينقل: كسر ضلعها..

وتاسع ينقل: أن عمر قد ضربها..

وعاشر ينقل: ضرب المغيرة أيضا لها..

وحادي عشر ينقل: ضرب قنفذ لها بأمر من عمر..

وثاني عشر ينقل: ضرب خالد بن الوليد لها.


/ صفحة 120 /

ولا تكاذب بين هذه الروايات، بل إن كل واحد ينقل شطرا مما جرى، إما لتعلق غرضه به، أو لأنه هو الذي ثبت لديه، أو مراعاة لظرف سياسي، أو غيره، ولا غرابة في ذلك.

على أن الاختلاف في جزئيات النقل لا يضر بأصل ثبوت الحادث، بل هو يؤكده، إذا كان الكثيرون لا يتحققون من الجزئيات، فضرب فاطمة ثابت، واختلاف الرواة إنما هو في شخصية الضارب مع احتمال أن يكون الجميع قد اشتركوا في هذا الأمر الفظيع والشنيع واختلطت الأمور في زحمة المعركة وهيجانها.

وهكذا الحال بالنسبة لمصحف فاطمة صلوات الله وسلامه عليها..

مع فارق واحد، هو أن السبب في التنوع في نقل ما جرى عليها هو في الأكثر الميول السياسية، والمذهبية أو غيرها.. أما بالنسبة لمصحف فاطمة، فالسبب فيه هو القصد إلى بيان حيثية ترتبط بمقام الزهراء(ع)، أو بأهمية المصحف المنسوب إليها، وصحة ما فيه، أو ما هو قريب من هذا وذاك..

ولكننا لم نستطع: أن نقف على دوافع الإصرار على تضمين مصحف فاطمة للأحكام الشرعية، كما لم نوفق لفهم أسباب ومبررات كثير من الأمور التي ذكرت في هذا المجال وفي مجالات أخرى كثيرة ومتنوعة.


الفصل الثالث
إرهاصات ومحاولات التفاف وطعن في كتاب سليم

/ صفحة 123 /

بداية وتوطئة:

نقرأ في هذا الفصل بعض تساؤلات، وعلامات استفهام أثيرت حول مهاجمة أتباع السلطة، وهم يتابعون إنجاز فصول الانقلاب على القرار الإلهي، والبلاغ النبوي وانتزاع الحق من صاحبه المنصوص عليه،

الذي بايعوه في يوم الغدير، وأعطوا عهدا لله على الوفاء، وعدم النكث به.

فقد أنكر البعض أو شكك بحدوث أي شئ سوى تهديدهم بإحراق بيت فاطمة عليها السلام، وذكر أمورا عديدة عدها مبررات لموقفه هذا الذي اعتبر فيه أن هذه القضية لا تمس العقيدة، مؤكدا أن علينا أن نناقش نحن قضايانا قبل أن يناقشها الآخرون ويسقطوها.

وهذا الأسلوب من الكلام يوحي بسقوط هذه القضايا واقعا، وكأنه يقول: فلنسقطها نحن إذن، قبل أن يسقطها الآخرون.

ونحن نذكر في هذا الفصل، ما يشير إلى عدم سلامة هذه المقولة، ونتحدث عن جانب من هذه التساؤلات والاستبعادات المبتنية على استحسانات واعتبارات وترجيحات لا يصح الاعتماد عليها، لأنها ـ إن لم تكن تبرعية ـ قد لاحظت بعض الجوانب، وأهملت


/ صفحة 124 /

جوانب أخرى هي الأجدر بالملاحظة، لأنها هي الموافقة لأسس دراسة المواضيع الحساسة كالذي نحن بصدده، كما سنرى..

نقاط البحث:

وما سنورده في هذا الفصل من الكلام هذا البعض ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1 ـ إن علينا أن نناقش نحن قضايانا قبل أن يناقشها الآخرون ويسقطوها.

2 ـ مدى واقعية قول البعض: إنه قد ناقش كل العلماء فلم يقنعوه!.

3 ـ هل إنكار ضرب الزهراء يعني تبرئة الظالمين.

4 ـ إن ضرب الزهراء لا يرتبط بالعقيدة، فلماذا الاهتمام له؟.

5 ـ إن العمدة في هذا الموضوع الخطير هو كتاب سليم بن قيس، وهو غير معتمد لا في هذا الموضوع ولا في غيره.

وكأن هذا البعض تخيل: أنه إذا شكك في كتاب سليم، وأبعده عن ساحة البحث العلمي، فإنه يكون قد ارتاح من القسم الأهم من النصوص التي تحرجه بسبب ما تتضمنه من اتهام القوم بجرائم لا يمكن الدفاع عنها، أو توجيهها.

وسنرى: أن التشكيكات التي ذكرت حول هذا الكتاب الجليل، والتي بدأها ابن الغضائري ـ وهو معروف بكثرة طعونه


/ صفحة 125 /

وتشكيكاته ـ غير قابلة للاعتماد، ولا تصلح أن يكون إليها الاستناد.

هذا إلى جانب توضيحات مختلفة اقتضاها تنوع الحديث، وفرضتها ضرورة البيان الوافي، والصريح والكافي. فإلى ما يلي من مطالب، ومن الله نطلب العون والسداد، والفلاح والرشاد.

فلنسقط نحن قضايانا، قبل أن يسقطها الآخرون؟!

ما زلنا نسمع البعض يقول:

"لا بد أن نناقش نحن قضايانا بطريقتنا الخاصة، وإن لم نفعل ذلك فسيناقشها الآخرون ويسقطونها".

ومعنى ذلك: أننا إذا ناقشنا بعض المسائل، فليس من مبرر للتشهير بنا، لا سيما وأن القضية ليست من أصول الدين، ونحن نعتبر غصب الخلافة أكبر من كل جريمة، لأنها تتعلق بالواقع الإسلامي كله.

علما بأن ما قلناه حول قضية الزهراء(ع)، لم يكن انطلاقا من إحساسنا بضرورة الوحدة الإسلامية..

ونحن لا زلنا على استعداد لمناقشة كل من يرغب في ذلك في بيتنا، فليتفضل وليناقشنا في كل شئ.

والجواب:

أولا: إن ما جرى على الزهراء عليها السلام، من بلايا ليس بعيدا عن غصب الخلافة، لأن ما جرى عليها، إنما جاء في نطاق آلية


/ صفحة 126 /

غصب الخلافة، وليس هو أمرا منفصلا عنها.

وإذا كان غصب الخلافة جريمة كبرى ـ على حد تعبير هذا البعض ـ فإن الأسلوب الذي تم فيه سوف يزيدها فظاعة وبشاعة.

إذن فلتكن معرفة ما فعلوه بالزهراء عليها السلام من أجل الحصول على الخلافة دليلا قاطعا على واقع ممارساتهم وطبيعة الظروف التي أحاطت باغتصاب هذا الأمر الهام جدا، الذي يتعلق بالواقع الإسلامي كله..

وثانيا: لم نعرف الملازمة بين عدم تعرضنا لمناقشة قضايانا وبين إسقاطها من قبل الآخرين، فهل هي بهذه الدرجة من الضعف والهشاشة؟!

أم يعقل أن يكون هذا السائل يريد أن يقول: إن علينا نحن أن نسقط قضايانا قبل أن يسقطها الآخرون كما تقدم؟!

وثالثا: إن هذا البعض ـ وفي أحاديث أخرى له ـ يقول: إنه يطرح تساؤلات، ولا يريد أن يناقش القضية، ولا يريد أن يبحث عن أجوبتها، بل هو يطلب من الآخرين أن يجيبوا عنها، وهو لا يثبت ولا ينفي، فمن لا يثبت ولا ينفي هل يعتبر في جملة من يناقشون القضايا بطريقة خاصة؟!

بل هو يصرح بأنه لا يهمه البحث حول كسر ضلع الزهراء عليها السلام، فلماذا الإصرار إذن على إثارة التساؤلات حول هذا الأمر بالذات؟!

ومن الواضح: أن الذي يقتصر على طرح التساؤلات استفهاما وتعلما فقط، لا يجوز التشهير به، ولذا لم يشهر أحد بمن فعل ذلك.


/ صفحة 127 /

نعم، يصح التشهير، بل قد يكون لازما بذلك الذي يحاول طرح الموضوع بطريقة غير علمية، أي أنه يطرحه على العموم، ليثير الشبهة في نفوس الناس السذج والبسطاء الذين لا يملكون القدر الكافي من العلم والمعرفة، دون أن يقدم لهم الحل الحاسم، بل تراه يستدل بعشرات الأدلة لهم على النفي، بأسلوب: إثارة تساؤلات!!

فجاء من يريد أن ينجز محاولة إيصال الرد العلمي إلى الناس، فاعتبروا ذلك تشهيرا!!

ورابعا: أنه ليس من العدل أن يطلب البعض من الناس مناقشة القضايا معه في بيته خلف جدران أربعة، ويحتفظ هو لنفسه بحق الاعلان بكل ما يتوفر لديه من وسائل إعلام مرئي ومسموع ومكتوب عن كل ما يخطر على باله، أو يجول في خاطره، حتى ولو كانت مجرد تساؤلات، أو آراء تمس قضايا إسلامية أساسية أو غير أساسية، مفتخرا بكون ذلك من عادته وفي الهواء الطلق.

ثم إذا أراد أحد أن يعلن عن رأيه المخالف له، حتى ولو لم يشر إلى شخصه بأدنى كلمة، فإنه قد يعتبر ذلك تحديا له، وخروجا على المسلمات، وتشهيرا به. ثم هو يوجه إليه مختلف التهم، ويواجهه بالحرب النفسية وبالكلمات الجارحة وغيرها، باعتبار أنه قد ارتكب الجرح العظيم، وعرض نفسه للخطر الجسيم..

وخامسا: إن أسلوب تعامل هذا البعض مع بعض القضايا، يشير إلى أن ثمة رغبة في مغازلة بعض الأطراف على الساحة الإسلامية، لسبب أو لآخر، وإلا فلماذا الإصرار على دعوى أن المهاجمين الذين جاء بهم عمر كانوا يحبون الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام، ويحترمونها، ثم التفوه بأن عليا عليه السلام معارضة!! وأنه متمرد على


/ صفحة 128 /

الخلافة!! وأنه يراد اعتقاله لأجل ذلك، وأن طبيعة الأمور تقتضي إخضاع المتمردين، وأن المسلمين فهموا نص الغدير بطريقة أخرى والخ... كما سنرى ذلك كله.

سادسا: صحيح أن قضية الهجوم على الزهراء، ليست من أصول الدين، لكن ذلك لا يعني أنها ليس لها مساس بناحية العقيدية.. بل هي واحدة من أهم مسائل الإسلام والإيمان لأن تمس قضية الإمام والإمامة بعد رسول الله (ص)، وتعطي للناس رؤية واضحة في أمر لم يزل هو المحور الأساس في الخلافات الكبرى التي وقعت في هذه الأمة في قضايا الدين والعقيدة. إذن فهو حدث تاريخي سياسي، له مساس بالإمام والإمامة، وهو أمر عقائدي خطير وهام جدا.

ناقشت كل العلماء:

ثم إنك ترى هذا البعض يقول:

"قد ناقشت كل العلماء في ايران وغيرها حول مسألة ضرب الزهراء وغيرها.. فلم يقنعوني"!

وتعليقنا على هذا القول:

إننا لا ندري مدى صدقية هذا الكلام، ذلك لما يلي:

1 ـ إننا نشك كثيرا، بل نحن نجزم بعدم حصول هذا الأمر، فإن العلماء في ايران الإسلام وحدها دون غيرها يعدون بعشرات الألوف، فمتى تسنى له الاجتماع بهم، فضلا عن مناقشتهم جميعا..


/ صفحة 129 /

2 ـ لماذا لم نطلع نحن ولا غيرنا ممن يهتم لهذه القضايا ويلاحقها على هذه المناقشات، ولم يصلنا خبرها، رغم طول إقامتنا في تلك البلاد، والتي قاربت الثلاثين عاما.

بل وجدنا الكثيرين من العلماء الكبار قد أنكروا عليه ما سمعوه من مقولات، وقد عبر عدد من مراجع الشيعة عن رفضهم لها مشافهة حينا، وبصورة مكتوبة حينا آخر، وهذا يدل على أنه لم يناقش هؤلاء العلماء والمراجع ولم يناقشوه، ولا سمعوا بمقولاته من قبل.

3 ـ إننا لم نعرف نتيجة هذا النقاش، فهل استطاع أن يقنع جميع العلماء في ايران، وفي غيرها، أم أنهم أقنعوه؟! أم بقي كل منهم على موقفه ورأيه!! أم أن البعض قد اقتنع دون البعض الآخر!!

فلو كان قد أقنعهم جميعا لبان ذلك وظهر، ولضجت الدنيا وعجت بهذا الأمر الخطير الذي أجمع عليه علماء الشيعة عبر العصور والدهور.

وإن كان قد بقي الجميع على موقفه، ففي هذا إدانة لهذا القائل، حيث لم يجد ولو عالما واحدا يوافقه على ما يذهب إليه، ويحشد الأدلة والشواهد عليه، ويعرضها كلها على جميع العلماء لإثباته لهم. وإن كان البعض قد اقتنع برأيه ـ فلو كان لبان ـ وليدلنا على واحد من هؤلاء العلماء المقتنعين بكلامه، ممن يحمل صفة العالمية بحق وصدق!!!.

بقي احتمال ـ ولعله الأقرب ـ : أن يكون هو الذي اقتنع منهم. ـ كما أعلنه في بعض رسائله التي طلب هو توزيعها ونشرها ـ ونتوجه حينئذ بالسؤال: لماذا تراجع الآن وعاد إلى طرح الرأي المخالف، ثم هو يدافع عنه بحرارة وإصرار؟!


/ صفحة 130 /

إنكار ضرب الزهراء(ع) تبرئة للظالمين:

ويقول البعض: إن نفي ضرب الزهراء، وإسقاط جنينها، وكسر ضلعها، وغير ذلك لا يعني تبرئة أحد ممن ظلموها، فما هو الحرج في ذلك؟!

ونقول:

لم نفهم مقصود هذا القائل بالتحديد، فإن نفي ضرب الزهراء (ع)، معناه الصريح هو تبرئة الآخرين من الإقدام على الضرب، ونفي إسقاط الجنين، ونفي كسر الضلع أيضا معناه تبرئتهم من ذلك، وهكذا الحال بالنسبة لإحراق البيت، واقتحامه، وما إلى ذلك(!!).

فإن المتهم بعشرتهم إذا برئ من تسعة فهل يعني ذلك: أنه لا يزال مجرما في التسعة نفسها التي ثبتت براءته منها؟!

وإذا كانوا أبرياء من ذلك كله، ولم يفعلوا شيئا إلا مجرد التهديد، الذي هو الآخر قد يقال فيه: إنه صوري، من أجل التخويف، ولا ينبغي أن يحمل على محمل الجد، خصوصا مع قولهم: إن مكانة الزهراء(ع) تمنع من الإقدام على أي شئ في حقها..

نعم.. إذا كانوا كذلك، لم يبق ثمة شئ يطالبهم الناس به، بل قد يقال لنا في وقت لاحق إنهم كانوا يقومون بواجبهم الديني، وسيثيبهم الله على هذا التهديد، لأنهم أرادوا به حفظ بيضة الإسلام،


/ صفحة 131 /

ولم شعث المسلمين، وتجنيب الأمة مشاكل وخلافات خطيرة، تماما كما فسروا قول البعض للنبي (ص) في مرض موته: إن النبي (ص) ليهجر، بأنه كان هو الموقف الصحيح والرائد، لأن النبي (ص) لو كتب الكتاب لثارت الخلافات، وانقسم المسلمون، ولأدى ذلك إلى مشاكل كبيرة وخطيرة(1)، ولم يلتفتوا إلى أن النبي (ص) نفسه قد قال للناس: لن تضلوا بعده. فهل غاب عن بالهم أن النبي (ص) كان يقدر الأمور أيضا بصورة صحيحة، ويعرف مسبقا نتائج ما يريد أن يقدم عليه..

أنا لا أهتم لضرب الزهراء(ع) وهو لا يرتبط بالعقيدة:

يقول البعض:

إن ضرب الزهراء، وإسقاط جنينها، وكسر ضلعها قضية تاريخية وليست متصلة بالعقيدة.

ولهذا فهو لا يهتم لهذا الأمر شخصيا، فسواء كسر ضلع الزهراء(ع) أم لم يكسر، فإن ذلك لا يقع في دائرة اهتماماته، على حد تعبيره!!.

ونقول:

إننا نلاحظ ما يلي:

1 ـ إذا كان ذلك لا يقع في دائرة إهتمامات هذا الشخص أو

ــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 / 284 ـ 286. تحقيق: حسام الدين القدسي، مطبعة المدني، القاهرة.(*)


/ صفحة 132 /

ذاك، فلماذا هو يحشد الأدلة والشواهد من كل حدب وصوب على نفي هذا الأمر، أو التشكيك فيه على الأقل، ولماذا إذا ثارت العاصفة ضده يتراجع ويستعمل التقية، ـ كما قال ـ ويقول كلاما يلائم رأي الطرف الذي يوجه إليه النقد، ثم يعود لإثارة هذا الأمر من جديد بكل عنف وإصرار، ويواجه التحديات، ويثير المشكلات، بل هو يتهم الآخرين بأنواع التهم لمجرد أنهم سألوه عن رأيه في هذا الأمر وعلة إبدائه علنا وبهذا الشكل، وفي هذا الظرف، وفي هذا الزمن بالذات، فضلا عن أن يعترض عليه فيه، فيقول: إنهم لا يفهمون، وبأن طريقتهم غوغائية، وبأنهم معقدون، وينطلقون من غرائزهم و...

هذا فضلا عن اتهامه لهم بما يعتبر إهدارا لدمهم، وإغراء للناس بالاعتداء على حياتهم، وذلك حين يجعلهم في دائرة العمالة للمخابرات الإسرائيلية أو غيرها؟! فضلا عن جعلهم في دائرة الاتهام المستمر، وخدش اعتبار شخصيتهم المعنوية بذلك.

2 ـ لماذا لا يتهم لما جرى على الزهراء؟ ولماذا يكون كسر ضلعها أو إسقاط جنينها سيان بالنسبة إليه.

وهل كل قضية مرت في التاريخ لا يصح أن نهتم لها؟! أو أن اللازم أن لا تقع في دائرة اهتماماتنا؟!

فلماذا إذن اهتم الأئمة والنبي (ص) قبلهم بما يجري على الزهراء(ع)، وبما يجري على الإمام الحسين(ع) وصحبه في كربلاء؟!

ولماذا يهتم هو نفسه بالتذكير بحدث جرى قبل سنوات يحتمل أن يكون له نوع ارتباط به ويعتبره من الشؤون والقضايا


/ صفحة 133 /

الإسلامية الكبرى، ثم لا يهتم بغيره من نظائره كمجزرة مكة، وإسقاط الأميركيين للطائرة الإيرانية بركابها الثلاثمائة الأبرياء.

وكذلك لا يهتم بما ربما يعد أخطر قضية مفصلية في تاريخ هذا الإسلام العزيز، وله ارتباط مباشر وعضوي في مساره العام على جميع الصعد وفي مختلف المجالات ألا وهو ضرب الزهراء، أو كسر ظلعها.

3 ـ إن الذين ارتكبوا ما ارتكبوه بحق الزهراء عليها السلام قد تصدوا لأخطر مقام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مقام الإمامة والخلافة، وقد قال الشهرستاني:

"وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان(1)".

ويقول الخضري: إن هذه المسألة (2) كانت "سببا لأكثر الحوادث التي أصابت المسلمين، وأوجدت ما سيرد عليكم من أنواع الشقاق، والحروب المتواصلة، التي قلما يخلو منها زمن، سواء كان بين بيتين، أو بين شخصين(3)".

ــــــــــــــــــــ

(1) الملل والنحل: ج 1 ص 24.

(2) أي إن ترك مسألة الخلافة والاستخلاف من غير حل محدد ترضاه الأمة، وتدفع عنه، كان هو السبب لأكثر الحوادث التي أشار إليها. وقد قلنا ـ تعليقا على كلامه هذا: إذن، كيف جاز للنبي (ص) أن يترك الأمة هكذا هملا، ثم لا يضع حلا لأعظم مشكلة تواجهها، وتسل عليها السيوف، وتزهق لأجلها الأرواح. مع أن شريعته كاملة وشاملة. وقد بين فيها كل ما تحتاجه الأمة، حتى أرش الخدش؟! إن الحقيقة هي أنه (ص) قد بين ذلك، وحدده. ولكن الآخرين لم يقبلوا منه ذلك، وردوا أمر الله سبحانه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون..

(3) محاضرات في التاريخ الإسلامي: ج 1 ص 167. (*)


/ صفحة 134 /

ومن الواضح: أن معرفة هؤلاء الذين أبعدوا أهل البيت عن مقاماتهم، وأزالوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها وظهور أمرهم ووضوح مدى جرأتهم على الله سبحانه، وعلى رسوله أمر ضروري ومطلوب لكل مسلم، لأن ذلك يمس أخطر قضية في تاريخ الإسلام.

وبعبارة أوضح: إن لوازم الحدث هي التي ترتبط بالعقيدة، وإن لم يكن ذات الحدث يرتبط بها، فمثلا حينما نقرأ في القرآن عن زوجة لوط عليه السلام: أنها قد وشت بضيوف زوجها لقومها، الذين يسعون إلى ارتكاب الفاحشة مع الرجال.

قد نتعجب، ونقول: هل يليق بالقرآن أن يؤرخ لقوم لوط في خصوص هذه الخصلة السيئة والدنيئة؟!.

وهل يمكن لأحد أن يقول: إنني لا أهتم شخصيا بهذا الأمر التافه المذكور في القرآن؟!

أم أننا نفهم القضية بطريقة أخرى، فنقول: لو كان الله سبحانه يريد أن "يؤرخ" لقوم لوط، لكان أرخ لسائر الشعوب كالفينيقيين والكلدان والآشوريين، والرومان، والساسانيين، وغيرهم، ولكنا رأيناه يتحدث عن كثير من سياساتهم وشؤونهم وما مر بهم من أحداث كبيرة وخطيرة. ولكن ذلك لم يكن، فاقتصاره على خصوص هذا الأمر بالنسبة لخصوص قوم لوط يدلنا على أنه سبحانه وتعالى قد أراد لنا أن نستفيد من لوازم الحدث أمورا قد يكون لها مساس بالعقيدة، أو بالشريعة، أو بالمفاهيم الأخلاقية والحياتية في أكثر من مجال؟!

إننا لا شك سوف نتجه هذا الاتجاه الثاني، ونبحث عن كل تلك اللوازم، والحيثيات والمعاني التي أراد لنا القرآن أن نعيشها، وأن


/ صفحة 135 /

نلتفت إليها في ما حكاه لنا عن امرأة لوط وقومها، لنستفيد منها المزيد من المعرفة والوعي، والمزيد من الإيمان، والمزيد من الطهر والصفاء.

ونجد في هذه القضية أكثر من معنى حياتي هام جدا. لا بد لنا من الإطلاع عليه، وتثقيف أنفسنا به، ويكفي أن نشير إلى ما تحمله هذه القصة ـ بعد الإلفات إلى بشاعة فعلهم ذاك ـ من تحد قوي، من قتل المرأة، والزوجة، التي لم تكن تملك قدرات علمية، وفكرية بمستوى، تتحدى رجلا، نبيا، يملك كل القدرات والطاقات، وخصوصا قدرة التحدي في مجال الاقناع، وفي أمر يملك الدافع لمقاومته من خلال الدين، والعقيدة والقداسة والأخلاق، والعنفوان الإنساني، حيث كان التحدي له في ضيوفه(ع)، وفيما يمس الشرف، والكرامة والدين، والأخلاق، والرسالة...

خلفيات صرحت بها الكلمات:

وقضية الزهراء أيضا، وما جرى عليها بعد رسول الله (ص) سيكون حدثا تاريخيا مفيدا جدا من حيث دلالاته الالتزامية، إذ فرق بين أن يقال لك: إن الذين اغتصبوا الخلافة قد ضربوا الزهراء(ع) فور وفاة أبيها إلى درجة أنهم أسقطوا جنينها، وكسروا ضلعها الشريف، إلى غير ذلك مما هو معروف، وبين أن يقال لك كما يقول البعض: إنهم ما زادوا على التهديد بإحراق بيتها.

ثم يقال لك: إنهم كانوا يحترمونها، ويجلونها، أو على الأقل يخشون من الإساءة إليها بسبب موقعها واحترام الناس لها، الأمر الذي يعني إن تهديدهم لها صوري لا حقيقة له، ثم يتسع المجال لمن


/ صفحة 136 /

يريد أن يقول لك بعدها: إنهم في أمر الخلافة، قد اجتهدوا فأخطأوا.

ثم هو يقول لك مرة أخرى، لكي يمهد لإقناعك بأنهم مأجورون على غصب الخلافة:

" إن النبي (ص) نص على علي عليه السلام، لكن الصحابة قد فهموا ذلك بطريقة أخرى ".

أي أن القضية لم تكن عدوانا، ولا هي غصب حق معلوم، وإنما كانت مجرد سوء فهم لكلام الرسول (ص)، ولم يكن سوء الفهم هذا منحصرا بالمعتدين، والغاصبين، بل الصحابة كلهم قد فهموا نفس ما فهمه الغاصبون حيث يقال لك في مورد آخر: إن النبي (ص) قد نص على علي عليه السلام يوم الغدير، لكن طبيعة الكلام الذي قاله النبي تجعل الناس في شك.

إذن، هم يريدون منك أن تقول " ألف " لكي تقول " باء "، ثم ينتزعون منك " التاء " وهكذا إلى " الياء "..

العقبة الكؤود:

وأعظم عقبة تواجه هؤلاء هي ضرب الزهراء(ع)، وإسقاط جنينها، وإحراق بيتها، واقتحامه بالعنف والقسوة البالغة، دونما مبرر مقبول أو معقول. ولو أن عليا هو الذي كان قد واجه القوم لأمكن أن تحل العقدة، باتهامه بأنه هو المعتدي على المهاجمين (!!).

ويزيد الأمر تعقيدا ما قاله النبي (ص) في حق فاطمة عليها السلام، وكون هذه الأمور قد حصلت فور وفاته صلى الله عليه وآله،


/ صفحة 137 /

وفي بيت الزهراء بالذات، وبطريقة لا يمكن الدفاع عنها أو توجيهها.

فإن ما فعلوه مخالف للشرع والدين من جهة، ومخالف للأخلاق الإنسانية وللوفاء لهذا النبي الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها من جهة أخرى.

ثم هو يصادم المشاعر النبيلة والعواطف والأحاسيس الإنسانية، وهو يصادم الوجدان، والضمير أيضا، وكل الأعراف وكل السجايا وحتى العادات، من جهة ثالثة.

ويراد لمرتكب هذه الأمور العظيمة أن يجعل إماما للأمة، وفي موقع رسول الله (ص)، وأن يؤتمن على الدين، وعلى الإنسان، وعلى الأخلاق، والقيم، وعلى أموال الناس، وأعراضهم وأن يوفر لهم الأمن والكرامة والعزة، وأن يربي الناس على الفضيلة والدين والأخلاق.

فإذا كان نفس هذا الشخص يرتكب ما يدل على أنه غير مؤهل لذلك كله، لأن ما صدر منه قد لامس كل ذلك بصورة سلبية

صريحة، فإن ذلك يعني أن معرفة هذه العظائم تصبح ضرورية لكل الناس الذين يجدون لهذا الشخص أثرا في كل الواقع الفكري، والسياسي والمذهبي الذي يعيشونه، وله دور حساس في كل مفاهيمهم وفي كل واقعهم الديني، والإيماني، بل وحتى على مستوى المشاعر والأحاسيس.

إذن، فإن ما صدر عن هذا الشخص ليس أمورا شخصية تعنيه هو دوننا، إذ أن ما ارتكبه لم يكن مجرد نزوة عارضة، أو شهوة جامحة، بل هو يعبر عن روحيته، وعن نظرته لتعاليم الدين، وعن قيمة رسول الله (ص) في نفسه، وعن قسوته وعن حقيقة مشاعره


/ صفحة 138 /

الإنسانية، وأحاسيسه البشرية، وعن أخلاقياته، وعن قيمه، وليست القضية هي أنه اجتهد فأخطأ فله أجر، أو أصاب فله أجران(1)، كما رواه لنا أتباع مدرسة الخلفاء، وأخذناه عنهم، وصرنا نردده من دون تثبت، ثم إنهم بنفس هذه القاعدة (!!) برروا لنا قتال عائشة ومعاوية لعلي عليه السلام، وثبت لهما الآجر الواحد بقتاله، وبقتل عشرات الألوف من المؤمنين والمسلمين.

بل قد ادعوا: أن عبد الرحمان بن ملجم قد اجتهد فأخطأ في قتل علي، فهو مأجور أجرا واحدا على جريمته (2) وأبو الغادية قاتل عمار بن ياسر أيضا قد اجتهد فأخطأ، فهو مأجور أجرا واحدا على قتل عمار (3).

فقضية الزهراء إذن أساسية في حياتنا الفكرية والإيمانية، ولها ارتباط بأمر أساسي في هذا الدين، فلا ينبغي الاستهانة بها، أو التقليل من أهميتها.

اجتهد فأخطأ؟!:

وبعد: فإن أول من طرح مقولة الاجتهاد، والخطأ في الاجتهاد، لتبرير جرائم ارتكبها الآخرون هو ـ فيما نعلم ـ الخليفة الأول، حينما طالبه الخليفة الثاني بإصرار بمعاقبة خالد بن الوليد لقتله الصحابي

ــــــــــــــــــــ

(1) هذه الرواية رويت من غير طرق الشيعة في الأكثر..

(2) المحلى: ج 10 ص 484. والجوهر النقي: (مطبوع بهامش سنن البيهقي)، ج 8 ص 58 عن الطبري في التهذيب.

(3) الفصل: ج 4 ص 161. (*)


/ صفحة 139 /

المعروف مالك بن نويرة، حينما امتنع عن الاعتراف بشرعية الحكم الجديد، وأصر على الالتزام بالوفاء للخليفة الذي أقصي عن موقعه، ثم نزا على امرأة ذلك القتيل في الليلة التي قتله فيها بالذات، فإن أبا بكر أطلق في هذه المناسبة بالذات كلمته المعروفة: "تأول فأخطأ" أو "اجتهد فأخطأ"(1).

ثم جاء من روى حديثا يجعل لمن أصاب في اجتهاده أجرين، وللمخطئ أجرا واحدا، كما رواه عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وعمر بن الخطاب (2).

وكانت هذه المقولة بمثابة "الاكسير" الذي يحول التراب الى ذهب، بل هي أعظم من الاكسير، فقد بررت أفظع الجرائم وأبشعها، حتى جريمة قتل الأبرياء في الجمل، وصفين، وقتل علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر كما قدمنا، ثم بررت جريمة لعن علي(ع) على ألوف المنابر ألف شهر، ثم جريمة قتل الحسين(ع) وذبح أطفاله، وسبي عقائل بيت الوحي وسوقهن من بلد إلى بلد.. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه..

ومن أجل تتميم الفائدة وتعميمها، فقد منح جيل من الناس

ــــــــــــــــــــ

(1) وفيات الأعيان: ج 6 ص 15 والمختصر في أخبار البشر: ج 1 ص 158 وروضة المناظر، لمحمد بن الشحنة (مطبوع بهامش الكامل في التاريخ): ج 7 ص 167 والكامل في التاريخ: ج 3 ص 49 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 1 ص 179، وتاريخ الطبري ط ليدن: ج 4 ص 1410.

(2) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 198 و 204 وراجع: ص 205 وراجع: ج 2 ص 187 وراجع: صحيح البخاري ج 4 ص 171، وصحيح مسلم: ط دار إحياء التراث العربي، ج 3 ص 1342 وسنن أبي داود: ج 3 ص 299 والجامع الصحيح للترمذي: ج 3 ص 615 والمحلى: ج 1 ص 69 / 70. (*)


/ صفحة 140 /

بأكمله وسام الاجتهاد(1)، الذي يبرر له كل أخطائه، مع أن فيهم مرتكب الزنا، وشرب الخمر، والقتل، والسرقة، وغير ذلك فضلا عن الخروج على إمام زمانه، ثم فيهم العالم والجاهل إلى درجة أنه لا يحسن أن يتوضأ، أو أن يطلق امرأته.

بل لقد قالوا: إن ما فعلوه كان بالاجتهاد والعمل به واجب، ولا تفسيق بواجب (2).

بل قال البعض: يجوز للصحابة العمل بالرأي في موضع النص، وهذا من الأمور الخاصة بهم دون غيرهم (3).

إلى أمور ومقولات كثيرة تحدثنا عنها في كتابنا "الصحيح من سيرة النبي (ص)" في الجزء الأول منه، فراجع..

العمدة هو كتاب سليم وهو غير معتمد:

هناك من لا يرضيه الاستشهاد بما جاء في كتاب سليم بن قيس من أحاديث تذكر ما جرى على الزهراء، ويقول: جئني بغير ما روي في هذا الكتاب؟.

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: التراتيب الإدارية: ج 2 ص 364 / 366.

(2) راجع: فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت: ج 2 ص 158 و 156 وسلم الوصول: (مطبوع مع نهاية السول) ج 3 ص 176 و 177 والسنة قبل التدوين: هامش ص 396 و 404 و 405. وحول ثبوت الأجر للمشتركين في الفتنة، راجع: اختصار علوم الحديث (الباعث الحثيث): ص 182. وإرشاد الفحول: 69.

(3) أصول السرخسي: ج 2 ص 134 و 135. ثم ناقش هذه المقولة وردها. (*)


/ صفحة 141 /

فما هو السر يا ترى في هذا الموقف من سليم ومن كتابه؟!

بل هو يقول: "إن كتاب سليم بن قيس ـ الذي هو العمدة في الموضوع على حد زعمه ـ ليس بمعتمد في صيغته بشهادة الشيخ المفيد وغيره، مع أن فيه خلطا لا يخفى على أحد".

ونقول:

أولا: ليس كتاب سليم هو العمدة في نقل ما جرى على الزهراء(ع) في الجملة. بل مضافا إلى ما جاء في كتاب سليم هناك روايات كثيرة بل متواترة عن المعصومين(ع)، ونصوص تاريخية متضافرة أوردها المؤرخون في كتبهم على اختلاف مذاهبهم، وسنذكر في هذا الكتاب طائفة كبيرة من ذلك إن شاء الله تعالى.

ثانيا: كتاب سليم يعد من أوائل ما ألفه قدماء الأصحاب، وهو يعبر عن أصول وثوابت المذهب بصورة عامة، وقد تلقاه العلماء بالقبول والرضا، ولا نجد فيه أي أثر لهذا الخلط المزعوم، ولم يقدم لنا مدعيه أي مورد يصلح شاهدا على مدعاه، حيث لم يظهر لنا من هذا الخلط سوى دعواه ذلك.

ولعل عدم رضا البعض بما فيه ينشأ عن أنه لا ينسجم هو شخصيا مع كثير مما ورد فيه، بل هو يناقض بعض طروحاته، ونحن لا نرى أي مبرر لاستثناء كتاب سليم من ثقافتنا التاريخية والاعتقادية،

بل إن قدمته، واتصال مؤلفه بعلي أمير المؤمنين عليه السلام، وبعدد من الأئمة بعده يرجحه على كثير مما عداه من كتب ألفت بعده بعشرات السنين.

وفي محاولة منا لتقريب الصورة، بحيث تصبح أكثر وضوحا


/ صفحة 142 /

ودقة وتعبيرا عن حقيقة هذا الكتاب ومدى اعتباره، ومبررات التشكيك، فيه.

نقول:

كتاب سليم معتمد:

إن ما ذكره هذا البعض لا يمكن قبوله، وذلك لما يلي:

أولا: إن مجرد التشكيك في كتاب لا يكفي لتبرير رفض ما فيه، ما لم يصرح بمبررات تشكيكه، ويقدم الشواهد والدلائل الموجبة للتشكيك في نسبة الكتاب، أو تثبت وجود تخليط أو دس فيه، أو تدل على أنه كتاب موضوع، أو غير ذلك، ومن دون ذلك، فلا يلتفت إلى دعوى الشك هذه، وذلك بديهي وواضح لكل أحد.

ثانيا: إننا إذا رجعنا إلى كتاب سليم بن قيس، فلا نجد فيه إلا ما هو سليم وموافق للمذهب، وليس فيه ما يحتمل أن يكون غلوا في شأن الأئمة حتى على زعم من يرى ذكر بعض هذه المعجزات غلوا ومع هذا فإنك ترى في الكافي وغيره من كتب الشيعة أضعاف ما ورد في كتاب سليم ولا طريق لنا إلى رده.

وقد روي عن الإمام الباقر(ع)، وهو يتحدث عن أصحابه، أنه قال:

"إن أسوأهم عندي حالا، وأمقتهم إلي الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا، ويروى عنا فلم يعقله، ولم يقبله قلبه اشمأز منه، وجحده، وكفر بمن دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج، وإلينا


/ صفحة 143 /

أسند، فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا "(1).

وقال عليه السلام:

"لا تكذبوا بحديث أتاكم أحد، فإنكم لا تدرون لعله من الحق، فتكذبوا الله فوق عرشه " (2).

ثالثا: إن كلمات العلماء عن كتاب سليم تدل على أنه من الأصول المتقنة التي هي في غاية الاعتبار.

وفيما يلي شطر من أقوالهم هذه:

قال النعماني في كتاب الغيبة (3) بعدما أورد من كتاب سليم أخبارا كثيرة، ما هذا لفظه: "كتابه أصل من الأصول (4) التي رواها أهل العلم، وحملة حديث أهل البيت عليهم السلام وأقدمها، لأن جميع ما اشتمل عليه هذا الكتاب (5) إنما هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، والمقداد، وسلمان الفارسي، وأبي ذر، ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله، وأمير المؤمنين عليهما السلام، وسمع منهما.

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 2 ص 186، حديث 12 والكافي: ج 2 ص 223 حديث 7.

(2) البحار: ج 2 ص 186. وراجع: ص 187 و 188. وراجع: المحاسن: ص 230 / 231.

(3) راجع: غيبة النعماني: ص 101 و 102 ـ باختلاف يسير ـ تحت عنوان: ما روي في أن الأئمة اثنا عشر إماما وراجع أيضا، الذريعة: ج 2 ص 152.

(4) في الأصل: من أكبر كتب الأصول.

(5) في المصدر: هذا الأصل. (*)


/ صفحة 144 /

وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها، وتعول عليها. إنتهى"(1).

أما العلامة المتبحر الشيخ الطهراني فهو يقول: "روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شئ، ولا يعلم من أسبابنا شيئا، وهو أبجد الشيعة، ومن سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله" (2).

وقال: "عن مختصر البصائر: أنه قرأ أبان بن أبي عياش كتاب سليم على سيدنا علي بن الحسين عليه السلام، بحضور جماعة من أعيان أصحابه، منهم أبو الطفيل، فأقره عليه زين العابدين عليه السلام، وقال: هذه أحاديثنا صحيحة (3)".

وذكر الكشي عرض الحديث المذكور آنفا على الباقر عليه السلام ـ بعد أبيه السجاد ـ وأنه اغرورقت عيناه، وقال: صدق سليم، وقد أتى أبي بعد قتل جدي الحسين، وأنا قاعد عنده فحدثه بهذا الحديث بعينه، فقال أبي: صدق. وقد حدثني أبي وعمي الحسن بهذا الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام (4) ".

وقد أشار إلى هذا الكتاب أيضا أحمد بن حنبل في

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 30، ص 133 و 135.

(2) الذريعة: ج 2، ص 152.

(3) الذريعة: ج 2، ص 153.

(4) الذريعة: ج 2 ص 153 ط مؤسسة اسماعيليان. وراجع: اختيار معرفة الرجال: ص 104 و 105. الحديث رقم 167. (*)


/ صفحة 145 /

مسنده(1).

وقال عنه ابن النديم: هو أول كتاب ظهر للشيعة (2) ومراده: أنه أول كتاب ظهر فيه أمر الشيعة (3).

وقال بدر الدين السبكي: " أول كتاب صنف للشيعة هو كتاب سليم " (4).

ونقل عن كتاب سليم كثير من قدماء الأصحاب، مثل: ثقة الإسلام في الكافي، ورئيس المحدثين الشيخ الصدوق في الخصال، وفرات في تفسيره، ومن لا يحضره الفقيه، وعيون المعجزات، والاحتجاج، وإثبات الرجعة، والاختصاص، وبصائر الدرجات، وتفسير ابن ماهيار، والدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم.

فقد رووا عنه بأسانيد متعددة تنتهي أكثرها إلى أبان بن عياش، الذي أعطاه سليم كتابه مناولة، ويرويه أيضا عن سليم بغير مناولة (5).

وقد اعتبره النجاشي في جملة القلائل المتقدمين في التصنيف من سلفنا الصالح (6)، وأشار إليه شيخ الطائفة الشيخ الطوسي رحمه الله (7) وابن شهرآشوب المازندراني(8).

ــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد: ج 2 ص 332.

(2) الفهرست: ص 275. والذريعة: ج 2 ص 153.

(3) الذريعة: ج 2، ص 153.

(4) المصدر السابق، عن محاسن الوسائل في معرفة الأوائل.

(5) راجع: الذريعة: ج 2 ص 154 و 155.

(6) رجال النجاشي: ص 6.

(7) الفهرست: ص 162.

(8) معالم العلماء: ص 58. (*)


/ صفحة 146 /

أما المسعودي فقال: "والقطعية بالإمامة، الاثنا عشرية منهم، الذي أصلهم في حصر العدد ما ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه(1)".

وقال العلامة السيد ابن طاووس: "تضمن الكتاب ما يشهد بشكره وصحة كتابه(2)".

وقال المولى محمد تقي المجلسي: "إن الشيخين الأعظمين حكما بصحة كتابه، مع أن متن كتابه دال على صحته(3)".

وقال: "كفى باعتماد الصدوقين: الكليني والصدوق: ابن بابويه عليه.. وهذا الأصل عندي، ومتنه دليل صحته(4)".

وقد اعتبره المحدث المتبحر الشيخ الحر من الكتب المعتمدة التي شهد بصحتها مؤلفوها وغيرهم، وقامت القرائن على ثبوتها، وتواترت عن مؤلفيها، أو علمت صحة نسبتها إليهم(5).

وراجع ما نقله الفاضل المعاصر الشيخ محمد باقر الأنصاري الزنجاني الخوئيني في مقدمة كتاب سليم بن قيس: ج 1 ص 109 ـ 113 عن العلامة السيد مصطفى التفريشي، والعلامة السيد هاشم البحراني والمدقق الشيرواني، والفاضل المتبحر مير حامد حسين صاحب كتاب عبقات الأنوار، وغيرهم.

ــــــــــــــــــــ

(1) التنبيه والإشراف: ص 198.

(2) التحرير الطاووسي: ص 136.

(3) روضة المتقين: ج 14 ص 372.

(4) تنقيح المقال: ج 2 ص 53.

(5) راجع: وسائل الشيعة: ج 20 ص 36 و 42. (*)


/ صفحة 147 /

كما أن العلامة السيد محسن الأمين رحمه الله قد اعتمده ونقل عنه في كتاب المجالس السنية الذي يقول في آخره: ".. وأخذه من المصادر والموثوقة والمصنفات المشهورة"(1) وهو إنما كتب كتابه هذا "المجالس السنية" ليكون عملا إصلاحيا، يبعد فيه عن سيرتهم عليهم السلام عما يعتقد فيه أنه مدسوس أو مكذوب (2).

منشأ الطعن في كتاب سليم:

إن منشأ الطعن في كتاب سليم بن قيس، أمران:

الأمر الأول:

ما قاله محمد بن أبي بكر لأبيه عند موته:

فقد جاء في كتاب سليم: أن سليما التقى بعبد الرحمان بن غنم فأخبره عما قاله معاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة عند حضور أجلهم، حيث ذكروا: أنهم رأوا رسول الله (ص) وعليا(ع) عند موتهم فبشرا كل واحد منهم بالنار.

ثم التقى سليم بمحمد بن أبي بكر، فأخبره بما قاله أبو بكر أيضا عند موته، ثم أخبره محمد بن أبي بكر، بأن عبد الله بن عمر قد سمع من أبيه عند موته مثل ذلك، وذكر له تفاصيل عما جرى بينه وبين أبيه. وهي من الأمور الجليلة التي لا يعقلها طفل عمره سنتان أو ثلاثة، بل يحتاج إلى وعي كامل، ومعرفة وتدبر للأمور.

ثم أخبر محمد سليما أيضا بأنه أتى أمير المؤمنين(ع) فحدثه بما

ــــــــــــــــــــ

(1) المجالس السنية: ج 5 ص 762.

(2) أعيان الشيعة: ج 10 ص 173. (*)


/ صفحة 148 /

سمعه من أبيه، وبما حدثه به ابن عمر عن أبيه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:

"قد حدثني عما قاله هؤلاء الخمسة(1) من هو أصدق منك ومن ابن عمر، يريد عليه السلام بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله قبل موته أو بعده بالمنام، أو أخبره الملك الذي يحدث الأئمة عليهم السلام.

وبعد شهادة محمد بن أبي بكر بمصر التقي سليم بأمير المؤمنين عليه السلام، وسأله عما أخبره محمد بن أبي بكر، فقال عليه السلام:

"صدق محمد رحمه الله، أما إنه شهيد حي يرزق "، ثم قرر عليه السلام كلام محمد بأن أوصياءه كلهم محدثون (2) ".

أما تفاصيل ما جرى بين محمد وبين أبيه عند موت أبيه فهو في كتاب سليم بن قيس نفسه (3) فليراجعه من أراد..

ونقول:

قال شيخ الإسلام العلامة المجلسي رحمه الله وهو العالم المتبحر والعلم الفذ:

"هذا الخبر أحد الأمور التي صارت سببا للقدح في كتاب

ــــــــــــــــــــ

(1) الخمسة هؤلاء هم: معاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة، وعمر، وأبو بكر، وهم الذين كتبوا الصحيفة التي تعاقدوا فيها على إبعاد الأمر عن علي(ع).

(2) راجع: مقدمة كتاب سليم للشيخ محمد باقر الأنصاري الخوئيني. ج 1 ص 187 و 188. و ج 2 ص 816 ـ 824.

(3) راجع: كتاب سليم بن قيس، ج 2 ص 821 ـ 823. تحقيق الشيخ محمد باقر الأنصاري الخوئيني. (*).


/ صفحة 149 /

سليم، لأن محمدا ولد في حجة الوداع ـ كما ورد في أخبار الخاصة والعامة ـ فكان له عند موت أبيه سنتان وأشهر، فكيف كان يمكنه والتكلم بتلك الكلمات، وتذكر تلك الحكايات؟!

ولعله مما صحف فيه النساخ أو الرواة.

أو يقال: إن ذلك كان من معجزات أمير المؤمنين عليه السلام ظهر فيه.

وقال بعض الأفاضل: رأيت فيما وصل إلي من نسخة هذا الكتاب: أن عبد الله بن عمر وعظ أباه عند موته.

والحق أن بمثل هذا لا يمكن القدح في كتاب معروف بين المحدثين، اعتمد عليه أمثال الكليني، والصدوق، وغيرهما من القدماء، وأكثر أخباره مطابقة لما روي بالأسانيد الصحيحة في الأصول المعتبرة. وقل كتاب من الأصول المتداولة يخلو عن مثل ذلك(1) ".

يضاف إلى ما ذكره العلامة المجلسي النقاط التالية:

1 ـ إن الشيخ محمد باقر الزنجاني يقول: " إن الصفار، والصدوق، والشيخ المفيد، وإبراهيم بن محمد الثقفي قبلهم حكوا هذا الحديث بعينه بالإسناد إلى سليم من غير طريق كتابه (2) ".

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 30 ص 133 و 134.

(2) راجع: بصائر الدرجات: ص 372،، وعلل الشرائع: ج 1 ص 182، والاختصاص: ص 324. والكافية في إبطال توبة الخاطئة للشيخ المفيد على ما رواه عنه المجلسي في البحار (طبع قديم): ج 8 ص 199 والغارات للثقفي: ح 1 ص 326. (*)


/ صفحة 150 /

2 ـ قد روي بعض ما ورد في هذا الحديث في كتب أخرى، مثل: تقريب المعارف للفقيه الجليل الشيخ أبي الصلاح، والأمالي لأستاذه الشيخ المفيد، والكافية في إبطال توبة الخاطئة للمفيد أيضا، ومدينة المعاجز للعلامة المقدس السيد هاشم البحراني عن ابن عباس وكعب الأحبار(1).

وقضية تكلم محمد بن أبي بكر مع أبيه حين الموت ذكرها كل من العماد الطبري في كتابه: كامل بهائي (2) والغزالي في سر العالمين، وابن الجوزي في تذكرة الخواص(3).

3 ـ بقي أن نشير إلى أن ما ذكر عن مقدار عمر محمد بن أبي بكر حينئذ ليس هو الكلام النهائي فيه، فقد ذكروا أنه كان له من العمر حين وفاة أبيه حوالي خمس سنوات، إن كان قد ولد في سنة ثمان، أو أربع سنوات، إن كانت ولادته في حجة الوداع سنة تسع للهجرة، فلعل هذا الطفل كان من النوابغ.

واحتمل العلامة المجلسي أن تكون هذه معجزة أظهرها الله سبحانه لأمير المؤمنين عليه السلام (4).

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: مقدمة كتاب سليم بن قيس للأنصاري الخوئيني: ج 1 ص 191 و 192.

(2) كامل بهائي: ج 2 ص 129. الفصل الخامس، وعنه في مقدمة كتاب سليم للأنصاري الخوئيني، ج 1 ص 194.

(3) راجع: مقدمة كتاب سليم للأنصاري الخوئيني، ج 1 ص 194، وفي هامشه عن: استقصاء الأفهام: ج 1 ص 514، وعن كشف الحجب: ص 445 وتذكرة الخواص ص 62.

(4) راجع: مقدمة كتاب سليم: ج 1 ص 91 / 196. (*)


/ صفحة 151 /

الخلاصة:

ومهما يكن من أمر فإن وجود حديث معضل في كتاب لا يبرر الخدشة في الكتاب كله، مع احتمال وجود تصحيف أو سهو من الكاتب نفسه بأن يكون المقصود هو عبد الرحمان بن أبي بكر، أو غير ذلك من احتمالات. وفي الكتب المعتبرة موارد كثيرة من هذا القبيل ولم يقدح ذلك في اعتبارها.

الأمر الثاني: الأئمة ثلاثة عشر:

قد جاء في كتاب سليم راويا ذلك عن النبي (ص) قوله (ص): " ألا وإن الله نظر إلى أهل الأرض نظرة فاختار منهم رجلين: أحدهما أنا، فبعثني رسولا، والآخر علي بن أبي طالب.. إلى أن قال: ألا وإن الله نظر نظرة ثانية، فاختار بعدنا اثني عشر وصيا من أهل بيتي، فجعلهم خيار أمتي، واحدا بعد واحد(1) ".

ونقول:

إن ذلك لا يصلح سببا للطعن في الكتاب، وذلك لما يلي:

1 ـ إن من القريب جدا أن تكون كلمة " فاختار بعدنا اثني عشر " تصحيفا لكلمة بعدي، لا سيما وإن حرف (نا) وحرف (ي) يتقاربان في الرسم إلى حد ما.

بل لقد قال العلامة المجلسي وغيره: " وقد وجدنا في بعض

ــــــــــــــــــــ

(1) كتاب سليم بن قيس: ج 2 ص 857. (*)


/ صفحة 152 /

النسخ " بعدي " من دون تصحيف(1).

واحتمل المجلسي أيضا: أنه كان أحد عشر فصحفه النساخ (2).

ومما يدل على ذلك أيضا: أن هذا الحديث قد ذكر بعينه في موضع آخر من الكتاب، وفيه "بعدي" بدل بعدنا (3).

2 ـ إن في كتاب سليم حسب إحصائية البعض (4) أربعة وعشرين موردا غير ما نحن فيه قد نص فيها على أن الأئمة هم اثنا عشر إماما بصورة صريحة وواضحة(5).

فلا معنى للتمسك بهذا النص الأخير للطعن على الكتاب كله بحجة أنه قد جعل الأئمة ثلاثة عشر..

فإذا كان هذا المورد الواحد دليل وضع الكتاب، فليكن أربعة وعشرون موردا آخر دليل صحته وأصالته، لا سيما مع الاحتمال القوي جدا بحصول التصحيف في كلمة " بعدنا "، كما ألمحنا إليه.

3 ـ قال آية الله السيد الخوئي (قدس سره): " إن اشتمال الكتاب على أمر باطل في مورد أو موردين لا يدل على وضعه، كيف ويوجد أكثر من ذلك في أكثر الكتب حتى كتاب الكافي، الذي هو

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 22 ص 150 ومقدمة كتاب سليم: ج 1 ص 181.

(2) راجع البحار: ج 22 ص 150.

(3) راجع: كتاب سليم بن قيس: ج 2 ص 686.

(6) هو الشيخ محمد باقر الأنصاري الخوئيني.

(5) راجع: محمد باقر الأنصاري الخوئيني: مقدمة كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج 1 ص 172 / 180. (*)


/ صفحة 153 /

أمتن كتب الحديث وأتقنها(1) ".

وقال العلامة المجلسي: ".. وهذا لا يصير سببا للقدح، إذ قلما يخلو كتاب من أضعاف هذا التصحيف والتحريف، ومثل هذا موجود في الكافي وغيره من الكتب المعتبرة، كما لا يخفى على المتتبع (2) ".

4 ـ قال المسعودي المتوفى سنة 345 ه‍.: ".. والقطعية بالإمامة الاثنا عشرية منهم، الذين أصلهم في حصر العدد ما ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه (3) ".

وقد ذكره عدد من العلماء في عداد الأصول القديمة التي نصت على الأئمة الاثني عشر عليهم سلام الله، فراجع (4).

وذلك يؤكد وقوع التصحيف في هذا الحديث.

5 ـ ذكر المحقق الشيخ محمد تقي التستري العديد من الموارد المشابهة في الكافي، ونحن ننقل هنا عبارة الشيخ التستري(5) رحمه الله، قال: " إنه من سوء تعبير الرواة، والا فمثله في الكافي أيضا موجود،

ــــــــــــــــــــ

(1) معجم رجال الحديث: ج 8 ص 225. وعنه في مقدمة كتاب سليم للشيخ محمد باقر الأنصاري الخوئيني ص 170.

(2) بحار الأنوار: ج 22 ص 150. وعنه في مقدمة كتاب سليم للشيخ محمد باقر الأنصاري: ص 170.

(3) التنبيه والإشراف ص 198.

(4) مقدمة كتاب سليم بن قيس، للأنصاري الخوئيني: ج 1 ص 172.

(5) مقدمة كتاب سليم بن قيس: ج 1 ص 183، للأنصاري الخوئيني، نقلا عن المحقق الشيخ التستري رحمه الله. (*)


/ صفحة 154 /

ففي باب ما جاء في النص على الأئمة الاثني عشر في خبر عن النبي صلى الله عليه وآله: "إني واثني عشر من ولدي وأنت يا علي زر الأرض.. فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها(1)".

وفي خبر آخر عنه صلى الله عليه وآله: " من ولدي اثنا عشر نقباء نجباء مفهمون آخرهم القائم (2)".

ورواهما أبو سعيد العصفري في أصله بلفظ " أحد عشر"(3).

وفي خبر ثالث عن جابر الأنصاري قال: "دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثني عشر " (4).

ورواه الصدوق في الإكمال والعيون والخصال بدون كلمة " من ولدها " (5).

وفي خبر رابع عن الباقر عليه السلام: " الاثنا عشر إماما من آل محمد كلهم محدث من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، وولد علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما " (6). ورواه في الخصال والعيون: " كلهم محدث بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب منهم " (7).

ــــــــــــــــــــ

(1) الكافي: ج 1 ص 534 ح 17.

(2) الكافي: ج 1 ص 534 ح 18.

(3) أصل أبي سعيد العصفري: الصفحة الأولى.

(4) الكافي: ج 1 ص 532 ح 9.

(5) إكمال الدين: ص 311 ح 3، عيون الأخبار: ج 1 ص 37 ح 6، الخصال: ب 12 ح 42.

(6) الكافي: ج 1 ص 533 ح 14.

(7) عيون الأخبار: ج 1 ص 46 ح 24، الخصال: ب 12 ح 49. (*)


/ صفحة 155 /

وفي خبر خامس عن أبي سعيد الخدري في سؤالات اليهودي (عن الأئمة) بعد النبي وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، فقال عليه السلام له: " إن لهذه الأمة اثنى عشر إمام هدى من ذرية نبيها وهم مني ـ إلى أن قال: ـ وأما من معه في منزله فهؤلاء الاثنى عشر من ذريته "(1).

وقد روى مضمون هذا الخبر النعماني بدون قيد " من ذرية نبيها " (2). هذا هو نص كلام الشيخ التستري في قاموس الرجال (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) الكافي: ج 1 ص 232 ح 8.

(2) الغيبة للنعماني: ص 67.

(3) قاموس الرجال: ح 4 ص 452. (*)


الفصل الرابع
ماذا يقول المفيد (ره)

/ صفحة 159 /

توطئة وبداية:

هناك من يحاول إثارة الشك بكل ما جرى على الزهراء عليها السلام، باستثناء التهديد بإحراق البيت وغصب فدك.

وحتى هذا التهديد، فإنه يحاول أو يخفف من وقعه، ويجعله صوريا بدعواه: " أن الذين جاء بهم الخليفة الثاني ليهاجموا الزهراء عليها السلام، كانت قلوبهم مملوءة بحبها فكيف نتصور أن يهجموا عليها ".

هذا بالإضافة إلى أن قوله: " إن الناس كانوا يحترمونها ويجلونها، ولن يكون من السهل القيام بأي عمل ضدها ".

يعني: أن يصبح التهديد شكليا، ثم يضيف قوله: إن رأس المهاجمين قد استثنى الزهراء عليها السلام، وأخرجها عن دائرة التهديد، حيث فسر كلمة: " وإن " في جواب من قال: إن فيها فاطمة، قائلا: "إن المراد بقوله "وإن": لا شغل لنا بفاطمة، إنما جئنا لاعتقال علي".

ثم استشهد لذلك كله بما تقدم في الفصل السابق، وبما سنذكره في هذا الفصل وما يأتي بعده.


/ صفحة 160 /

والذي نريد أن نلم به في فصلنا هذا هو ما رأى أنه يؤيده من أقوال بعض أساطين المذهب، ورواد العلم، حيث استشهد بكلام ثلاثة من هؤلاء وهم:

1 ـ الإمام الشيخ المفيد قدس الله نفسه الزكية.

2 ـ آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله.

3 ـ آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين طاب ثراه.

فنحن نورد أولا كلام المفيد (قدس سره)، ثم نوضح أنه لا ينفعه فيما يريد إثباته، وذلك فيما يلي من مطالب.

الاستناد إلى أقوال العلماء:

قلنا: إن البعض يستشهد لتأييد تشكيكاته فيما جرى على الزهراء عليها السلام، من بلايا ومصائب بأقوال ينسبها إلى بعض كبار العلماء، كالمفيد، وكاشف الغطاء، وشرف الدين.

وقبل إن ندخل في مناقشة صحة ما ينسب إليهم، نود التذكير بأمر هام يرتبط بالاستشهاد بأقوال العلماء بصورة عامة.

فنقول:

إن البعض قد يعتذر عن مخالفاته الكثيرة في أمور الدين لما عليه عامة جهابذة العلم وأساطينه، بأن فلانا العالم يقول بهذا القول، وأن فلانا العالم الآخر يقول بذلك القول.. وهكذا..

وقد لا يقتصر في اعتذاره هذا على أمور الفقه بل يتعداها إلى


/ صفحة 161 /

العقائد، والتاريخ: والتفسير، وغير ذلك، وقد يحتاج أحيانا، قبل أن يجهر ببعض قناعاته إلى أن يمهد لها بما يبعدها عن الإستهجان والاستغراب بأنواع التمهيدات، فيسرب رأيه أولا عن طريق بعض المقربين له، ثم يعلن في مناسبات متوالية أنه لا يزال يدرس الموضوع، ويلمح في الوقت نفسه إلى فرص انتاج الرأي المطلوب بطريقة أو بأخرى. وحين لا يجد أحدا من الفقهاء يوافقه على ما يقول، فأنه يلجأ إلى اعتبار الاحتياط الوجوبي بنقيض قوله إشارة بل اتجاها نحو موافقته بالفتوى في المستقبل. فالقول بأن الأحوط هو حرمة حلق اللحية مثلا، يعتبره خطوة على طريق القول بالحلية، ويصلح للاستشهاد به لها.

ثم إنك قد تجده يقول: أنا فلانا العالم والفقيه المعروف لدى عامة الناس، هو أول من قال بكذا، فإذا راجعت الكتب والموسوعات الفقهية، تجد أن الأمر ليس كذلك، بل قد سبق هذا الفقيه إلى هذا القول كثيرون آخرون.

فقد يقال لك مثلا في العديد من المرات والمناسبات أن المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم رحمه الله هو أول من أفتى بطهارة الكتابي، مخالفا بذلك الإجماع، والقصد من هذا القول هو تبرير مخالفات الإجماع التي تصدر من قبل من يهمه أمثال هذه التبريرات، مع أن ابن أبي عقيل، وابن الجنيد، والشيخ المفيد في أحد قوليه، وربما نسب إلى الشيخ الطوسي أيضا القول بذلك ـ وجميع هؤلاء من كبار قدماء فقهاء الإمامية ـ، وقد أفتوا بطهارة الكتابي قبل السيد الحكيم رحمه الله.

ومثال آخر نذكره هنا، وهو أن البعض حين يسأل عن السبب


/ صفحة 162 /

في تحليله اللعب بآلات القمار نجده يبادر إلى الاستشهاد بالسيد الإمام الخميني (ره) على أنه قد خالف الإجماع حين حلل اللعب بالشطرنج وهو من آلات القمار..

مع أن السيد الإمام لم يحلل الشطرنج الذي هو من آلات القمار، بل قال رحمه الله: " إن الشطرنج إن كان قد خرج عن كونه من آلات القمار، جاز اللعب به ". وهذه قضية تعليقية شرطية، وصدق الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها.

على أن من الواضحات كون الافتاء بالجواز معلقا على شرط، لا يعني المخالفة لمن أفتى بالحرمة بدون ذلك الشرط.

وحين تجتمع لدى البعض نوادر من الفتاوى، على نحو ملفت للنظر، نجده يبرر ذلك بأن فلانا العالم قد قال بهذه الفتوى، وقال فلان العالم الآخر بتلك، وهكذا.

ولكننا لا ندري لماذا يكون الحق في ذلك كله مع هؤلاء في خصوص المسائل التي شذوا فيها مما وافقهم عليه، ولكنهم يخطئون في فتاواهم والمشهور يخطئ معهم، في غير ذلك من فتاوى تخالفه، فضلا عن خطأهم فيما شذوا فيه عن المشهور، ولم يوافقهم هذا البعض أيضا عليه؟!

على أن اجتماع فتاوى شاذة كثيرة لدى شخص واحد، قد يؤدي إليه أن يصبح هذا الشخص خارج دائرة المذهب الفقهي الذي ينتمون إليه..

وإن كان لا يخلو فقيه من الموافقة في بعض فتاواه لبعض الفتاوى الشاذة اليسيرة جدا، والتي لا تضر، ولا تخرجه عن النهج العام للمذهب الذي ينتمي إليه.


/ صفحة 163 /

وبعد هذه المقدمة، ندخل إلى الموضوع الذي هو محط نظرنا، فنقول:

الإجماع على المظلومية:

هناك من يقول: بأن ثمة إجماعا على أن الزهراء عليها السلام قد ظلمت، وضربت، بل وأسقط جنينها، لكن البعض حاول التشكيك في إجماع كهذا، ولم يقنعه ما جاء في تلخيص الشافي، من نص شيخ الطائفة الشيخ الطوسي على أنه لا خلاف بين الشيعة، في أن فاطمة عليها السلام قد تعرضت للضرب، وإسقاط الجنين.

ولم يقنعه أيضا، رواية ذلك بكثرة ظاهرة في مصنفاتهم شيعة أهل البيت(ع)، ولا ورود ذلك أيضا بصورة مستفيضة من طرق غيرهم.

بل إن روايات الشيعة عن المعصومين، فضلا عن غيرهم، حول مظلوميتها عليها السلام من الكثرة والتنوع بحيث يمكن القول بتواترها.

ونحن نذكر هنا كلام الشيخ الطوسي، والعلامة كاشف الغطاء حول هذا الأمر، ثم نعقب ذلك بمناقشة ما قاله هذا البعض حول ذلك.

فنقول:

1 ـ قال شيخ الطائفة الإمام الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 ه‍. وهو تلميذ الشيخ المفيد، والشريف المرتضى:


/ صفحة 164 /

" ومما أنكر عليه: ضربهم لفاطمة عليها السلام. وقد روي أنهم ضربوها بالسياط.

والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة: أن عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت، فسمي السقط " محسنا "، والرواية بذلك مشهورة عندهم. وما أرادوا من إحراق البيت عليها، حين التجأ إليها قوم، وامتنعوا من بيعته.

وليس لأحد أن ينكر الرواية بذلك، لأنا قد بينا الرواية الواردة من جهة العامة، من طريق البلاذري، وغيره. ورواية الشيعة مستفيضة به، لا يختلفون في ذلك(1) ".

2 ـ وقال العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: " طفحت واستفاضت كتب الشيعة، من صدر الإسلام، والقرن الأول، مثل كتاب سليم بن قيس، ومن بعده إلى القرن الحادي عشر وما بعده، بل وإلى يومنا هذا، كل كتب الشيعة التي عنيت بأحوال الأئمة، وأبيهم الآية الكبرى، وأمهم الصديقة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين، وكل من ترجم لهم، وألف كتابا فيهم، وأطبقت كلمتهم تقريبا، أو تحقيقا في ذكر مصائب تلك البضعة الطاهرة: أنها بعد رحلة أبيها المصطفى ضرب الظالمون وجهها، ولطموا خدها، حتى احمرت عينها، وتناثر قرطها، وعصرت بالباب حتى كسر ضلعها، وأسقطت جنينها، وماتت وفي عضدها كالدملج.

ثم أخذ شعراء أهل البيت سلام الله عليهم، هذه القضايا والرزايا، ونظموها في أشعارهم، ومراثيهم، وأرسلوها إرسال

ــــــــــــــــــــ

(1) تلخيص الشافي: ج 3 ص 156. (*)


/ صفحة 165 /

المسلمات: من الكميت، والسيد الحميري، ودعبل الخزاعي، والنميري، والسلامي، وديك الجن، ومن بعدهم، ومن قبلهم الى هذا العصر الخ...(1) ".

3 ـ يقول المقدسي: "وولد محسنا، وهو الذي تزعم الشيعة: أنها أسقطته من ضربة عمر(2)".

4 ـ وقد نسب المعتزلي الشافعي ضربها(ع) وإسقاط المحسن إلى الشيعة، وأن الشيعة تنفرد به (3).

5 ـ ويقول العلامة المظفر: يكفي في ثبوت قصد الإحراق رواية جملة من علمائهم له، بل رواية الواحد منهم له، لا سيما مع تواتره عند الشيعة (4).

فالمقدسي والمعتزلي الشافعي إذن ينسبان رواية المظلومية والقول بها إلى طائفة الشيعة، لا إلى جمهورها، أو إلى المشهور في هذه الطائفة، وذلك يشير إلى هذا الإجماع الذي أشار إليه الطوسي وكاشف الغطاء رحمهما الله تعالى.

وبعد ما تقدم نقول:

لقد حاول البعض التشكيك الإجماع المذكور، وذلك استنادا إلى أمور ثلاثة.

الأول: إن الشيخ المفيد لا يلتزم به، بل هو يذكر ما ينقض هذا الإجماع.

ــــــــــــــــــــ

(1) جنة المأوى: ص 78 ـ 81.

(2) البدء والتاريخ: ج 5 ص 20.

(3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 2 ص 60.

(4) دلائل الصدق: ج 3 قسم 1. (*)


/ صفحة 166 /

الثاني: إن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، لم يلتزم بمفاده.

الثالث: إن السيد شرف الدين كذلك لم يلتزم بمفاده.

وفي الصفحات التالية في هذا الفصل وما يأتي بعده نذكر كلامهم، ونناقشه مع توخي الاختصار والاقتصار على المهم فنقول:

مراد الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد:

يقول البعض:

يقول الشيخ المفيد (قده): " وفي الشيعة من يذكر: أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي صلى الله عليه وآله ولدا ذكرا، كان سماه رسول الله عليه السلام ـ وهو حمل ـ محسنا، فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون. والله أعلم(1) ".

وقد نقل السيد الأمين كلام الشيخ المفيد ـ هذا ـ في كتابه: أعيان الشيعة. ونقله المجلسي في البحار وآخرون.

فإذا كان الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة على أن عمر ضرب على بطن فاطمة حتى أسقطت محسنا، والرواية بذلك

ــــــــــــــــــــ

(1) الإرشاد: ج 1 ص 355 (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث. سنة 1416 ه‍. ق. بيروت لبنان) والبحار: ج 42 ص 90 عنه وكشف الغمة: ج 2 ص 67. (*)


/ صفحة 167 /

مشهورة عندهم(1). فالشيخ المفيد يخالف الطوسي، وهو معاصر له بل هو أستاذه، وكلامه "يوحي بأنه لا يتبنى الاسقاط من الأساس".

والجواب:

أولا: إن العبارة المذكورة لا تدل على مخالفة المفيد للطوسي في هذا الأمر، لأن كلمة "الشيعة" كانت في زمن الشيخ المفيد تطلق على العديد من الفرق، مثل: الزيدية، والاسماعيلية، والإمامية، وغيرهم، بل وعلى المعتزلة أيضا الذين كانوا هم الحاكمين في بغداد، هم الذين سمحوا بإقامة مناسبة عاشوراء بالطريقة المعروفة والمتداولة حتى يومنا هذا.

وكان يطلق على الشيعة الإمامية من قبل خصومهم اسم: الرافضة.

وقد تحدث النوبختي في كتابه فرق الشيعة، والأشعري في المقالات والفرق، والشيخ المفيد نفسه في الفصول المختارة، وغيرهم عن فرق الشيعة، ومن أراد التفصيل فليراجعها، وغيرها من كتب المقالات والفرق، بل إن العلامة الفاضل المازندراني الخواجوئي قد رد على من أدعى أن إطلاق كلمة الشيعة على خصوص من يعتقد بإمامة علي، وان لم يعتقد بإمامة سائر الأئمة، بقوله: "هذا منه غريب، يدل على قلة تتبعه وعدم تصفحه. فإن في كثير من الأخبار دلالة على إطلاق الشيعة على الزيدية والواقفية، ومن يحذو حذوهم (2)".

بل روي عن الإمام الصادق عليه السلام: " أنه حدث عمر بن

ــــــــــــــــــــ

(1) تلخيص الشافي: ج 3 ص 156.

(2) الرسائل الاعتقادية: ص 27. (*)


/ صفحة 168 /

يزيد في فضائل الشيعة مليا "، ثم قال: " إن من الشيعة بعدنا من هم شر من النصاب، قلت: جعلت فداك، أليس ينتحلون حبكم ويبرؤون من عدوكم؟! قال: نعم الخ..(1) ".

فالمفيد هنا لا يريد أن ينسب حديث إسقاط المحسن إلى جميع الشيعة بالمعنى الأعم، بل إلى خصوص الإمامية منهم. ولعله رحمه الله اختار التعبير بكلمة " الطائفة " بعد ذلك، ليشير إلى أن طائفة من الشيعة تروي ذلك، وليس كل الطوائف التي يطلق عليها اسم شيعة.

والملفت أنه رحمه الله لم يقل: " إن بعض الشيعة يروي حديثا "

بل قال: " وفي الشيعة من يذكر: أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي الخ.. " فلم يشر رحمه الله إلى حديث واحد أو أكثر، ولا أشار إلى حجم القائلين بذلك من الشيعة من حيث القلة والكثرة.

بل أشار إلى أنهم يصح وصفهم بكلمة " طائفة " حين قال: " فعلى قول هذه الطائفة الخ.. ".

وقد لقب الشيخ الطوسي رحمه الله " بشيخ الطائفة "، والمقصود هو طائفة الإمامية، لا مطلق الشيعة.

وثانيا: لقد كان عصر المفيد رحمه الله بالغ الحساسية ومن أصعب العصور في تاريخ شيعة أهل البيت(ع)، حيث كانت الفتن تتجدد في كل عام في يوم الغدير، وفي خصوص مناسبة عاشوراء، حيث كانت الشيعة تقيم ذكريات لا يصبر عليها خصومهم من حنابلة بغداد المتشددين والمتعصبين فيهاجمونهم، وتكون المصائب

ــــــــــــــــــــ

(1) الرسائل الاعتقادية: ص 27. (*)


/ صفحة 169 /

والنكبات، والبلايا والمذابح الخطيرة، حسبما أوضحناه في كتابنا "صراع الحرية في عصر المفيد" الفصل الأول، وقد أحرقوا في بعض السنين بيوت الشيعة في الكرخ، فمات بسبب ذلك ثمانية عشر ألف إنسان، وعند ابن خلدون: عشرون ألفا بين طفل وشاب وامرأة.

فكان رحمه الله يريد أن يتعامل مع الأمور بمنتهى الحكمة والدقة. وكان كتابه "الإرشاد" الذي ألفه في أواخر حياته، قد راعى فيه أن يكون كتاب تاريخ يتوخى فيه بالإضافة إلى الدقة والأمانة العلمية، أن يكون مقبولا لدى الكافة، ويمكن للجميع أن يستفيدوا منه، ولم يرد له أن يتخذ صفة غير صفة تحديد الحدث بتفاصيله، بعيدا عن المذهبيات، بل هو يتجاوز الحدود والتعصبات المذهبية ليكون كتابا للناس جميعا.

فلأجل ذلك لم يذكر فيه الأمور المثيرة والحساسة بصورة ملفتة للنظر، حتى أنه لم يذكر شيئا عن تفاصيل حادثة السقيفة، وكل ما يرتبط بشأن البيعة لأبي بكر(1)، ويبدو أن ذلك منه رحمه الله يدخل في نطاق سياساته المتوازنة، التي تراعي الظروف، والأجواء، وتتعامل معها بواقعية هادفة، وبمسؤولية ووعي.

أما الشيخ الطوسي فكان كتابه دفاعا عن خصوص الشيعة الإمامية، لأن الشافي قد رد فيه السيد المرتضى على القاضي عبد الجبار المعتزلي، فلخصه الطوسي رحمه الله. فالطوسي إذن كالسيد المرتضى قد كتب كتابه بصفته إماميا، يدافع عن مذهبه، ويثبت صحته، فهو يريد أن ينتهي إلى الحد المذهبي الفاصل بينه وبين غيره، بينما أراد الشيخ المفيد لكتابه الإرشاد أن يتجاوز هذه الحدود، ليكون تاريخا

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع كتاب الإرشاد: ج 1 ص 189 (طبع مؤسسة آل البيت"ع"). (*)


/ صفحة 170 /

للجميع، يمكنهم الإطلاع عليه، والاستفادة منه دون حرج أو تهمة..

فإذا كان الإمامية فقط هم المجمعون على ذلك دون غيرهم من فرق الشيعة، كالاسماعيلية والزيدية الخ.. فلا يصح من المفيد نسبة ذلك إلى غير الإمامية من الطوائف التي لم تجمع عليه.

والملاحظ: إن المفيد رحمه الله قد تجنب ذكر ما يثير العصبيات من جهة، ثم أشار هنا إلى أمر حساس بصورة خفية وذكية من جهة أخرى، حيث أثبت وجود حمل سماه النبي (ص) محسنا، وترك للقارئ حرية البحث عن دور هذا الولد، وعن مصيره.

ثالثا: أما القول بأن المفيد يخالف الطوسي في هذا الأمر فسيأتي في الإجابة على السؤال الآتي، في العنوان التالي: أنه لا يخالفه بل هو يوافقه فلا حاجة إلى الاستعجال بالأمر هنا.

رابعا: لقد كان الشيخ الطوسي تلميذا للمفيد، وكان المفيد رحمه الله هو الرجل الأول في الشيعة آنئذ، فلا يعقل أن يدعي الطوسي إجماع الشيعة بهذا الجزم والحزم والوضوح، مع مخالفة أستاذه وأعظم رجل في الشيعة على الإطلاق في ذلك؟!

وعلى الأقل كان المفترض فيه أن يذكر لنا: أن أستاذه مخالف لهذا الإجماع، بل إن أستاذه ينفي هذا الإجماع ولا يقبل بأصل وجوده!!

وهل يستطيع الطوسي أن يقرر إجماعا ينفيه أستاذه صراحة وينكره، ويقول: إن بعض الشيعة فقط هم القائلون؟! أم أن الطوسي لم يطلع على رأي أستاذه؟!!

أو أنه إطلاق دعواه الإجماع جزافا، ومن دون تثبت؟!


/ صفحة 171 /

أن ذلك كله مما لا يمكن قبوله، وهذا ما يؤكد أن مراد المفيد من كلامه في الإرشاد هو ما قلناه، ولا يريد به ما ينقض أو يعارض الإجماع الذي تحدث عنه الطوسي أبدا.

المفيد لم يذكر ما ذكره الطوسي:

يقول البعض:

"إذا كان الشيخ الطوسي ينقل اتفاق الشيعة على ضرب وإسقاط جنين الزهراء، فإن الشيخ المفيد الرجل الشيعي الصلب في حجاجه مع مخالفيه في المذهب معاصر للطوسي، وهو لم يذكر في كتبه ما عدا الاختصاص ـ الذي يشك في نسبته إليه ـ قضية كسر الضلع وغيرها مما يقال في هذا المجال أبدا".

ويزيد هذا البعض فيقول:

"لقد تتبعت الموارد التي ذكرت فيها الزهراء في كتبه ـ أي في كتب الشيخ المفيد ـ فلم أجد حديثا عن كسر الضلع، وإسقاط الجنين، ونحو ذلك.. ولا أدري إذا كان تتبعي دقيقا".

والجواب:

إننا قبل كل شئ نود أن نسجل هنا الملاحظة التالية:

وهي: أن هذا البعض يصر هنا على التصريح بكسر الضلع مع أن نقضه لكلام الطوسي بكلام المفيد في عبارته الأولى، يدل على أنه بصدد إنكار كل ما ذكره الطوسي من ضرب الزهراء وإسقاط المحسن.

ولم يتحدث الطوسي عن كسر الضلع في تقريره للاجماع، وتقريره لتضافر الروايات به: فما المبرر لإقحام كسر الضلع في هذا المورد؟!.


/ صفحة 172 /

وبعد هذه الملاحظة نقول: إن الشيخ المفيد قد ذكر مظلومية الزهراء، وكثيرا مما جرى عليها في كتبه.

وفي مجال مناقشة ما قاله ذلك البعض حول هذا الأمر نقول:

أولا: لم نفهم المقصود بالأمور التي أشار إليها هذا المتحدث بكلمة "وغيرها" التي عطفها على "كسر الضلع" فهل المقصود هو ضربها عليها السلام؟ أو إسقاط جنينها؟ أو إحراق بيتها، حتى أخذت النار في خشب الباب؟!

ثانيا: إن عدم ذكر المفيد لشئ من ذلك في كتبه ـ لو سلمنا صحته ـ لا يدل على أنه ينكره، لأن السكوت وعدم ذكر شئ لا يدل على إنكاره من الأساس.

بل قد قلنا: إن تقرير الطوسي الذي هو تلميذ المفيد، للإجماع، وإرساله ذلك إرسال المسلمات، يدل على أن أستاذه كان على رأس القائلين به، والمتحمسين له، إذ لا يصح من الشيخ الطوسي ذكر هذا الأمر بهذا الجزم والحزم والوضوح التام، إذا كان أحد أساتذته الذين لا يشك أحد، من موافقيه ومخالفيه، في تضلعه في هذه القضايا يخالف في هذا الأمر وينكر وجود الإجماع من الأساس.

أما إذا كان هذا الأستاذ ـ الذي هو المفيد بالذات ـ يقول بأن أفرادا قليلين قد قالوا بهذا القول، فإن القضية ـ أعني دعوى الإجماع ـ تصبح أكثر إشكالا، لأن دعوى الطوسي للإجماع في هذه الحالة..، ستكون من أوضح مصاديق الكذب والافتراء منه على شيوخ المذهب ورموزه، والطوسي أجل من أن يتوهم في حقه ذلك.

ثالثا: إن المفيد حين يريد أن يخاطب الشيعة، ويؤلف كتابا لهذه


/ صفحة 173 /

الطائفة، فإنه لا يتوانى عن الجهر والتصريح بتفاصيل ما جرى على الصديقة الطاهرة عليها السلام.

فقد روى في "الاختصاص"، عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إن أبا بكر كتب للسيدة الزهراء عليها السلام كتابا برد فدك، فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر.

فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك؟

فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك.

فقال: هلميه إلي.

فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله، وكانت حاملة بابن اسمه "المحسن" فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت(1).

ثم أخذ الكتاب فخرقه. فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت (2).

وروى أيضا رحمه الله في ذلك الكتاب ـ أعني الاختصاص ـ رواية ثانية ذكرت: أن "الثاني" قد ضرب الباب برجله فكسره، وأنه رفس فاطمة برجله، فأسقطت المحسن(3).

ــــــــــــــــــــ

(1) نقفت: كسرت.

(2) الاختصاص: ص 185 والبحار: ج 29 ص 192.

(3) راجع الاختصاص: ص 344. والبحار: ج 29 ص 192، و ج 28 ص 227 و ج 7 ص 270.(*)


/ صفحة 174 /

وروى أيضا حديثا آخر في الكتاب نفسه، جاء فيه: عن أبي عبد الله(ع) قوله: " وقاتل أمير المؤمنين، وقاتل فاطمة، وقاتل المحسن، وقاتل الحسن والحسين "(1).

وأما عن صحة نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد، فقد قلنا في الإجابة على سؤال يأتي: إن التشكيك في صحة نسبته للشيخ المفيد في غير محله، وبلا مبرر مقبول أو معقول، وقلنا أيضا: إنه يظهر أن المفيد قد اختار هذا الكتاب من كتاب الاختصاص، لابن عمران، وبناء على هذا يصبح اختياره رحمه الله لهذا الحديث بالذات، لأجل مزية رآها فيه رجحته على غيره.

رابعا: قد تحدث الشيخ المفيد رحمه الله عما جرى على الزهراء في أكثر من مورد في كتبه الأخرى أيضا.

فلاحظ ما يلي:

1 ـ قال الكنجي الشافعي عن الشيخ المفيد رحمه الله: " إنه قد زاد على الجمهور: إن فاطمة عليها السلام أسقطت بعد النبي ذكرا، وكان سماه رسول الله (ص) محسنا، وهذا شئ لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلا عند ابن قتيبة (2) ".

فالكنجي إذن، ينسب القول بإسقاط المحسن إلى المفيد رحمه الله بالذات، إلا أن يكون مراده الإشارة إلى نفس ما ذكره رحمه الله في الإرشاد. مع الاحتمال القوي بأن يكون قد أشار إلى ما ورد في الاختصاص.

ــــــــــــــــــــ

(1) الاختصاص: ص 344، وكامل الزيارات: ص 327 بسند آخر، والبحار: ج 7 ص 270 و ج 8 ص 213. ونقل أيضا عن بصائر الدرجات للصفار.

(2) كفاية الطالب: ص 413. (*)


/ صفحة 175 /

غير أننا نقول للكنجي هنا: إن مراجعة بسيطة للنصوص المنقولة عن أهل النقل، تظهر أن كثيرين غير ابن قتيبة قد نقلوا ذلك أيضا، وسنذكر إن شاء الله شطرا كبيرا من هذه النصوص في بعض فصول الكتاب.

2 ـ لقد ذكر الشيخ المفيد في كتابه "المقنعة" الذي هو كتاب في الفقه الشيعي، وكذا في كتاب " المزار " زيارة الصديقة الطاهرة، التي تنص على أنها عليها السلام قد كانت شهيدة، فقد جاء فيها:

"السلام عليك أيتها البتول الشهيدة الطاهرة"(1).

فهل هناك من سبب لاستشهادها عليها السلام سوى ما جرى عليها من هؤلاء القوم؟

فهل استشهدت عليها السلام بمرض ألم بها!!

أم بحادث عرض لها، كسقوطها عن سطح منزلها!!

أو أنها تعرضت لحادث اغتيال من مجهول؟!!

وستأتي النصوص التي أوردها المفيد رحمه الله، في مواضعها في قسم النصوص إن شاء الله.

3 ـ قد ذكر المفيد قدس الله سره الشريف محاولات إحراق بيت الزهراء في كتابه " الأمالي ": عن الجعابي، عن العباس بن المغيرة، عن أحمد بن منصور الرمادي، عن سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، قال: " لما بايع الناس أبا بكر دخل علي عليه السلام والزبير، والمقداد، بيت فاطمة عليها السلام، وأبوا أن يخرجوا. فقال عمر بن الخطاب: أضرموا

ــــــــــــــــــــ

(1) المقنعة: ص 459، وراجع البحار: ج 97 ص 195. والبلد الأمين: ص 198. (*)


/ صفحة 176 /

عليهم البيت نارا، فخرج الزبير، ومعه سيفه.. إلى أن قال: وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام نحو العالية، فلقيه ثابت بن قيس بن شماس، فقال ما شأنك يا أبا الحسن؟!.

فقال: أرادوا أن يحرقوا علي بيتي، وأبو بكر على المنبر يبايع له ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره الخ...

فقال له ثابت: لا تفارق كفي يدك حتى أقتل دونك. فانطلقا جميعا حتى عادا إلى المدينة، فإذا فاطمة عليها السلام واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم، وهي تقول: لا عهد لي بقوم أسوأ محضرا منكم، تركتم رسول صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا، وصنعتم بنا ما صنعتم، ولم تروا لنا حقا(1)".

وهذا الحديث صريح بمحاولة اقتحام البيت، وبأنهم قد اعتدوا على أهله، وذلك لقوله(ع): " وأبو بكر على المنبر يبايع له، ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره "، فقد كان هناك هجوم يحتاج إلى دفع، واعتداء يحتاج إلى إنكار.

كما أن التعبير بـ‍ "أرادوا أن يحرقوا" يستبطن أنهم قد بذلوا المحاولة، وجمعوا الحطب مثلا.

خصوصا مع قوله عن أبي بكر: "لا يدفع ذلك ولا ينكره"، أي لا ينكر ولا يدفع ما أرادوا أن يفعلوه من إحراق بيته. إذن فلم تكن القضية مجرد تهديد بالقول.

ويؤيد ذلك أيضا أنه قال: "أرادوا" حيث لم يقل: "هددوا بإحراق بيتي".

ــــــــــــــــــــ

(1) الأمالي للمفيد: ص 59 / 50. (*)


/ صفحة 177 /

كما أن هذه الرواية صريحة في أن البيت الذي هم بصدد مهاجمته قد كان في داخل المسجد، في مقابل منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث كان أبو بكر جالسا على المنبر يبايع له هناك، بعد أن عاد من السقيفة مع أصحابه يزفونه إلى المسجد، ويجبرون الناس على البيعة له، ثم جرى أمامه ما جرى ولم يدفع ذلك ولم ينكره.

ومن الواضح: أن قبر رسول الله (ص) قد كان في بيت فاطمة لا في بيت عائشة كما حققناه(1)، فلم يراعوا حرمة القبر، ولا المسجد، ولا البيت، ولا الزهراء.

4 ـ وقال المفيد أيضا في كتاب الجمل: " لما اجتمع من اجتمع إلى دار فاطمة عليها السلام، من بني هاشم، وغيرهم، للتحير على أبي بكر، وإظهار الخلاف عليه، أنفذ عمر بن الخطاب قنفذا، وقال له: أخرجهم من البيت، فإن خرجوا، وإلا فاجمع الأحطاب على بابه، وأعلمهم: أنهم إن لم يخرجوا للبيعة أضرمت البيت عليهم نارا.

ثم قام بنفسه في جماعة منهم المغيرة بن شعبة الثقفي، وسالم مولى أبي حذيفة، حتى صاروا إلى باب علي عليه السلام، فنادى: يا فاطمة بنت رسول الله، أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع، ويدخل فيما دخل فيه المسلمون، وإلا ـ والله ـ أضرمت عليهم نارا (2)، في حديث مشهور ".

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام: ج 1 ص 169. البحث الذي هو بعنوان: أين دفن النبي، في بيت عائشة أم في بيت فاطمة(ع).

(2) الجمل: ط جديد، ص 117 و 118. (*)0


/ صفحة 178 /

وقد تقدم ما ذكره رحمه الله في كتاب الإرشاد، فلا داعي للإعادة.

كتاب الاختصاص للشيخ المفيد:

تقدم أن البعض: قد جعل التشكيك في نسبة كتاب " الاختصاص " للشيخ المفيد (قده)، ذريعة لرفض الاعتماد عليه فيما يرويه عن مظالم الزهراء عليها السلام، ولرفض نسبة رواية ذلك إلى المفيد رحمه الله.

ونقول: إننا بعد التأمل فيما يثار حول كتاب " الاختصاص " للشيخ المفيد، وجدنا أن تلك التساؤلات لا تصلح للاعتماد عليها للطعن في صحة هذه النسبة إلى ذلك العالم الجليل.

ونحن نجيب فيما يلي بإيجاز عن بعض الأمور التي أثيرت حول هذا الكتاب فنقول:

1 ـ إن في الكتاب روايات كثيرة تبدأ هكذا: " حدثني جعفر بن الحسين المؤمن "، فظن البعض: أن الكتاب من تأليف هذا الرجل.

ونقول:

إن هناك روايات كثيرة وردت في الكتاب وهي لا تبدأ باسم هذا الرجل، بل تبدأ بأسماء آخرين، أو تضيف أشخاصا آخرين بواسطة واو العطف، وهذا لا يناسب نسبة الكتاب إلى الرجل المذكور.

2 ـ إن أصحاب الفهارس، مثل النجاشي في رجاله، والطوسي في فهرسته، وابن شهرآشوب في معالم العلماء، لم يذكروا هذا


/ صفحة 179 /

الكتاب، في عداد مؤلفات المفيد.

ويجاب بأن جميع هؤلاء لم يذكروا جميع مؤلفات المفيد، بل كل منهم قد عد جملة منها، وليكن كتاب الاختصاص من جملة ما لم يذكروه.

وسيأتي وجه عدم ذكرهم له في عداد مؤلفاته إن شاء الله.

3 ـ إن النسخ الخطية لهذا الكتاب فيها تشويش، فإن خطبة الكتاب في نسخة تجدها بعد صفحات من الكتاب في نسخة أخرى.

ويجاب عن ذلك بأنه قد تكون بعض النسخ قد انفرط عقدها، فظمها منظموها حسبما تيسر لهم.

4 ـ وهنا سؤال آخر أيضا، وهو أنه يقول: " قال محمد بن محمد بن النعمان " فمن الذي قال ذلك يا ترى؟!

والجواب:

أنه من قول المؤلف نفسه، كما جرت عليه عادة المؤلفين القدامى، وليس قول آخرين نقلوا ذلك عنه رحمه الله.

واحتمال أن تكون هذه العبارة قد كتبها البعض توضيحا، ثم أدخلها النساخ في الأصل اشتباها لا يعتد به، وهو يحتاج إلى إثبات.

فإن كان اختياره للمفيد دون سواه لأجل وجود بعض مشايخ المفيد في الكتاب، فإنه يقال له: كما كان هؤلاء من مشايخه فقد كانوا أيضا من مشايخ غيره.

مع أن في الكتاب آخرين لم يعلم أنهم من مشايخ المفيد وهم ثلاثة أضعاف أولئك، فلماذا استفاد من ذلك العدد القليل من المشايخ، أن الكتاب للمفيد، ولم ينظر إلى من تبقى منهم، وهم أكثر عددا؟!


/ صفحة 180 /

5 ـ كون الكتاب أشبه بكشكول روائي قد جاء معظمه في فضائل أهل البيت عليهم السلام، ولا يسير الكتاب في ترتيبه، وفق منهج منطقي منسجم، والمفيد يمتاز بالدقة والإبداع.

ونقول:

إن هذا ليس عيبا في الكتاب، إذ قد يتعلق غرض بعض المؤلفين بتأليف مجموعات كشكولية، روائية أو غيرها. والمفيد نفسه هو صاحب كتاب الأمالي الذي هو كتاب حديثي كشكولي أيضا. ودقة وأبداع الشيخ المفيد لا يجب أن تتجلى في كتبه الحديثية كما هو ظاهر.

هذا، مع غض النظر عن حقيقة: إن الكتاب هو اختيار وانتخاب من الشيخ المفيد لكتاب الاختصاص لابن عمران، كما سنرى..

6 ـ توجد في هذا الكتاب بحوث لا تنسجم مع آراء المفيد في سائر كتبه، ولا يدل إطار الكتاب العام على أنه من تأليف متكلم عقلي كالشيخ المفيد، بل هو أقرب إلى تأليف أحد المحدثين كالشيخ الصدوق مثلا.

وقد عرف الجواب على هذا مما قدمناه آنفا، من أن الغرض قد يتعلق بحفظ بعض الأحاديث في ضمن مجموعة كشكولية كما هو الحال في كتب الأمالي ـ مثلا ـ التي ألف الشيخ المفيد واحدا منها.

بالإضافة إلى أنه قد يكون جمع هذه الأحاديث قد حصل قبل أن يصبح المفيد إماما في العقائد والفقه وغير ذلك.


/ صفحة 181 /

وقد لا يكون الهدف من جمعها هو أن تكون كتابا منسقا بصورة فنية يتداوله الناس ويعتمدونه.

وهذا عدا عن أن الرأي الكلامي والعقيدي لا يمنع من إيراد ما يعارضه، كإيراد ما يوافقه من أحاديث، ومن ميزة العالم أن يتقيد بقواعد البحث الكلامي حينما يتصدى للكلام، وأن يلتزم أيضا بكل الضوابط، ويراعي كل الأصول المرعية في الحديث، ونقله واختياره، حينما يتخذ لنفسه صفة المحدث، ولأجل ذلك نجد المحدثين يروون الأخبار المتعارضة في كتبهم، رغم تبنيهم وقبولهم بطائفة منها بخصوصها، وعلى الأخص في المجال الفقهي، وبمراجعة كتب الكليني والصدوق وغيرهما من المحدثين يعلم ذلك.

هذا، وقد رأينا: أن بعض العلماء يؤلف كتبه بأكثر من صفة، فالفقيه يكتب بصفة المحدث كما وقع للطوسي (قده)، حيث كتب النهاية، وهي متون أخبار. وقد يكتب الفيلسوف بلسان العرفاء كما وقع للشيخ نصير الدين الطوسي في بعض رسائله، وقد يكتب المتكلم بلسان الفيلسوف، كما جرى للفخر الرازي، والمتصوف بلسان الفلاسفة كما جرى للغزالي، وغير هؤلاء كثير.

ومن جهة أخرى نقول: إن بعض الآراء قد تتغير على مر الزمن، ولا سيما إذا كان صاحب الرأي من العلماء الذين يتمتعون بحيوية فكرية، ويسيرون في صراط التكامل في وعيهم وفي فكرهم، وفي معرفتهم. وقد تختلف درجات تنبه المؤلف إلى الحيثيات التي يلاحظها في تآليفه بين فترة زمنية وأخرى.

مع أننا سنذكر أن هذا الكتاب هو اختيار للمفيد من كتاب آخر.


/ صفحة 182 /

7 ـ قد سجلت ملاحظة أخرى على كتاب " الاختصاص "، وهي وجود خلل أو عدم وضوح أحيانا في إرجاعه بعض الضمائر فيه، أو وجود فاصل كبير بين الضمير وبين مرجعه.

وقد أجيب عن ذلك بأن هذا الخلل لا ينحصر في هذا الكتاب، بل هو موجود في مختلف الكتب ومنها الكافي والتهذيب، والوسائل أيضا.

ولهذا الأمر أسباب مختلفة، منها: أن المؤلف قد يعثر على رواية فيضعها في مكان من الكتاب، ثم لا يلتفت إلى ضرورة إعادة النظر في التناسق المفترض أن يكون فيما بين الضمير ومرجعه بين روايتين قد فصل بينهما حديث جديد، أو كلام جديد.

8 ـ ومن إيراداتهم على هذا الكتاب: أن مؤلفه قد نقل تارة من الكتب ككتب الصدوق، وبصائر الدرجات، وأخرى عن المشايخ، وإذا نظرنا إلى المشايخ الذين نقل عنهم فسنجد أن خمسة منهم هم من مشايخ المفيد، وثمة ستة عشر آخرون لم يعثر على رواية المفيد عنهم في غير كتاب الاختصاص أصلا.

ومن جهة أخرى: هناك مشايخ للمفيد لهم مكانتهم المميزة وليس في كتاب " الاختصاص " أية رواية عنهم، كالجعابي، وأحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، والصيرفي، وغيرهم.

والجواب عن ذلك:

أولا: إن مؤلف الكتاب هو ابن عمران على الظاهر، والمفيد قد انتخب واختار منه ما أعجبه، فمشايخ الكتاب هم مشايخ ابن عمران، إذن، لا مشايخ المفيد. وسيأتي مزيد تأييد لهذا إن شاء الله تعالى.


/ صفحة 183 /

ثانيا: إن من الجائز أن يكون مؤلف الكتاب قد كتبه قبل أن يصبح له مشايخ كثيرون، بل قد يكون رحمه الله قد اختار كل رواياته أو بعضها من الكتب التي توفرت لديه، وليس في ذلك أي محذور.

ثالثا: قولهم: إن بعض من روى عنهم مؤلف الكتاب لم نجد المفيد يروي عنهم في سائر كتبه، لا يصلح دليلا على نفي نسبة الكتاب إليه، إذ قد يروي عن شيخ له هنا شيئا، لم ينقله له مشايخه الآخرون، وقد يستفيد شيوخا جددا فيكتب عنهم، ثم يتركهم، ويلتزم شيوخا آخرين، لأسباب تتفاوت بحسب الحالات والظروف، والأغراض عبر الأزمان...

وهل في علماء الحديث من يشترط في الراوي أن يروي في كل كتاب عن كل فرد فرد من شيوخه الذين يأخذ عنهم في كل تاريخه العلمي الطويل.؟

وبعدما تقدم نقول:

هناك عدة نسخ لكتاب الاختصاص، وهي التالية:

1 ـ النسخة المكتوبة عن نسخة الشيخ الحر(1) وقد نسبت الكتاب إلى الشيخ المفيد، دون أي غموض، حيث كتب عليها. " كتاب الاختصاص للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، منتخب من الاختصاص لأحمد بن الحسين بن عمران ".

ــــــــــــــــــــ

(1) وهي نسخة موجودة في الروضة الرضوية المقدسة في مدينة مشهد في ايران، وسنة كتابة هذه النسخة هو 1085 ه‍. أو1087هـ.(*)


/ صفحة 184 /

وكتب في آخرها: " تم كتاب الاختصاص للشيخ المفيد قدس سره ".

أما نسخة الشيخ الحر نفسه فقد كتب عليها تملك الشيخ الحر رحمه الله في سنة 1087 ه‍. وأما تاريخ كتابتها فغير معلوم، وهي موجودة في مكتبة آية الله الحكيم رحمه الله في النجف الأشرف.

2 ـ هناك نسخة أخرى توجد في مكتبة سپه سالار طهران، تاريخ كتابتها هو سنة 1118 ه‍. وذكر ناسخها أن هذا الكتاب هو مختصر كتاب الاختصاص لأحمد بن الحسين بن عمران.

وهذه العبارة لا تختلف مع ما كتب على نسخة الشيخ الحر، لأن المقصود بهذه العبارة أن الاختصاص نفسه لابن عمران، وذلك لا ينافي أن يكون مختصره للشيخ المفيد أيضا.

3 ـ هناك نسخة قديمة توجد في مكتبة الروضة الرضوية في مشهد الرضا(ع)، تاريخ كتابتها سنة 1055 ه‍. وهي تذكر بعد عدة صفحات العبارة التالية:

" كتاب مستخرج من كتاب الاختصاص، تصنيف أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران رحمه الله ".

ولا تنافي هذه العبارة أيضا ما كتب على نسخة الشيخ الحر لعين ما ذكرناه آنفا، من أن الاختصاص نفسه من تأليف ابن عمران، وتلخيصه للشيخ المفيد.

ويبدو أن في هذه النسخة تقديما وتأخيرا في أوراقها، كما يظهر من ملاحظتها، وهذا الأمر يحصل لأسباب مختلفة.


/ صفحة 185 /

إذن، لا مانع من نسبة ما في كتاب الاختصاص المطبوع، الموافق للنسختين الأوليين إلى الشيخ المفيد، باعتبار أنه قد اختاره من كتاب ابن عمران وارتضى منه ما راق له.

وقد يكون هذا الاختصار هو السبب في عدم ذكر هذا الكتاب في جملة مؤلفاته رحمه الله، حيث إنه لم يبادر هو إلى تأليفه، وإنما استخرجه واختاره من كتاب لشخص آخر.. وعليه فهذا يدل على مدى اهتمامه بالكتاب، حتى أنه ليبادر إلى انتخاب ما فيه من نفائس الآثار، واستخراج ما تيسر له منه من درر الأخبار.

ويشهد لذلك: أن كتاب الفصول المختارة، الذي هو اختيار الشريف المرتضى من كتاب " العيون والمحاسن " للمفيد، لم يذكر في عداد مؤلفات الشريف. بل بقيت نسبته إلى المفيد أظهر وأوضح، ولا يزال يعد من مؤلفاته كما هو معلوم.


الفصل الخامس
كاشف الغطاء وشرف الدين

/ صفحة 189 /

كاشف الغطاء ما ذا يقول؟!:

قد استدل البعض، بإجابة العالم العلم الحجة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ـ الذي وصفه بأنه من المفكرين ـ على سؤال حول هذا الموضوع، معتبرا أن كلام كاشف الغطاء يثبت عدم صحة ما يقال من كسر ضلع الزهراء عليها السلام، بسبب ضرب المهاجمين لها، كما أن ذلك ينفي ما يقال من دخولهم بيتها، وضربها وما لحق أو سبق ذلك من أحداث.

وما استدل به كاشف الغطاء هو ما يلي:

1 ـ قال رحمه الله: " أنا لا أبرئ هؤلاء القوم، لكن ضرب المرأة كان في ذلك الزمان عيبا، فمن يضرب امرأة يصبح ذلك عارا عليه وعلى عقبه، ففي نهج البلاغة عن علي عليه السلام: .. ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى، والأنفس، والعقول، إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر، أو الهراوة، فيعير بها وعقبه من بعده(1) "..

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة: قسم الرسائل (شرح محمد عبده): ج 3 ص 16 ط دار المعرفة، بيروت، لبنان. (*)


/ صفحة 190 /

2 ـ وقال رحمه الله: " ولكن قضية الزهراء، ولطم خدها مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية، والتقاليد الجاهلية التي ركزتها إلخ..(1) ".

3 ـ ثم اعتبر أنهم لو فعلوا ذلك لوجدوا من الصحابة، من يمنعهم ويردعهم عن ذلك.

4 ـ واستدل أيضا بأنها عليها السلام ما ذكرت أنهم قد اعتدوا عليها بالضرب، أو أسقطوا جنينها، ولا أشارت إليه في شئ من خطبها ومقالاتها المتضمنة لتظلمها من القوم، وسوء صنيعهم معها،

مثل خطبتها في المسجد، بحضور المهاجرين والأنصار " مع أنها كانت ثائرة متأثرة أشد التأثر ".

وقد خاطبت عليا(ع) بأن فلانا " يبتزني نحلة أبي، وبلغة ابني "، ولم تقل: إنه أو صاحبه قد ضربني.

وكذلك الحال حين كلمت نساء المهاجرين والأنصار، حيث بدأت كلامها بقولها: أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن الخ... فلم تشك إلا من غصب فدك، وغصب الخلافة، مع أن ضربها، ولطم خدها، وكسر ضلعها، ونبات المسمار في صدرها، ـ لو صح ـ أعظم من غصب فدك.

كما أنها حين جاء أبو بكر وعمر، واستأذنا عليا، ودخلا عليها لاسترضائها لم تذكر لهما شيئا مما يقال إنه قد جرى عليها.

وعلي أمير المؤمنين عليه السلام أيضا لم يشر إلى ذلك في شئ

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: جنة المأوى: ص 81. (*)


/ صفحة 191 /

من خطبه ومقالاته. وقد هاجت أشجانه بعد دفنها، وخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: السلام عليك يا رسول الله، عني، وعن ابنتك النازلة في جوارك... إلخ.. وقد كان المقام يقتضي ذكر ذلك، لو أنه قد كان، لأنه حجة قوية عليهم، وفيه إثارة عاطفية ضدهم من جميع الجهات(1).

ثم اعتبر رحمه الله أن هذا الأمر إنما صدر عن قنفذ الوردي دون سواه.

هذا، ما ذكره كاشف الغطاء، وتمسك به وأعاده بعض من يريد التشكيك، وإثارة غبار الريب حول هذه القضية.

ونقول في الجواب:

إن كلام الشيخ كاشف الغطاء، الذي استفاد منه هذا البعض للتشكيك بما جرى على الزهراء، يتضمن العديد من النقاط، نذكرها على النحو التالي:

1 ـ كاشف الغطاء لا ينكر ما جرى:

إننا على الرغم من أننا نعتقد أن كاشف الغطاء لا ينكر ما جرى على الزهراء من أحداث وبلايا فإننا نقول:

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع المصادر المتقدمة. (*)


/ صفحة 192 /

أولا: إنه رحمه الله، وإن كان عالما مبرزا، لكن ذلك لا يجعله في مأمن من الوقوع في الخطأ والاشتباه، لا سيما في أمر يحتاج إلى مزيد من التتبع للآثار والنصوص في مصادرها، وقد رأيناه حين ذكر رأيه في مسألة الهجوم على بيت الزهراء عليها السلام، وضربها وإسقاط جنينها، قد ذكر ما استند إليه، واعتمد عليه. فالعمدة هو ذلك الدليل، فلا بد من النظر فيه ومحاكمته، فقد لا يكون صحيحا..

وكونه من الإمامية لا يجعله في منأى عن النقد العلمي والموضوعي لآرائه، ولما يستدل به.

ثانيا: لعل الشيخ كاشف الغطاء يخاطب أولئك الذين يقدسون هؤلاء المهاجمين، ويرون فيهم معيار الحق وميزان الصدق، فأراد إفهامهم حقيقة الأمر، دون أن يثير حفيظتهم وعصبياتهم، ولذا نراه يظهر استبعاده لحصول هذا الأمر، ثم يلقي التبعة على شخص لا حساسية لهم منه، ولا قداسة كبيرة له في نفوسهم، وهو قنفذ العدوي.

ويؤيد هذا المعنى أنه رحمه الله إنما كتب ذلك جوابا على سؤال ورد إليه، فهو قد راعى حال السائل، أو الحالة العامة التي لا يريد أن يثير فيها ما يهيج أو يثير، لا سيما مع ما ظهر من اهتمامه الكبير بأمر الوحدة فيما بين المسلمين.

ثالثا: إننا نجد هذا العالم الجليل بالذات يصرح بحقيقة رأيه حينما لا يكون ثمة مبرر للمجاراة، والمداراة، حيث لا يكون خطابه موجها إلى أولئك الذين يفترض فيه أن لا يجرح عواطفهم، فتراه رحمه الله يجهر منددا بإسقاط المحسن، وبإضرام النار بباب فاطمة عليها الصلاة والسلام، فهو يقول:


/ صفحة 193 /

وفي الطفوف سقوط السبط منجدلا     *        من سقط محسن خلف الباب منهجه

وبـالخيام ضرام النار مـن حطب       *        بباب دار ابنة الهادي تأججه(1)

رابعا: هو نفسه رحمه الله يذكر أن هناك إجماعا على هذا الأمر، وقد تقدم شئ من عبارته حول ذلك، ونحن نعيدها كاملة هنا مرة أخرى، وهي التالية:

" طفحت واستفاضت كتب الشيعة، من صدر الإسلام والقرن الأول، مثل كتاب سليم بن قيس، ومن بعده إلى القرن الحادي عشر وما بعده بل وإلى يومنا هذا، كل كتب الشيعة التي عنيت بأحوال الأئمة، وأبيهم الآية الكبرى، وأمهم الصديقة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين، وكل من ترجم لهم، وألف كتابا فيهم، وأطبقت كلمتهم تقريبا أو تحقيقا في ذكر مصائب تلك البضعة الطاهرة، أنها بعد رحلة أبيها المصطفى (ص) ضرب الظالمون وجهها، ولطموا خدها، حتى احمرت عينها وتناثر قرطها، وعصرت بالباب حتى كسر ضلعها، وأسقطت جنينها، وماتت وفي عضدها كالدملج.

ثم أخذ شعراء أهل البيت سلام الله عليهم هذه القضايا والرزايا ونظموها في أشعارهم ومراثيهم، وأرسلوها إرسال المسلمات: من الكميت والسيد الحميري، ودعبل الخزاعي، والنميري، والسلامي، وديك الجن، ومن بعدهم، ومن قبلهم إلى هذا العصر.

وتوسع أعاظم شعراء الشيعة في القرن الثالث عشر، والرابع

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: مقتل الحسين، للسيد عبد الرزاق المقرم: ص 389، منشورات قسم الدراسات الإسلامية ـ طهران ـ ايران. (*)


/ صفحة 194 /

عشر، الذي نحن فيه، كالخطي، والكعبي، والكوازين، وآل السيد مهدي الحليين، وغيرهم ممن يعسر تعدادهم، ويفوق الحصر جمعهم وآحادهم.

وكل تلك الفجائع والفظائع، وإن كانت في غاية الفظاعة والشناعة، ومن موجبات الوحشة والدهشة، ولكن يمكن للعقل أن يجوزها، وللأذهان والوجدان أن تستسيغها، وللأفكار أن تقبلها، وتهضمها، ولا سيما وأن القوم قد اقترفوا في قضية الخلافة، وغصب المنصب الإلهي من أهله ما يعد أعظم وأفظع(1) ".

2 ـ ضرب النساء:

إن ما اعتبره رحمه الله مبررا لاستبعاد ضرب العربي للمرأة لا يصلح للتبرير، وذلك:

أولا: لأن كلمة أمير المؤمنين عليه السلام عن العار في ضرب المرأة لا يعني استحالة صدور هذا الأمر منهم، إذا كان ثمة داع أقوى، يدفع إلى ارتكاب أفظع الجرائم، وهتك أعظم الحرمات.

ولا سيما إذا كان هذا الداعي هو شهوة الحكم والسلطة، وخصوصا إذا كانت الحكومة تستطيع بعد توطيدها أن تمحو العار بما تفرضه من هيبة، وبما تملك من مال وجاه، وحيث تعنو لها الرقاب خوفا أو طمعا، ثم بما يحيط المتصدي لمقام خلافة النبوة من شعور بالتقديس، والاحترام من منطلق التدين والإيمان لدى عامة الناس.

ومن جهة أخرى: قد كان ولا يزال وأد البنات عارا؟! وكان ولا يزال قتل الابن والأخ من أجل الدنيا عارا؟ وقد قتلت الخيزران ولدها

ــــــــــــــــــــ

(1) لا حظ جنة المأوى: ص 83 ـ 84 و 78 ـ 81. (*)


/ صفحة 195 /

من أجل الملك كما يزعمون، وقتل المأمون أخاه. وعرفت عنهم مقولة: الملك عقيم لا رحم له(1).

ولو كان ثمة تقيد بعدم صدور القبيح منهم لما قالوا للنبي (ص)، وهو يسمع: إن النبي ليهجر، مع أن الوازع الديني يفترض أن يكون أقوى من وازع التقاليد والعادات.

بالإضافة إلى أن إطلاق هذه الكلمة بحق النبي أدعى للصوق العار الأبدي بهم، وهو أعظم من تجرئهم على امرأة بالضرب، أو باجتياح بيتها، أو بإسماعها قواذع القول، وعوار الكلام.

وخلاصة الأمر: إذا كان ثمة شخص يخاف من العار فلا بد أن يخاف منه في كل شؤونه وحالاته، أما أن يخاف من العار هنا، ولا يخاف منه هناك كما في جرأته على رسول الله (ص) فذلك غير واضح ولا مقبول..

بل إن جرأته على العار في مورد تجعلنا نتريث في تكذيب ما ينسب إليه منه في مورد آخر، فكيف إذا كان ذلك ثابتا بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة.

وهل يسع هذا المشكك إنكار تهديدهم للزهراء عليها السلام بإحراق الدار عليها وعلى أولادها؟ فهل هذا الأمر ليس عارا على من هدد به؟! وهل يمكن أن يكون ضربها على خدها هو العار فقط دون سواه؟!.

ثانيا: إن هذا البعض الذي يستدل بكلام كاشف الغطاء، هو

ــــــــــــــــــــ

(1) الكامل في التاريخ، لابن الأثير: ج 6 ص 99 / 100. تاريخ الطبري: ج 8 ص 205. (*)


/ صفحة 196 /

نفسه يضع علامات استفهام كبيرة حول صحة النصوص الواردة في نهج البلاغة، وفي غيره، إذا كانت تشير إلى أي ضعف في شخصية المرأة، وقد تحدث هذا النص المستشهد به عن هذا الضعف، فهو يقول: " فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول ".

وقد شكك هو نفسه في صحة خصوص هذا النص أكثر من مرة!! فكيف يستدل هنا بأمر يرفضه جملة وتفصيلا في مقام آخر؟!.

ثالثا: لقد ضربت بنات رسول الله (ص) بالسياط في يوم كربلاء حين وجد الحقد الأسود الذي أعمى بصائرهم وأبصارهم، وصدهم عن التفكير بما يترتب على ذلك من عار في الدنيا، ومن التعرض لغضب الجبار في الدنيا والآخرة..

وهناك شواهد تاريخية كثيرة تؤكد: أنه إذا وجد دافع أقوى من دافع دفع العار، فإنهم لا يتورعون عن قبول هذا العار.

ونحن نذكر من الشواهد ما يلي:

1 ـ لقد كان أحدهم يدفن ابنته في التراب، وهي حية، مخافة أن تأكل من طعامه، وقد قال تعالى: {وإذا الموؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت}(1).

2 ـ إن هذا القائل نفسه يذكر: إن ابن زياد لعنه الله هم بأن يبطش بالسيدة زينب، حينما خاطبته بما أثار حفيظته، فتدخل عمرو بن حريث، وصده عن ذلك بقوله: إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها (2).

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة التكوير: 8.

(2) جنة المأوى: ص 82.(*) .


/ صفحة 197 /

3 ـ بل لقد ذكر هذا المستدل بكلام كاشف الغطاء: إن زينب (ع) قد جلدت بالسياط وكذلك غيرها من بنات الوحي(1) صلوات الله وسلامه عليهم، فراجع كتبه ومؤلفاته وخطاباته.

4 ـ وقد قتلت سمية والدة عمار تحت وطأة التعذيب في مكة، من قبل " فرعون قريش " أبي جهل لعنه الله، فكانت أول شهيدة في الإسلام (2).

5 ـ وكان عمر نفسه يعذب جارية بني مؤمل أيضا، فكان يضربها حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا ملالة (3). وعذبت أيضا أم شريك رحمها الله، فلماذا لم يكن خوف لحوق العار به عائقا له عن اقتراف هذا الأمر الموجب للعار.

6 ـ وتحدثنا كتب الحديث والتاريخ: أنه لما مات عثمان بن مظعون بكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله (ص) يده، وقال: مهلا يا عمر، دعهن يبكين الخ (4).

7 ـ ثم ضرب عمر النساء اللواتي بكين على أبي بكر، حتى

ــــــــــــــــــــ

(1) الإنسان والحياة: ص 271.

(2) راجع: الإستيعاب (هامش الإصابة): ج 4 ص 330 و 331 و 333 والإصابة: ج 4 ص 334 و 335 والسيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 495 وأسد الغابة: ج 5 ص 481 واليعقوبي: ج 2 ص 28.

(3) السيرة النبوية لابن هشام: ج 1 ص 341، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 300 والسيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 493 المحبر: ص 184.

(4) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 237 و 335، ومستدرك الحاكم: ج 3 ص 190، وصححه وقال الذهبي في تلخيصه المطبوع بهامشه: سنده صالح. ومسند الطيالسي: ص 351، ومجمع الزوائد: ج 3 ص 17. (*)


/ صفحة 198 /

قال المعتزلي: " أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبي قحافة، مات أبو بكر فناح النساء عليه، وفيهن أخته أم فروة، فنهاهن عمر مرارا وهن يعادون، فأخرج أم فروة من بينهن، وعلاها بالدرة، فهربن وتفرقن(1). وذكر هذه القصة آخرون فليراجعها من أراد (2).

8 ـ ولما مات خالد بن الوليد اجتمع في بيت ميمونة نساء يبكين، فجاء عمر... فكان يضربهن بالدرة، فسقط خمار امرأة منهن، فقالوا: يا أمير المؤمنين خمارها، فقال: دعوها، فلا حرمة لها الخ.. (3).

9 ـ وقد أهدر النبي (ص) دم هبار بن الأسود لما كان منه في حق زينب. وذلك معروف ومشهور.

رابعا: لماذا لا يقبل وجدان هؤلاء أن يكون عمر هو الذي ضربها(ع)، معللين ذلك بأن ضربه لها يوجب لحوق العار به، ثم يقبل وجدانهم أن يلحق العار بقنفذ؟! فكما أن عمر عربي يخاف من العار، فإن قنفذا عربي ويخاف من ذلك أيضا!!.

وكما أن عمر من قبيلة بني عدي، فإن قنفذا أيضا هو من نفس هذه القبيلة، فلماذا تجر الباء هنا ولا تجر هناك يا ترى؟.

لكن المحقق التستري (4) قد ذلك: أن قنفذا تيمي لا عدوي، وأن المراد أنه عدوي الولاء لأنه مولاهم، وسواء كان عدويا أو تيميا فإنه إذا كان ضرب المرأة قبيحا عند العرب، فلا بد أن ينكره الإنسان العربي، ويرفضه سواء صدر من هذا الشخص أو ذاك.. بل إن صدوره

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة: ج 1 ص 181.

(2) الغدير: ج 6 ص 161 عن كنز العمال: ج 8 ص 119 والإصابة: ج 3 ص 606.

(3) الغدير: ج 6 ص 162. عن كنز العمال: ج 8 ص 118.

(4) راجع: قاموس الرجال: ج 7 ص 393 / 394. (*)


/ صفحة 199 /

من المولى بحق العربية سيواجهه العربي ـ وفقا لمفاهيمهم ـ بحساسية أكبر ورفض أشد.

خامسا: لقد روي عن علي عليه السلام: أنهم لم يصادروا أملاك قنفذ، كما صنعوا بسائر ولاتهم، لأنهم شكروا له ضربته للزهراء(1).

فشكرهم له لكونه قد ضرب امرأة، هي الزهراء عليها السلام، سيدة نساء العاملين، هو الآخر عار عليهم، وهو يدينهم، ويهتك الحجاب عن خفي نواياهم، وعن دخائلهم.

ويظهر أنهم لا يهتمون لهذا العار ولا لغضب الله ورسوله (ص)، بسبب غضب الزهراء(ع)، إذا وجد لديهم داع أقوى، ولا سيما إذا كان هو تحقيق شهوة هي بمستوى حكم العالم الإسلامي بأسره، والحصول على مقام خلافة النبوة، وهو مقام له قداسته وخطره بنظر الناس.

وذلك يبطل أيضا دعوى البعض: أنهم كانوا يجلون فاطمة ويحترمونها ويسعون لرضاها، وما إلى ذلك.

وأما استرضاؤهم لها، فسيأتي أنه كان مناورة سياسية، فاشلة وغير مقبولة..

3 ـ قبول الناس بضرب الزهراء(ع):

أما بالنسبة إلى قول المستدل:

إن الناس لن يوافقوا على التعرض للزهراء(ع) بسوء أو أذى.

ــــــــــــــــــــ

(1) جنة المأوى: ص 84 والبحار: ج 30 ص 302 و 303 وكتاب سليم بن قيس: ج 2 ص 674 و 275 والعوالم: ج 11 ص 413. (*)


/ صفحة 200 /

فإننا نقول:

أولا: لو صح إن الناس سوف يواجهونهم لو أرادوا بالزهراء (ع) سوءا، فإن محاولتهم إحراق الباب، وجمعهم الحطب، قد كان يجري بمرأى من الناس، وقد امتلأت شوارع المدينة بالناس، كما جاء في بعض النصوص، فلماذا لم يتدخل أحد لمنعهم من ذلك؟!

وثانيا: حين قال فلان للنبي (ص) لما طلب الدواة والكتف ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده: إن النبي ليهجر. لماذا لم يجد أحدا يعترض عليه، ويدينه، أو يلومه، أو يواجهه بما يكره، أو حتى من يعبس في وجهه؟!

ألم يكن النبي (ص) أعظم وأقدس في نفوس الناس من الزهراء(ع)، ومن علي عليه السلام، ومن كل أحد؟!.

وثالثا: لو قبلنا بأن الناس لا يوافقونهم على ذلك، لكن هل كان بوسع الناس وبمقدورهم الإنكار على الحكام الجدد، الذين بدأوا حياتهم السياسية بالعنف وأقاموا حكمهم بقوة السيف؟!.. ألم يكن الناس مغلوبين على أمرهم؟!.

4 ـ احتجاج الزهراء(ع) بما جرى!

وأما بالنسبة للاحتجاج على القوم بما اقترفوه في حق الزهراء عليها السلام فإننا نقول:

أولا: إنه لا تصح مقولة: أن عدم الاحتجاج تلازم عدم وقوع الحدث، إذ أن الحدث يقع ثم تحصل موانع من ممارسة الاحتجاج به


/ صفحة 201 /

أحيانا، وبعبارة أخرى إذا حدث أمر، وشهده الناس وعاينوه، وتحققوه بأنفسهم، فلا تبقى ثمة حاجة إلى ذكره، ولا فائدة من الإخبار به، ولا سيما لمقترف ذلك الجرم نفسه، إلا إذا كان ثمة ضرورة أخرى كإلزامه بالأمر أو ما شاكل.

ثانيا: قد ذكرنا أنها عليها السلام لو جعلت هذا الأمر محور اعتراضها على الغاصبين للخلافة، فإنها تكون قد وقعت في محذور تضييع القضية المحورية الكبرى، وهي قضية الخلافة، لأنهم سوف يتمكنون من أن يصوروا للناس: أن النزاع معها(ع) نزاع شخصي على أمور صغيرة، ولن يعود نزاعا على الدين، أو على من هو أحق بالخلافة، أو على مصلحة الأمة.

وإذا صارت المسألة شخصية، فإن الواجب يفرض على الزهراء (ع) العفو عن المسيئين، حين جاؤا إليها، وطلبوا العفو منها، لأن العفو في الأمور الشخصية مما يفرضه الخلق الإنساني والاسلامي، وقد قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف، واعرض عن الجاهلين}(1)،

وقال: {واعفوا واصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم}(2)، وقال: {فاصفح الصفح الجميل}(3).

إن تحويل النزاع إلى نزاع على أمر شخصي هو أعظم هدية تقدمها الزهراء(ع) إليهم، مع أن القضية ليست شخصية، ولم يرجعوا الحق إلى نصابه، فلم يرجعوا الخلافة إلى صاحبها الشرعي، ولا فعلوا أي شئ يدل على انصياعهم للحق، إذن، فلم يكن من حق الزهراء

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف: 199.

(2) سورة البقرة: 109.

(3) سورة الحجر: 85. (*)


/ صفحة 202 /

عليها السلام أن تعفو عنهم، أو أن تهادنهم، وتظهر لهم القبول والرضا.

ثالثا: إنها عليها السلام قد ذكرت ذلك وذكره علي أمير المؤمنين عليه السلام أيضا. فلنلاحظ معا النصوص التي ستأتي في القسم المخصص للنصوص والآثار.

ونشير هنا إلى بعض من ذلك أيضا:

5 ـ احتجاج الزهراء(ع):

روى الديلمي: أنها عليها السلام قالت: " فجمعوا الحطب الجزل على بابنا، وأتوا بالنار ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب، وناشدتهم بالله، وبأبي: أن يكفوا عنا وينصرفوا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ ـ مولى أبي بكر ـ فضرب به عضدي، فالتوى السوط على عضدي، حتى صار كالدملج(1).

وركل الباب برجله، فرده علي وأنا حامل فسقطت لوجهي والنار تسعر، وتسفع وجهي، فضربني بيده، حتى انتثر قرطي من أذني، وجاءني المخاض، فأسقطت محسنا قتيلا بغير جرم " (2).

ــــــــــــــــــــ

(1) الدملج: حلي يلبس في العضد. محيط المحيط: ص 293.

(2) البحار: ج 8 ط حجرية ص 231 عن إرشاد القلوب وستأتي المصادر في قسم النصوص. (*)


/ صفحة 203 /

6 ـ ذكر علي(ع) لهذا الأمر:

وبالنسبة لما روي عن علي عليه السلام نقول:

أولا: روى الصدوق بسنده عن علي عليه السلام، أنه قال: بينا أنا وفاطمة، والحسن، والحسين عند رسول الله (ص) إذ التفت إلينا فبكى، فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟!

قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدها(1).

ثانيا: ثمة حديث آخر يقول: " وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام نحو العالية، فلقيه ثابت بن قيس بن شماس فقال: ما شأنك يا أبا الحسن؟ قال: أرادوا أن يحرقوا علي بيتي، وأبو بكر على المنبر يبايع له، ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره (2).

فهو عليه السلام يشكو ويظهر ما فعلوه معه، بطريقة عرض ما حدث، لا بطريقة الاحتجاج، بحيث يكون ذلك هو محور الأخذ والرد، والجزم والحسم، بل كانت الاحتجاجات تتجه دائما نحو إحقاق الحق في الأمر الأهم، والقضية الكبرى، قضية الانقلاب الذي استهدف الخلافة (التي ترتبط بالواقع الإسلامي كله) على حد تعبير المستدل. وثمة روايات أخرى ستأتي في فصل النصوص والآثار، إن شاء الله.

ــــــــــــــــــــ

(1) أمالي الصدوق: ص 118 والبحار: ج 28 ص 51 وستأتي المصادر في قسم النصوص.

(2) الأمالي للمفيد: ص 49 / 50. (*)


/ صفحة 204 /

7 ـ مبررات الاحتجاج غير متوفرة:

أما بالنسبة لتساؤل البعض عن السبب في عدم استفادة علي عليه السلام من هذا الأمر في حجاجه واحتجاجه، مع أن فيه حجة قوية وهامة عليهم، وإثارة عاطفية من جميع الجهات ضدهم على حد تعبير المستدل.

فإننا نقول:

1 ـ لم يكن هذا الأمر خافيا على الناس ليذكره(ع) لهم، ويخبرهم به.

وليس بالضرورة استيعاب جميع الوقائع للاحتجاج بمضمونها لا سيما مع وضوحها وظهورها.

2 ـ لم يكن الموقف يتحمل إثارة، العواطف، بل كان لا بد من المداراة، وتهدئة العواطف الثائرة حتى لا يبلغ السيل الزبى، ويقع في مخالفة أمر رسول الله (ص) له بالسكوت، وعدم المواجهة المسلحة لهم، لما في ذلك من أضعاف للدين، وتهيئة لأجواء الردة عن الإسلام، كما صرح به أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة وغيره.

3 ـ قد تقدم أنه عليه السلام قد ذكر ذلك حين لم يكن ثمة ما يمنع من ذكره، ولكن بطريقة هادئة، لا تجعل الخلافة خلافا على أمر شخصي، يمكن الاعتذار منه، والعفو عنه.

4 ـ إن مخالفتهم لأمر الله ولأمر رسول الله (ص) هي الأهم، والأولى بالتذكير بها، لأنها هي المعيار والمقياس للحق وللباطل، أما الجراح الشخصية، والآلام الروحية فيمكن حل عقدتها ببعض من


/ صفحة 205 /

الكلام المعسول منهم، وبالخضوع الظاهري بإظهار العذر والندم، بحيث يظهر للناس أنه ليس ثمة مبرر للإصرار على إدانتهم. وما ذكر من محاولة استرضائهما لها(ع) قبل وفاتها خير دليل على ذلك.

وسنوضح هذا الأمر في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

8 ـ لم تذكر الزهراء(ع) أبا بكر بما جرى:

وقد تسائل المستدل بكلام كاشف الغطاء عن السبب في عدم ذكرها ما جرى ـ من ضرب وإسقاط الجنين ـ لأبي بكر وعمر، حينما جاءا إليها ليسترضياها.

ونقول في الجواب:

1 ـ إنها لم تذكر أيضا لهما حين جاءا غصب فدك، ولا غصب الخلافة، اللذين أشار إليهما المستدل في سؤاله، وهو نفسه يعتبر غصب الخلافة أعظم من أي جريمة.

2 ـ إن ذكر هذا الأمر لهما لا بد أن يكون له غرض، وداع. ولم يكن غرضها آنئذ يتعلق بالذكر نفسه، بل أرادت إقامة الحجة عليهما بانتزاع إقرار منهما بما سمعاه من أبيها، فرفضت أن تكلمهما قبل هذا الإقرار، ثم سجلت الموقف الحاسم والدائم لها بإدانتهما على مر الأعصار والأزمان، ولم تفسح لهما في المجال لطرح أية قضية أخرى على الإطلاق، ولم تكن جلسة حساب أو عتاب، أو تعداد لما فعلاه معها، لأن ذلك لن يجدي شيئا، فقد يعتذران عن ذلك بأنها كانت فلتة، فرضتها ظروف الهيجان والغضب غير المسؤول، فلم تعطهما عليها السلام الفرصة لذلك، وهذا من بالغ الحكمة، وصواب الرأي منها(ع).


/ صفحة 206 /

 ولأجل ذلك: نجدها عليها السلام تكتفي بإجمال الأمور، وتعرض عن تفاصيلها، فهي تقول: اللهم اشهد أنهما آذياني الخ..

الثابت عند السيد شرف الدين:

ينقل البعض عن العالم العلم الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين: أنه قال له: الثابت عندنا أنهم جاؤا بالحطب ليحرقوا باب البيت، فقالوا: إن فيها فاطمة، قال: "وإن"...

ويضيف هذا البعض في تأييد ذلك قوله: "ولم يذكر السيد عبد الحسين في النص والاجتهاد، ولا في المراجعات، أي شئ من هذا الذي يقال. راجعوا!! ".

ونقول في الجواب:

أولا: إن السيد عبد الحسين شرف الدين لم يكن في تآليفه بصدد تفصيل هذا الأمر وتحديد ما هو الثابت منه، وما ليس بثابت، بل إنه لو أراد أن يبحث بهذه الطريقة فلربما كان قد أساء إلى الهدف الذي كان يسعى له، من وراء تآليفه تلك. وقد قال الله سبحانه: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن}(1) ومراعاة المشاعر، وعدم تكدير الخواطر من هذا القبيل، إلا إذا كان المقام مقام وضع النقاط على الحروف، حتى في الأمور الحساسة حيث يخاف من ضياع الحق، وتمس الحاجة إلى عملية جراحية حتى في المواضع الحساسة والخطيرة، ولم يكن الأمر بالنسبة

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة النحل: 124. (*)


/ صفحة 207 /

للسيد شرف الدين فيما تصدى له من هذا القبيل ولأجل ذلك: نجده رحمه الله يذكر هذا الأمر بصورة عابرة وسريعة، فيقول:

"فهل يكون العمل بمقتضيات الخوف من السيف، أو التحريق بالنار إيمانا بعقد البيعة؟! ومصداقا للاجماع المراد من قوله (ص): لا تجتمع أمتي على الخطأ؟!"(1).

ويقول: " وما إن فاؤا إلى مواراته حتى فاجأوا أولياءه وأحباءه بالبيعة، منهم أو التحريق عليهم، كما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته السائرة:

وقـولـة لعلي قالهـا عـمـر      *        أكـرم بسامعها أعـظـم بملقيها.

حرقت دارك لا أبقي عليك بها                   *        إن لم تبايع وبنت المصطفى فـيها

ما كان غير أبي حفص بقائلهـا                   *        أمام فارس عدنان وحـاميهـا(2)"

ثم إنه رحمه الله قد قال في هامش كتابيه: المراجعات، والنص والاجتهاد: " تهديدهم عليا بالتحريق ثابت بالتواتر القطعي " (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) المراجعات: ص 346، تحقيق وتعليق، الشيخ حسين آل راضي.

(2) النص والاجتهاد: ص 79، منشورات مؤسسة الأعلمي.

(3) هامش كتابي النص والاجتهاد: ص 79. والمراجعات: ص 346. (*)


/ صفحة 208 /

ثم ذكر رحمه الله في هامش الكتابين المذكورين مصادر كثيرة تعرضت لضرب " الثاني " لها عليها السلام، وإسقاط جنينها، وغير ذلك من أمور، فإذا اطلع عليها مراجعها، فلسوف يدرك أنه قد أحسن إليه حين لم يحرجه بهذا الأمر الخطير، ولو أنه أحرجه بأمر كهذا فلسوف نجده يلتمس المسارب، والمهارب، والتأويلات، بعصبية وانفعال، يمنعه من استيعاب الفكرة بصورة عفوية وطبيعية.

ولو كان السيد شرف الدين رحمه الله لا يهدف إلى ذلك لكان عليه أن يقتصر على المصادر التي تحدثت عن خصوص التهديد بالاحراق. وإهمال ما عداها..

والخلاصة: إن النقاش والاحتجاج والحوار يستبطن معه شعورا بالتحدي للشخص في قناعاته، فيندفع بطريقة لا شعورية للدفاع عن أمرين: عن الفكرة، وعن نفسه.

فإن كان ثمة مستمع للمتحاورين فإنه سيستوعب الفكرة مجردة عن حالة التحدي، وسوف يقبل ويستسلم للحق قبل ذينك المتحاورين، لأنه لا يشعر بحساسية، ولا يواجه مشكلة وراء فهم الحوار وتقييمه، ولا يطلب منه التراجع عن شئ، ولا يشعر بالتقصير، أو بالإدانة الشخصية على قلة التثبت، أو عدم الدقة، أو ما أشبه ذلك.

وقد كان السيد شرف الدين يحرص على أن لا يحرج من يحاوره، وأن لا يضطره إلى هذا الخيار الصعب.

ثانيا: إن ما نقل شفاها عن السيد شرف الدين، لا يمكن التعويل عليه هنا، إذ لعله رحمه الله لم يكن في مقام نفي الثبوت لما سوى التهديد بالتحريق، بل كان رحمه الله يريد التأكيد على ثبوت هذا


/ صفحة 209 /

الشق والسكوت عما عداه لمصلحة يراها في هذا السكوت، هي نفس المصلحة التي منعته عن الدخول في تفاصيل هذا الأمر في كتبه.

والشاهد، بل الدليل على ما نقول ما يلي:

1 ـ إن هذا الأمر لم يسجله السيد في كتبه، ولم ينقل لنا أحد من العلماء الآخرين أنه قاله له، فلماذا اختصه ـ إذن ـ بهذا السر الخطير، الذي يطال قضية حساسة جدا، مع أنه كان لا يزال شابا مراهقا، في مقتبل عمره، حيث كان له من العمر حوالي سبعة عشر عاما، إذا كان قد قاله له في أوائل الخمسينات، وإن كان قد عاد فقال: أنه ذكر له ذلك في أواسطها أي في سنة 1995 م، لكن الغريب أنه قال هنا أيضا: إن عمره 23 أو 24 سنة مع العلم بأنه قد ولد في سنة 1935 م!! ولم يبلغ هذا المقدار من العمر حتى في سنة وفاة السيد شرف الدين أي سنة 1957 م.

2 ـ إن الرواية التي ذكرها بعنوان " الثابت عندنا.. إلى أن قال: فقالوا إن فيها فاطمة فقال: وإن..!! " إنما ذكرت في كتاب الإمامة والسياسة، وهو لم يذكر لها سندا، وغيرها من الروايات أكثر تداولا ونقلا، وأصح سندا، وأكثر عددا، حتى إنها لتعد بالعشرات، ولها طرق وأسانيد كثيرة ومتنوعة، فكيف يعتبر السيد شرف الدين تلك الرواية هي ما ثبت عندنا، ويترك سائر الروايات والنصوص الكثيرة والمسندة، والتي تعد بالعشرات فلا تكون ثابتة؟!

وبالنسبة لروايات التهديد بالاحراق لماذا تكون هي الثابتة، ولا تكون روايات ضربها، وإسقاط جنينها ثابتة معها أيضا. مع أن الروايات تلك ليست بأكثر ولا أصح من هذه؟! وقد ذكر عدد من الروايات أن كل تلك الأمور قد حصل. كما يتبين لك في هذا الكتاب.


/ صفحة 210 /

ثالثا: من الذين يقصدهم آية الله شرف الدين بقوله: " عندنا " هل يقصد " عندنا " نحن الشيعة؟! أم يقصد نفسه فقط؟!.

فإن كان مراده الأول، فإن ذلك لا يصح، وقد تقدم كلام الطوسي وكاشف الغطاء حول ذلك، كما أن تتبع كلمات علماء المذهب في مؤلفاتهم ـ وقد أوردنا شيئا منها في هذا الكتاب ـ يكشف لنا أن ما قاله الطوسي في تلخيص الشافي هو الأجدر بالرضا، وبالنقل، والقبول.

وإن كان مراده الثاني، فقد يكون صحيحا إذا أخذنا بنظر الاعتبار: حجم المصادر التي كانت بحوزته رحمه الله تعالى، والتي يستشف من هوامش كتبه أنها قليلة ومحدودة بالنسبة لما هو متوفر في أيدي الناس في هذه الأيام.

بالإضافة إلى ما استجد من مصادر كانت في عداد المخطوطات، غير المتداولة ثم أخذت طريقها إلى التحقيق والنشر، ولم يتسن للسيد شرف الدين أن يطلع على شئ منها، وهذا يجعلنا نستبعد أن يكون قد اكتفى بما نسب إليه " أنه ثبت عنده، وهو رواية: وإن "، فإن المفروض فيه وهو العالم البحاثة أن يستقصي البحث في المصادر، ولا يستعجل في إصدار حكمه لو صح أنه قد حكم.

رابعا: إن عدم ثبوت ذلك عند آية الله شرف الدين، لا يعني أنه لا يمكن أن يثبت أصلا، إذا أمكن للباحث أن يتتبع نصوص هذه القضية ويحشد لها من القرائن والشواهد ما يكفي للعالم المنصف.

فربما كانت له رحمه الله انشغالات كبيرة وكثيرة تحجزه عن


/ صفحة 211 /

التتبع في كثير من القضايا التي تحتاج إلى ذلك، إذا كانت لا تقع في دائرة اهتماماته الفعلية.

وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن الإشكال العلمي يرد على السيد شرف الدين، كما يرد على غيره، فإن القضايا العلمية والدينية تابعة للدليل والبرهان. إلا إذا كان المعصوم هو الذي يقرر ويتحدث.

خامسا: إننا لا نستطيع أن نحدد طبيعة السؤال الذي وجه إلى السيد، لأن السؤال هو الذي يتحكم في وجهة الجواب ومداه.

فقد يكون السؤال: هل أحرقوا دار الزهراء؟!

فيأتي الجواب هكذا: الثابت عندنا هو التهديد بالاحراق لا نفس الإحراق، أما إسقاط الجنين، فلا سؤال عنه ولا جواب، أي أن الجواب يريد أن ينفي الإحراق فعلا، ويثبت التهديد به فقط، ولكنه ساكت بالنسبة لإسقاط الجنين، وبالنسبة لضربها، وغير ذلك من أمور حيث لا يتعرض لها لا بنفي ولا بإثبات، فهو كما لو قلت: زيد طويل، فإنه لا يعني أنه ليس بأسمر اللون، أو ليس بعالم.

وقد يكون السؤال هكذا: هل ضربت الزهراء وأسقط جنينها.

فيأتي الجواب: الثابت هو التهديد بالاحراق..

فيدل على نفي ثبوت ما عدا التهديد، وهو ما ينقله ذلك البعض عن السيد شرف الدين.

وعليه فمع عدم إحرازنا طبيعة السؤال الموجه فلا نستطيع أن ننسب للسيد شرف الدين أنه ينفي ما عدا التهديد بالاحراق.

وسادسا: إن الناقل لهذا الكلام الخطير قد كان شابا حين وجه


/ صفحة 212 /

السؤال إلى السيد وسمع منه الجواب، وربما لا يزيد عمره آنئذ على السبعة عشر عاما ـ كما أشرنا إليه ـ ولم يكن قد خبر الأساليب العلمية التي تمتاز بالدقة ولا اعتاد عليها، فلعله قد وقع في خطأ في فهم الأسلوب العلمي، أو قدم كلمة أو أخرها، فاختلف المعنى، وهو إنما ينقل عن أمر يقول إنه قد كان قبل حوالي خمسة وأربعين عاما، كما صرح به في بعض رسائله المؤرخة في سنة 1414 ه‍. على أن احتمال النسيان، أعني نسيان نص الإجابة وارد هنا.

والشاهد على أن السؤال: إنما كان عن وقوع الإحراق، أو التهديد به ـ كما هو الاحتمال الثاني ـ أن الإمام السيد شرف الدين نفسه، قد أشار ـ كما تقدم ـ إلى أنه قد كان ثمة خوف من السيف أو من التحريق.

مع أنه لم يشر إلى السيف في إجابته لسائله عن هذا الأمر.

ثم إن قول هذا البعض: إنه عثر أخيرا على رواية في البحار.. يدل على أنه لم يكن منذ وفاة السيد شرف الدين بصدد التحقيق في هذا الأمر، إذ لا يعقل أن يبقى أكثر من أربعين سنة يبحث في هذا الأمر الذي تدل عليه عشرات الروايات عن المعصومين، وعشرات بل مئات النصوص عن غيرهم.. ثم لا يعثر في هذه المدة كلها إلا على رواية واحدة!!.

شواهد ودلائل أخرى:

وبعد، فإن نفس السيد شرف الدين رحمه الله قد ذكر أنهم


/ صفحة 213 /

أخرجوا عليا كرها، وذكر أيضا كشف بيت فاطمة(1) ثم هو يذكر مهاجمتهم البيت، وكانوا جمعا كثيرا، أرسلهم أبو بكر ردءا لعمر وخالد، وأن الناس اجتمعوا ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال، فلما رأت فاطمة ما صنع عمر صرخت، وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن، فخرجت إلى باب حجرتها، ونادت، يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله الخ.. (2).

وذكر أيضا رحمه الله حديث أبي الأسود: أن عمر وأصحابه اقتحموا الدار وفاطمة تصيح وتناشدهم (3).

فهو يذكر ذلك كله، ويذكر أسماء المشاركين في الهجوم على بيت الزهراء، ويذكر الخوف من السيف، ويرسله إرسال المسلمات، ولا يبدي أي تحفظ تجاهه.

فكيف إذن يقول البعض: إن السيد شرف الدين رحمه الله تعالى. " لم يذكر في المراجعات ولا في النص والاجتهاد، أي شئ من هذا الذي يقال ـ راجعوا " فها نحن قد راجعنا ووجدنا خلاف ما يقول!!

والخلاصة: إن ذلك كله يدل على أنه رحمه الله يقول: إنهم قد تجاوزوا حدود التهديد إلى الممارسة العملية، التي وصلت إلى درجة اقتحام البيت، وغير ذلك مما ذكرناه آنفا.

ولعله رحمه الله قد قال لهذا الناقل نفس ما قاله في كتابيه

ــــــــــــــــــــ

(1) النص والاجتهاد: هامش ص 82، ط مؤسسة الأعلمي.

(2) المصدر السابق، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 6 ص 50 عن كتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري.

(3) المصدران السابقان. (*)


/ صفحة 214 /

المراجعات، والنص والاجتهاد من أن التهديد بالتحريق ثابت بالتواتر القطعي.

وهذه العبارة تختلف عن عبارة: الثابت عندنا هو التهديد بالتحريق.. وكل ما ذكرناه يؤيد العبارة الأولى ويشد من أزرها، ويضعف العبارة الأخرى، فإن ذكره للمصادر في الهامش في صفحة واحدة ومنها ما يشير إلى كل الموضوع ومنه قضية الضرب وإسقاط الجنين يشير إلى رغبته في اطلاع المراجع عليها... إلى آخر ما قدمناه..

 


الفصل السادس
الحب والاحترام يردعهم

/ صفحة 217 /

توطئة وإعداد:

أن يستبعد إقدام زعماء الانقلاب على مهاجمة بيت فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، على اعتبار أن مكانتها عليها السلام كانت تمنعهم من الإقدام على أمر كهذا..

ويحاول الاستدلال على هذه المكانة بالعديد من الأمور، التي هي الأخرى إما مجرد دعاوى لا دليل عليها، أو أنها لا تصلح للاستدلال بها على ما يريد.

غير أنه لا يستبعد أن يكونوا قد هددوا من في البيت بإحراق البيت عليهم بهدف التأثير النفسي عليهم، لينصاعوا لما يطلبونه منهم، مع تأكيده على أنهم كانوا لا يقصدون إلا اعتقال علي أمير المؤمنين عليه السلام، أما الزهراء وسواها، فلا شغل لهم بها!!

ونحن نتحدث في هذا الفصل عن هذه الأمور التي ذكرها هذا المستدل واعتبرها كافية لتبرير ما يتظاهر به من شكك لا يصل إلى درجة النفي الصريح، وإن كان يحاول حشد ما أمكنه من الأدلة والشواهد لنفي ذلك كله، لا لمجرد الشك، وفيما يلي نذكر شواهده ودلائله هذه مع بيان وجه عدم صلاحيتها للاستشهاد أو الاستدلال بها.


/ صفحة 218 /

نقاط البحث في هذا الفصل:

ونحن قبل الدخول في التفاصيل نشير إلى أن الحديث في هذا الفصل سوف يكون عن جانب من النقاط التالية:

1 ـ إن الخصومة مع شخص لا تمنع من أن يكون من يخاصمه يحترم زوجته ويجلها لسبب أو لآخر.

2 ـ إن حمل علي عليه السلام لفاطمة إلى بيوت الأنصار لطلب نصرتهم، يدل على مكانتها واحترامها في المجتمع الإسلامي.

3 ـ إن الذين جاء بهم عمر إلى بيت الزهراء قد اعترضوا عليه حينما هدد بإحراق الدار بمن فيها، فقالوا له: إن فيها فاطمة؟! فقال: وإن، ذلك يدل على عدة أمور:

أحدها: إن للزهراء مكانة لا يمكن تجاهلها.

الثاني: إن قلوب الذين جاء بهم عمر كانت مملوءة بحب الزهراء فكيف نتصور أن يهجموا عليها؟.

الثالث: إنهم حتى لو كانوا لا يحبون الزهراء عليها السلام، أو لا يحترمونها، فإنهم إنما جاؤوا لإخضاع المعارضة، واعتقال علي، ولا شغل لهم بالزهراء(ع)، حتى ولو كانت موجودة، وهذا ما قصده عمر بقوله: وإن..

الرابع: هناك أكثر من خبر يتحدث عن احترام الناس للزهراء عليها السلام، فكيف يجرؤ القوم على الاعتداء عليها؟

الخامس: إن مجيئهم ـ أعني أبا بكر وعمر ـ إلى بيت الزهراء


/ صفحة 219 /

(ع)، وطلبهم المسامحة منها، يدل على عظم مكانتها في المجتمع الإسلامي ولا سيما عند كبار الصحابة.

السادس: إن الزهراء عليها السلام قد رضيت على الشيخين حينما جاءا إليها لطلب رضاها.

السابع: إن استقبال الزهراء(ع) للشيخين يدل على عدم صحة الحديث الذي يقول: " خير للمرأة أن لا ترى الرجال، ولا يراها الرجال ".

خصومتهم لعلي(ع) واحترام الزهراء(ع):

هناك من يقول: إن خصومة المهاجمين مع علي(ع)، لا تمنع من كونهم يحبون الزهراء عليها السلام ويحترمونها، إذ قد يكون هناك مرشح ينافس مرشحا آخر، ويريد إسقاطه في الانتخابات، ولكن خصومته له لا تمنع من أنه يحترم زوجة منافسه ويجلها، لسبب أو لآخر.

والجواب:

إننا نلاحظ على هذه المقولة أمورا عديدة:

أولا: إن قضية علي عليه السلام مع هؤلاء القوم المعتدين عليه وعلى بيته، والغاصبين لحقه، والمخالفين لأمر الله تعالى ورسوله (ص) لا تشبه التنافس بين مرشحين، بل هي بالانقلابات العسكرية بالقوة العادية والمدمرة أشبه، إن لم تكن أكثر وضوحا، وأعمق في إيحاءاتها ودلالاتها.

ثانيا: إن احترام زوجة المنافس لا يعرف بالتكهن والتظنن، بل


/ صفحة 220 /

يعرف بالممارسة والموقف والحركة على أرض الواقع، وقد رأينا من هؤلاء القوم ممارسة قاسية وشرسة ضد زوجة من يصفه هذا المستدل بالمنافس (!!) إنها ممارسة لا تنم عن أي رحمة أو شفقة في قلوبهم، فليقرأ القارئ وصف ما جرى في مختلف النصوص والآثار.. التي لا نغالي إذا قلنا بتواترها، كما سيرى القارئ الكريم.

ثالثا: حتى لو سلمنا أن المهاجمين يحترمونها، أو حتى يحبونها (عليه السلام)، فإن الاحترام والحب لم يمنعاهم إذا وقفت في وجههم، وهددت طموحاتهم، وكانت سببا في إفشال خطتهم الخطيرة، من أن يقلبوا لها ظهر المجن، ويعاملوها بكل قسوة.

وحتى لو كان الفاعل هم إخوتهم وأولادهم، فإنهم سيواجهونهم بنفس القدر من العنف، فإن حب السلطة وخطورة ما يقدمون عليه، يجعلهم في مأزق مصيري، يدفعهم إلى حسم الأمور بقوة، فالأمر بالنسبة إليهم أعظم خطرا، وأقوى من تجاهل ذلك الاحترام.

ونحن نعلم أن من يحب إنسانا أو يحترمه فإنه لا يحبه ـ عادة ـ أكثر من حبه لنفسه، فإذا تعارض الحبان لديه، فلن يحب السوار أكثر من يده، ولن يقطع اليد من أجل حفظ السوار بل يكسر ألف سوار غال وثمين، لتبقى يده سالمة باقية له..

مكانة الزهراء(ع) عند الأنصار، وعند مهاجميها:

يدعي البعض:

إن هؤلاء الجماعة الذين هاجموا بيت الزهراء(ع) كانوا


/ صفحة 221 /

يحبونها، ويحترمونها، بل إن الذين جاء بهم عمر كانت قلوبهم مملؤة بحبها، فكيف نتصور أن يهجموا عليها؟!

ثم يستدل على ذلك:

بأن عليا عليه السلام ـ كما في البحار وكثير من المصادر الأخرى ـ كان يدور بالزهراء(ع) على بيوت المهاجرين والأنصار لتدافع عن حقه، فهي إذن تريد أن تستفيد من موقعها واحترامها لكسب نصرتهم، فيكف يجرؤ أحد على مهاجمتها؟!

والظاهر: أن هذا الكلام مأخوذ من الفضل بن روزبهان، الذي يرد به على العلامة الحلي، بقوله: " إن أمراء الأنصار وأكابر الصحابة كانوا مسلمين منقادين محبين لرسول الله، أتراهم سكتوا ولم يكلموا أبا بكر في هذا؟ وأن إحراق أهل بيت النبي (ص) لا يجوز ولا يحسن؟(1) ".

والجواب:

أولا: هناك فرقاء ثلاثة، كانوا في المدينة.

1 ـ فريق لا يمنعه شئ لا الدين والأخلاق، ولا المشاعر والأحاسيس الإنسانية من مواجهة أهل البيت(ع) بالأذى، ولو بإحراق بيوتهم، وإحراقهم مع بيوتهم وكل من يلوذ بهم.

2 ـ فريق آخر يكن شيئا من الحب والتقدير لذلك الفريق المظلوم الذي يواجه هذه المصائب الكبيرة، ولكنه يحب السلامة، وليس مستعدا للتضحية بشئ من أجله وفي سبيله، بل حتى من أجل

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: إبطال نهج الباطل (مطبوع ضمن دلائل الصدق): ج 3 قسم 1 ص 47. (*)


/ صفحة 222 /

الحق والدين الذي يدعوهم إليه.

ولا تفيد هذه العوامل مجتمعة ـ الحب، الاحترام، الدين، المظلومية، الإنسانية، ـ في تحريكه ليتخذ موقفا حاسما تجاه الفريق المهاجم، بهدف إجبار علي(ع) على البيعة له، وقد حاول علي والزهراء عليهما السلام استنهاض، وتحريك هذا الفريق بالذات، فلم يمكنهم ذلك.. فضاعت بذلك وصية رسول الله (ص).

3 ـ فريق ثالث كان يقف إلى جانب الزهراء(ع)، وهو على استعداد للتضحية بكل غال ونفيس في سبيل إحقاق الحق، وإبطال الباطل، حيث يجدي الإقدام والمبادرة، وهؤلاء كانوا قلة، كأبي ذر، وسلمان، والمقداد، وعمار..

وبهذا فقد أصبح واضحا: أن ليس ثمة ما يدل على أن المهاجمين كانوا هم الفريق الذي يحب الزهراء(ع)، دون الفريق الثالث، أو الثاني، بل إنا نرى في فعلهم، وهجومهم، وممارساتهم دلالة ظاهرة على أنهم هم الفريق الذي لا يحترمها، بل ويبغضها، ولا يتورع عن مباشرة إحراقها مع كل من يلوذ بها، وقد تسببوا بذلك بالفعل حين ضربوها، وأسقطوا جنينها، فاستشهدت بعدها بسبب من ذلك، وإن كانوا يحاولون عدم الجهر بهذا البغض في سائر أحوالهم، سياسة منهم، ومداراة للناس، لكي لا يتسبب ذلك في المزيد من ميلهم إلى آل علي(ع)، واقتناعهم بمظلوميته وأهل بيته، وبأحقية نهجهم.

وخلاصة الأمر:

إنه لا معنى للاستدلال على مكانة الزهراء(ع) واحترامها لدى الفريق الثاني الذي كان يحب السلامة، ولا يريد أن يدخل حلبة


/ صفحة 223 /

الصراع، بأن للزهراء، مكانة واحتراما في نفوس الفريق المهاجم، الذي لم يتورع عن مهاجمة الزهراء(ع)، ومواجهتها بالسوء والأذى.

ثانيا: لو كان المهاجمون يحبون الزهراء(ع) ويقدرونها لم يكن ثمة حاجة لأن يدور بها علي (ع) على بيوت المهاجرين والأنصار للظفر بنصرتهم، ولإقناعهم بالدفاع عن حقه عليه السلام، بل كان يكفي أن تواجه عليها السلام المهاجمين أنفسهم، وتستخدم نفوذها لديهم، ومكانتها في نفوسهم ليتراجعوا، أو ليرجعوا من جاء بهم خائبا غير قادر على تحقيق أي مكسب، يخالف رغبة الزهراء(ع)، أو يسخطها.

وعدا عن ذلك، فإنهم إذا كانوا جميعا يحبون الزهراء(ع) فهل تستنصر بباقي الأنصار لكي يهاجموا محبيها ويقاتلوهم؟!

وهل يمكن للزهراء عليها السلام أن تتسبب بالعداء بين محبيها، وضرب بعضهم ببعض، ثم تقف هي لتتفرج على الفريقين راضية مسرورة بذلك؟!

ثالثا: إذا كان هؤلاء الناس يحبون الزهراء(ع)، فلماذا ماتت وهي مهاجرة لهم ولمن جاء بهم؟! ثم أوصت أن لا يحضر الشيخان ولا أحد ممن ظلمها جنازتها؟ ودفنت ـ من أجل ذلك ـ ليلا. وبسبب ذلك خفي قبرها على الناس كلهم(1)، وهي البنت الوحيدة لرسول الله (ص)، وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين؟!.

فكيف تقابل حبهم بالجفاء، ويأمرهم الله سبحانه وتعالى بحبها

ــــــــــــــــــــ

(1) ستأتي المصادر لذلك إن شاء الله تحت عنوان: هل رضيت الزهراء على الشيخين؟!. (*)


/ صفحة 224 /

وإرضائها (ع) وهي تجافيهم وتسخط عليهم!!

من الذي قال لعمر: إن فيها فاطمة؟

هناك من يقول: إن الذين اعترضوا على عمر، حين هدد بإحراق بيت الزهراء(ع) هم نفس الذين جاؤا معه ليهاجموا البيت، فقالوا له: إن فيها فاطمة!! فقال: وإن.

واعتراضهم هذا يدل على أن للزهراء محبة في نفوسهم، وعلى أنهم يحترمونها ويجلونها، لأن معناه: أن بنت رسول الله (ص) في البيت، فكيف ندخل عليها ونروعها ونخوفها.

بل تقدم إن هذا البعض يقول: إن المهاجمين الذين جاء بهم عمر كانت نفوسهم مملؤة بحب الزهراء(ع)، فكيف يمكن أن نتصور أن يهجموا عليها؟!

وقبل الجواب ننبه على أمرين ذكرهما هذا البعض:

أحدهما: إن المعترضين على عمر هم نفس الذين جاء بهم ليهاجم بهم أهل بيت الوحي(ع).

الثاني: إن اعتراضهم يدل على مكانة الزهراء(ع) في نفوسهم.

ونحن نجيب على كلا هذين الأمرين، فنقول:

أولا:

من الذي قال: إن الذين اعترضوا على عمرهم نفس المهاجمين؟! وما الدليل على ذلك؟! فقد كان بيت فاطمة عليها السلام في المسجد النبوي نفسه، وكان الناس يترددون على المسجد ويتواجدون فيه في معظم الأوقات، وحين هاجموا بيت الزهراء(ع)


/ صفحة 225 /

"اجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال"(1) فلماذا لا يكون المعترض على المهاجمين هو بعض هؤلاء المجتمعين لمراقبة ما يجري، أو بعض المؤمنين الطيبين الحاضرين في مسجد النبي (ص)، فإن ذلك هو الأنسب بظاهر الحال، حيث إن ظاهر حال المهاجمين هو أنهم لا يقيمون وزنا للبيت، ولا لمن فيه، ولا للمسجد، ولا لقبر رسول الله (ص) الذي كان أيضا في بيت الزهراء(ع).

ثانيا:

لو سلمنا: أن بعض المهاجمين قد قال ذلك، ولكن من الواضح أن ذلك لا يدل على أنهم يحترمون الزهراء(ع) ويجلونها، بل قد يكون هذا الاعتراض مبعثه الخوف من عواقب الإقدام على أمر خطير كهذا.. فإنه إذا كان الناس يقبلون منهم الاعتداء على علي(ع) باعتبار أنه هو القطب الحساس المواجه لهم، ولأطماعهم في السلطان، وإذا كانوا يعذرونهم لكون علي(ع) قد قتل آباءهم وأبناءهم وإخوانهم في سبيل الله، فإن الزهراء عليها السلام ليس لها هذه الصفة، فالاعتداء عليها بالاحراق، وهي البنت الوحيدة لرسول الله (ص)، والمعروفة في العالم الإسلامي كله لن يمكن تبريره أمام الناس، وقد يقلب الأمور ضدهم، لو ظهر أن الزهراء قتلت نتيجة لذلك.

ثالثا: لقد اعتدى المهاجمون على الزهراء(ع) بالضرب وغيره إلى درجة إسقاط جنينها، ولم يعترض أحد من المهاجمين ولا من غيرهم على من فعل ذلك، وإذا كانوا يخافون من عمر فهل يخافون من قنفذ، أو من المغيرة بن شعبة، أو من أمثالهما؟!.

رابعا: إذا كان المهاجمون يحترمون الزهراء(ع) إلى هذا الحد، فإن سبب تصديها لهم، وجلوس علي(ع) وبني هاشم في البيت

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 6 ص 50. (*)


/ صفحة 226 /

يصبح واضحا، لأن تصديها والحال هذه سيمنع من وصول المهاجمين إلى علي(ع)، واعتقاله، على حد تعبير المستدل، وبحسب معاييره!!

وبذلك يعرف سبب إقدامها على فتح الباب بنفسها، دون علي(ع) أو غيره ممن كان حاضرا.

وليت هذا كان نافعا في ردعهم عن كسر الباب واقتحام البيت!! وإن كان له بالغ الأثر في تحصين الحق وحفظه عن الضياع، وإظهار زعماء الانقلاب على حقيقتهم.

خامسا: إن تاريخ وسياسة الذين جاء بهم عمر للهجوم على بيت الزهراء(ع) لا تدل على أنهم كانوا يحبونها عليها السلام، إن لم نجد إن ثمة ما يدل على عكس ذلك. فقد ذكر لنا التاريخ أسماء عدد من المهاجمين، مثل:

أبي بكر، عمر، قنفذ، أبي عبيدة بن الجراح، سالم مولى أبي حذيفة، المغيرة بن شعبة، خالد بن الوليد، عثمان، أسيد بن حضير، معاذ بن جبل، وعبد الرحمان بن عوف، وعبد الرحمان بن أبي بكر، ومحمد بن مسلمة، ـ وهو الذي كسر سيف الزبير ـ وزيد بن أسلم، وعياش بن ربيعة، وغيرهم(1). ممن سيأتي ذكرهم في قسم النصوص.

ــــــــــــــــــــ

(1) كنز العمال: ج 5 ص 597، ومستدرك الحاكم: ج 3 ص 66. وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي: وحياة الصحابة: ج 2 ص 18 والشافي لابن حمزة ج 4 ص 171 و 173، والاختصاص: ص 186 وتفسير العياشي: ج 2 ص 66 و 67. والرياض النضرة: المجلد الثاني ص 241. وستأتي النصوص الكثيرة في قسم النصوص، التي تفصح عن المشاركين في الهجوم، وهناك تجد مصادرها بصورة أتم وأوفى إن شاء الله تعالى. (*)


/ صفحة 227 /

أخبار عن احترام الصحابة للزهراء(ع):

يقول البعض:

إن الزهراء عليها السلام كانت تحظى بمكانة متميزة لدى المسلمين جميعا، فالتعرض لها والاعتداء عليها بهذا الشكل الفظيع قد يثير الرأي العام ضد المهاجمين.

ويدل على هذه المكانة الكبيرة لها أكثر من خبر يتحدث عن تعامل الناس معها بطريقة الاحترام والتبجيل، وذلك يثير علامات استفهام كثيرة حول صحة ما يقال عن اعتداء شنيع عليها.

والجواب:

أولا:

لقد كان أبوها رسول الله (ص) أعظم مكانة في نفوس المسلمين منها ومن كل أحد، ولكن هذا لم يمنع البعض من مواجهة رسول الله (ص) بالقول المشهور: إن النبي ليهجر(1) أو نحو ذلك.

وقائل ذلك كان على رأس المهاجمين لبيت الزهراء عليها السلام.

ولم نسمع ولم نقرأ: أن أحدا ممن كان حاضرا أو غائبا اعترض عليه، أو حتى أبدى تذمره وانزعاجه من ذلك.

وقد عصى جماعة من الصحابة أمره (ص) بأنه يكونوا في جيش أسامة، ولم يجهزوا هذا الجيش، رغم أنه (ص) قد لعن المتخلف عن جيش أسامة، كما هو معلوم(2).

ــــــــــــــــــــ

(1) ستأتي المصادر لذلك تحت عنوان: طلب المسامحة يدل على مكانة الزهراء (ع).

(2) راجع: البحار ج 27 ص 324 والاستغاثة: ص 21 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 6 ص 11 و 52 و 50 ومواضع أخرى عديدة. ومنار الهدى للبحراني: ص 433 ومفتاح الباب الحادي عشر ص 197، تحقيق الدكتور مهدي محقق. وحق اليقين: ص 178 و 182. وإثبات الهداة: ج 2 ص 343 و 345 و 346، عن منهاج الكرامة وعن نهج الحق. والملل والنحل للشهرستاني: ج 1 ص 23 وشرح المواقف: ج 8 ص 376 ومجموع الغرائب للكفعمي ص 288. (*).


/ صفحة 228 /

كما أنهم قد نفروا برسول الله (ص) ليلة العقبة، وقذفوا زوجته.

إلى غير ذلك من أمور كثيرة، ظهرت منهم تجاه النبي (ص) وعترته الطاهرين.

أضف إلى ذلك: إن قتل الحسين عليه السلام وسبي عياله كان هو الآخر جريمة كبرى لا تقل عن اقتحام بيت الزهراء(ع) والاعتداء عليها بالضرب. والقوم هم أبناء القوم.

وقد تآمروا أيضا على قتل علي عليه السلام، على يد خالد بن الوليد، وهو يصلي في مسجد رسول الله (ص) حينما نطق أبو بكر قبل التسليم(1) قائلا: لا يفعلن خالد ما أمرته.

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: مجمع الرجال للقهبائي: ج 2 ص 264 في الهامش. والشافي: لابن حمزة: ج 4 ص 173 و 202. وذكر أن الجاحظ رواه في الزيدية الكبرى عن جامعة من أهل الحديث منهم الزهري، والايضاح: لابن شاذان ص 155. 158. وجلاء العيون: ج 1 ص 201، وكتاب سليم بن قيس: ج 2 كما سيأتي. وإثبات الهداة: ج 2 ص 360. ومرآة العقول: ج 5 ص 339 و 340، والرسائل الاعتقادية ص 455، وشرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 222 والمسترشد ص 451 ط. ايران. والبحار ج 29 ص 126 و 133 والإحتجاج ج 1 ص 234 وعلل الشرائع ج 1 ص 182 ورجال الكشي ص 695 ترجمة سفيان الثوري.. (*)


/ صفحة 229 /

وقد أفتى أبو حنيفة بجواز التكلم قبل التسليم، استنادا إلى هذه القضية كما يقال(1).

وأفتى سفيان الثوري ـ استنادا إلى هذه القضية أيضا ـ بأن من أحدث قبل التسليم وبعد التشهد، فصلاته تامة (2).

ثانيا:

هناك احترام يظهر في الظروف العادية، حيث لا يكون ثمة ما يرهب منه، أو يرغب عنه، أما حين يكون الأمر كذلك، فإن الناس كما قال الإمام الحسين عليه السلام: عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم، فإذا محصوا بالبلاء قد الديانون (3).

فالاحترام في الرخاء لا يعني النصرة عند البلاء، حين تصبح مصالحهم مهددة، وذلك معلوم لدى كل أحد.

ثالثا:

إن مما يدل على عدم صحة ما ذكروه من أن الجميع كانوا يحترمون الزهراء(ع) ويجلونها، بل كان فريق من الناس يجترئ عليها إلى درجة لا يمكن تصورها، ما رواه الشيخ الطوسي عن أبي العباس ابن عقدة، عن محمد بن المفضل، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن عبد الله بن أبي يعفور، ومعلى بن خنيس، عن أبي الصامت، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: أكبر الكبائر سبع.. إلى أن قال: " وأما قذف المحصنات، فقد قذفوا فاطمة على منابرهم الخ.. " (4).

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي: ج 1 ص 222.

(2) المسترشد في إمامة علي (ص): ص 90. والايضاح: ص 190.

(3) البحار: ج 44 ص 195 ـ 383 و ج 75 ص 117.

(4) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 149 ومعادن الحكمة ج 2 ص 122 و 123 عنه وعن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 366 (ط النجف). (*)


/ صفحة 230 /

علي(ع) متمرد لا بد من إخضاعه:

يطرح البعض مقولة مفادها:

1 ـ إن المجتمعين في بيت الزهراء(ع)، وهم علي(ع) وبنو هاشم هم معارضة للحكم، فطبيعة الأمور تقتضي: أنه إذا اجتمعت المعارضة ليتمردوا على الخلافة، أن يبادر الحكام لمواجهتهم، وإخضاعهم، فمجيئهم إنما كان لاعتقال علي(ع) كي تنتهي المعارضة.

2 ـ إن غرض المهاجمين هو اعتقال علي(ع)، وأما فاطمة(ع) فلا شغل لهم بها، لأن هناك رأي عام موجود، فقول عمر " وإن "، جوابا لمن قال له: إن فيها فاطمة، يكون طبيعيا، ومعناه: ما لنا شغل بفاطمة، نحن نريد القضاء على المعارضة باعتقال علي، فإن كانت الزهراء موجودة فنحن لا نقصدها بشئ، وقصدنا هو اعتقال علي فقط.

والجواب:

أولا: إننا نستغرب جدا وصف علي عليه السلام بأنه "متمرد"!! وكذا وصفه ومن معه من بني هاشم وغيرهم بأنهم "معارضة"!! ومتى استقر للغاصبين حكم، واستقام لهم سلطان، حتى يوصف الآخرون بأنهم معارضة؟! فإن الاعتداء على بيت الزهراء(ع) قد كان فور عودة أبي بكر من سقيفة بني ساعدة إلى المسجد، حيث جلس على منبر النبي (ص) للبيعة، وبدأ الهجوم في هذا الوقت بالذات، وحتى بعد تمكنهم من الامساك بأزمة الأمور، فهل يحسن أو يصح وصف صاحب الحق الشرعي، والذي يباشر المعتدون الاعتداء عليه، بهدف ابتزاز حقه ومنصبه الذي وضعه الله تعالى فيه، والتغلب عليه بالقوة


/ صفحة 231 /

والقهر، والحيلة والدهاء، وبالوسائل غير المشروعة، هل يصح وصفه بأنه "معارضة"؟! وبأنه متمرد؟! ولا بد من إخضاعه؟

هل كل ذلك ليكون الغاصب المعتدي هو "الشرعية"؟!.

وثانيا: لو صح ذلك كله، فهل يصبح معنى قول عمر: لتخرجن أو لأحرقن البيت بمن فيه، فقالوا له: إن فيها فاطمة، فقال: وإن..

هل يصبح معناه: إننا لا شغل لنا بفاطمة، نحن نريد اعتقال علي؟!

وهل يعني ذلك: أنهم سوف ينقذون فاطمة من الاحتراق بالنار، ويوجهون النار نحو علي دون سواه؟! وبذا تكون فاطمة محترمة ومبجلة عند المهاجمين، وقد حفظوا فيها والدها رسول الله (ص)؟!.

ثالثا: هل يعني وجود الرأي العام: أنه سوف يمنعهم من إحراق فاطمة؟!

وإذا كان الرأي العام يسمح بإحراق علي(ع)، فلماذا لا يسمح بإحراق فاطمة(ع) والحسنين (ع) معه؟! وهم مناصروه، ومعاضدوه، وإذا كانت أقوال النبي (ص) في حق الزهراء (ع) تمنعهم، فلماذا لم تمنعهم أقواله (ص) في حق علي(ع)؟! وأي رأي عام ذاك الذي يسمح باعتقال علي (ع) والاعتداء عليه؟

وإذا كان هناك رأي عام موجود، فلماذا لم يمنع من قول بعضهم لرسول الله (ص): إن النبي ليهجر؟!.

ولماذا لم يعاقب القائل؟! أو على الأقل لماذا لم يبادر إلى تأنيبه،


/ صفحة 232 /

وملامته؟! بل لم نجد ما يدل على أنهم عبسوا في وجهه. وهو أقل ما كان يفترض فيهم في تلك الحال، إلا إذا كان هذا البعض يريد أن ينكر حتى صدور ذلك من هذا الرجل بحق النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم!!

ثم لماذا لم يمنع الرأي العام من ضرب الزهراء(ع)، وإسقاط جنينها بعد ذلك؟؟!

ولماذا لم يمنع الرأي العام من قتل الإمام الحسين(ع)، ومن معه من نجوم الأرض من بني عبد المطلب، ومن خيرة المؤمنين والمخلصين؟!

ثم سبي بنات رسول الله (ص) وذريته، والطواف بهن في البلاد، والعباد على رؤوس الأشهاد؟!.. ولماذا؟؟ ولماذا؟؟..

رابعا: من الواضح: أن كلمة " وإن " وصلية، يعاد ما قبلها إلى ما بعدها، أي وإن كان في البيت فاطمة، فإني سأحرق البيت بمن فيه..

وليس معنى هذه الكلمة: " لا شغل لنا بفاطمة نحن جئنا لنعتقل عليا " على حد تعبير هذا القائل، فإن هذا المعنى لا تساعد عليه أي من قواعد اللغة العربية، وليس له أي وجه مقبول في علوم البلاغة أو غيرها..

وأما كلمة (بمن فيه)، فإن كلمة " من " التي يراد بها العقلاء، تؤكد على أنه سيحرق البيت ويحرق جميع من فيه من الناس، وفيهم فاطمة والحسنان وعلي عليهم سلام الله.

ولو سلمنا صحة هذا التفسير، فإذا كان لا شغل لهم بفاطمة، فهل لا شغل لهم أيضا بمن فيه من بني هاشم، والزبير، والعباس، الذين


/ صفحة 233 /

يقول هذا البعض: إنهم كانوا موجودين أيضا؟!.

فهل كلمة (بمن فيه) قد وضعت في اللغة العربية لخصوص علي عليه السلام، وخرج الحسنان عليهما السلام، وفضة والزبير، والهاشميون وفاطمة والعباس و.. و.. و..

أضف إلى ذلك: أنه لو كان ليس له شغل بفاطمة، فلماذا لم يطلب منها مغادرة البيت الذي جاء بالحطب ليحرقه بمن فيه؟! بل هو عوضا عن ذلك قال في جواب: إن فيها فاطمة: " وإن ".

طلب المسامحة يدل على مكانة الزهراء(ع):

ويتساءل البعض، فيقول:

ألا يدل طلب الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ المسامحة من الزهراء (ع)، على أن الزهراء عليها السلام كانت تحتفظ بقيمتها في المجتمع المسلم بين كبار الصحابة؟.

الجواب:

أولا: إن طلب المسامحة نفسه هذا يدل على أنهم قد آذوها، وأغضبوها، إلى درجة احتاجوا إلى طلب المسامحة منها ولو ظاهرا.

وثانيا: لا شك في أن الزهراء(ع) كانت تحتفظ بقيمتها في المجتمع المسلم، وهذا ما اضطر الذين آذوها واعتدوا عليها إلى محاولة امتصاص النقمة، وإزالة الآثار والنظرة السلبية التي نشأت وستنشأ تجاههم بسبب ما فعلوه وما ارتكبوه في حقها(ع).

وثالثا: إنهم حين استرضوها لم يقدموا أي شئ يدل على أنهم


     / صفحة 234 /

كانوا جديين في ذلك الاسترضاء، بل إن كل الدلائل تشير إلى أنهم قد أقدموا على ذلك من أجل الإعلام وللإعلام فقط، فهم لم يرجعوا إليها فدكا، ولم يتخذوا خطوات عملية لإزالة آثار اعتدائهم الآثم عليها، ولا تراجعوا عن تصميمهم الأكيد على اغتصاب حق علي عليه السلام، وكذلك هم لم يعترفوا بأي خطأ أمام الصحابة بصورة علنية، حيث ارتكبوا ما ارتكبوه بصورة علنية أيضا.

ورابعا: إن " احتفاظها بقيمتها " لم يمنعهم من الاعتداء عليها بالضرب وبغيره، كما أن أباها قد كان أعظم في نفوس الناس منها، وأقدس. ولم تمنعهم عظمته وقداسته، وقيمته ـ حين اقتضت طموحاتهم ومصالحهم ـ من توجيه أقسى قواذع القول له (ص)، حينما تصدى بعضهم لمنعه (ص) من كتابة الكتاب بالوصية لعلي عليه السلام وكان (ص) على فراش المرض، في ما عرف برزية يوم الخميس! وقال قائلهم: إن النبي ليهجر! أو: غلبه الوجع!(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) الإيضاح: ص 359 وتذكرة الخواص: ص 62 وسر العالمين: 21، وصحيح البخاري: ج 3 ص 60 و ج 4 ص 5 و 173 و ج 1 ص 21 و ج 2، ص 115، والمصنف للصنعاني: ج 6، ص 57 و ج 10، ص 361، وراجع ج 5 ص 438 والارشاد المفيد: ص 107 ط النجف، والبحار: ج 22، ص 498. وراجع: الغيبة للنعماني: ص 81 و 82 وعمدة القاري: ج 14، ص 298 و ج 2 ص 170 و 171 و ج 25 ص 76 وفتح الباري: ج 8 ص 100 و 101 و 102 و 186 و 187 والبداية والنهاية: ج 5، ص 227 و 251 والبدء والتاريخ: ج 5 ص 59 والملل والنحل: ج 1، ص 22، والطبقات الكبرى: ج 2، ص 244، وتاريخ الأمم والملوك: ج 3، ص 192 ـ 193 ط ـ الاستقامة، والكامل في التاريخ: ج 2، ص 320، وأنساب الأشراف: ج 1، ص 562، وشرح النهج للمعتزلي: ج 6، ص 51، و ج 2 ص 55، وتاريخ الخميس: ج 2، ص 164 و 182 وصحيح مسلم: ج ص 75، ومسند أحمد: ج 1 ص 355 و 324 و 222 و 325 و 332 و 336 و 362 و 346 والسيرة الحلبية: ج 3، ص 344، ونهج الحق: ص 273، والعبر وديوان المبتدأ والخبر: ج 2 قسم 2 ص 62 وإثبات الهداة: ج 2 ص 344 و 348 و 399 و ج 1 ص 657 والجامع الصحيح للترمذي: ج 3 ص 55 ونهاية الإرب: ج 18 ص 375، وروضة المناظر لابن شحنة: ج 7 ص 808 (مطبوع هامش الكامل في التاريخ).. وراجع: حق اليقين: ج 1 ص 181 و 182، ودلائل الصدق: ج 3 قسم 1، ص 63 و 70، والصراط المستقيم: ج 3 ص 3 و 7 والمراجعات: 353 والنص والاجتهاد: ص 149 و 163. والمختصر في أخبار البشر: ج 1 ص 151 ومجموع الغرائب للكفعمي: ص 289 ومنهاج السنة ج 3 ص 135 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 292 وتاريخ الإسلام ج 2 ص 383 و 384 وكشف المحجة ص 64 ط سنة 1370 ه‍. ط الحيدرية النجف، والطرائف ص 432 و 433، وراجع التراتيب الإدارية: ج 2 ص 241 وكنز العمال ط الهند سنة 1381 ه‍. ج 7 ص 170 ودلائل النبوة للبيهقي: ج 7 ص 181 / 184، ومسند أبي يعلى: ج 5 ص 393 و ج 3 ص 393 و 394 و ج 4 ص 299 ومجمع الزوائد: ج 4 ص 214. (*)


/ صفحة 235 /

هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا قبل ذلك قد واجهوا ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بالصراخ والضجيج في موسم الحج(1) حين قال لهم الأئمة بعدي اثنا عشر.. حتى لم يستطع السامع أن يسمع ما يقوله الرسول (ص) بعد ذلك، " كلهم من

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: مسند أبي عوانة: ج 4 ص 394 و 400، ومسند أحمد: ج 5 ص 99 و 93 و 90 و 96 و 98، و 101، وسنن أبي داود: ج 4 ص 106، والغيبة للنعماني: ص 122 و 124 و 121 و 123، وإرشاد الساري: ج 10 ص 273، وصحيح مسلم: ج 6 ص 4 ط مشكول، والغيبة للشيخ الطوسي: ص 88 و 89، وفتح الباري: ج 13 ص 181 و 182 و 183 و 184، وأعلام الورى: ص 38، والبحار: ج 36 ص 239 و 235 و 240 و ج 63 ص 236، ومنتخب الأثر: ص 20، وإكمال الدين: ج 1 ص 272 و 273، وتاريخ الخلفاء: ص 10 و 11، والصواعق المحرقة: ص 18، وينابيع المودة: ص 444 و 445، والخصال أبواب الاثني عشر. وراجع ج 2 ص 474 و 470 و 472، وعن عيون أخبار الرضا، وعن كتاب مودة القربى، والمودة العاشرة، وإحقاق الحق (الملحقات): ج 13 ص 1، والعمدة لابن البطريق: ص 421. وراجع: النهاية في اللغة: ج 3 ص 54، ولسان العرب: ج 12 ص 343. وعن كتاب: القرب في محبة العرب: ص 129. (*)


/ صفحة 236 /

قريش "(1) وذلك حين أحسوا منه أنه يريد أن يؤكد على إمامة علي عليه السلام وخلافته من بعده.

كما أن قيمة وعظمة وقداسة هذا النبي لم تمنعهم من الإصرار على مخالفة أمره الأكيد لهم بأن يلتحقوا بجيش أسامة، مع أنه (ص) قال لهم: لعن الله من تخلف عن جيش أسامة (2)، كما أن ذلك لم يمنعهم من محاولة اغتياله (ص) بتنفير ناقته به في العقبة(3).

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: حول عدم سماع الراوي لكلمة: "كلهم من قريش"، أو "من بني هاشم" المصادر التالية: صحيح مسلم: ج 6 ص 3 بعدة طرق. ط مشكول. ومسند أحمد ج 5 ص 92 و 93 و 94 و 90 و 96 و 95 و 89 97 و 98 و 99 و 100 و 101 و 106 و 107 و 108، ومسند أبي عوانة: ج 4 ص 394، وحلية الأولياء ج 4، ص 333، وأعلام الورى: ص 382، والعمدة لابن البطريق ص 416 ـ 422، وإكمال الدين ج 1 ص 272، و 273، والخصال: ج 2 ص 469 و 275، وفتح الباري: ج 13 ص 181 ـ 185 والغيبة للنعماني: ص 119 ـ 125، وصحيح البخاري: ج 4 ص 159، وينابيع المودة: ص 444 = 446، وتاريخ بغداد: ج 2 ص 126 و ج 14 ص 353، والمستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 618، وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) نفس الصفحة، ومنتخب الأثر: ص 10 ـ 23 عن مصادر كثيرة، والجامع الصحيح للترمذي: ج 4 ص 501، وسنن أبي داود: ج 4 ص 116، وكفاية الأثر من ص 49 حتى نهاية الكتاب، والبحار: ج 36 ص 231، إلى آخر الفصل، وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 13 ص 1 ـ 50، عن مصادر كثيرة.

(2) تقدمت المصادر لذلك.

(3) راجع: المسترشد في إمامة علي(ع): ص 146، والفرق بين الفرق: ص 147. (*)


/ صفحة 237 /

وخامسا: أي مكانة لها في نفوسهم وعمر يقول لأبي بكر، وهو يبكي عندما زجرته الزهراء لما دخلا عليها لاسترضائها: أتجزع لغضب امرأة.؟

وسادسا: إنه لا يمكن تقويم أحداث التاريخ على أساس تحكيم عامل واحد في صنع الحدث كالعامل الإنساني فقط، أو الأخلاقي، أو الديني، أو المصلحي، أو الاقتصادي، أو العقلي، أو ما إلى ذلك، وإن كان لكل واحد منها درجة من التأثير في صنع هذا الحدث، وتحديد دوافعه وآثاره.

ولو صح هذا لكان اللازم تكذيب قتل يزيد للحسين مثلا، أو ادعاء فرعون للربوبية، لأن ذلك لا ينسجم مع الدين ولا مع الأخلاق، ولا يقره عقل أو وجدان!!

والحقيقة هي أن المؤثر في صنع الحدث قد يكون تلك الأمور المتقدمة كلها، وقد يكون السبب هو جنون الشهوات أيضا، بل قد ينتج الحدث عن حماقة، أو عن توهج عاطفي، أو عن أمراض وعقد نفسية، أو عن طموحات صحيحة أو خاطئة، وقد يكون بعض ما تقدم، منضما إلى هذا أو إلى غيره، واحدا كان أو أكثر، هو المؤثر في صنع الحدث.

إذن، فتعظيم الزهراء عليها السلام واحترامها قد لا يمنعهم من غصب فدك منها مثلا، إذا اقتضت سياساتهم، أو مصلحتهم، أو شهوتهم للحكم، أو للمال ذلك.

وكلنا يعرف أن حب الولد والعطف عليه لا يمنع أباه من قتله إذا نازعه الملك، وقد سمعنا العديد من الحكام يقول: الملك عقيم لا


/ صفحة 238 /

رحم له(1) وقد يضرب أحدهم ولده ضربا مبرحا، لسبب شخصي، أو لوقوفه في وجه بعض طموحاته وشهواته.

ويقال: إن بعض النساء في العهد العباسي قتلت ولدها في سبيل الملك، والمأمون قد قتل أخاه في سبيل ذلك، كما قدمنا.

وهكذا يتضح: أن العوامل والمؤثرات قد يقوى بعضها على بعض، ويلغي بعضها تأثير البعض الآخر.

هل رضيت الزهراء على الشيخين؟!

ويضيف هذا البعض:

أن القضية قد انتهت في حينها، فإنها صلوات الله وسلامه عليها قد رضيت على أبي بكر وعمر حينما استرضياها قبل وفاتها.

ونقول:

أولا: صحيح أن رضا الزهراء عليها السلام هو أمنية محبي التيار الذي هاجم فاطمة عليها السلام وآذاها، حرصا منهم على أن لا يظهر ذلك الفريق في جملة من آذى رسول الله، وأغضبه، ليكون في العلن مؤذيا ومغضبا لله سبحانه. وقد حاول بعضهم أن يزور في الرواية التي ذكرت هذه القضية، لصالح من يحبونهم، فذكروا: أنها رضيت

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: شرح ميمية أبي فراس: ص 73، و 74، والبحار: ج 48 ص 131، وعيون أخبار الرضا: ج 1 ص 91، وينابيع المودة: ص 383، ومقاتل الطالبين: ص 453، والمناقب للخوارزمي: ص 208، والطبقات الكبرى لابن سعد: ج 5 ص 227 ط صادر، والبداية والنهاية: ج 8 ص 316، وتتمة المنتهى: ص 185، وراجع: قاموس الرجال: ج 10 ص 370. (*)


/ صفحة 239 /

عنهم(1). وهو ما ورد في حديث الشعبي الذي هو حديث موقوف، لأنه لم يدرك زمن الحادثة.

وسكت فريق آخر: عن التصريح بشئ من الرضا وعدمه (2).

وأغرب من ذلك دعوى البعض: أن الذي صلى عليها حين ماتت هو أبو بكر(3) وعلي عليه السلام.

ولكن العلماء الذي يلتقون مع نفس هؤلاء في التوجه المذهبي، هم الذين ذكروا لنا الرواية على وجهها الصحيح، ولم يلتفتوا إلى ما أضافه أولئك، بل قالوا: إنها حينما جاءا ليسترضياها لم تأذن لهما، حتى توسلا بعلي عليه السلام، فكلمها فلم تأذن أيضا، بل قالت له: البيت بيتك، أي: فأنت حر في أن تدخل فيه من تشاء، بحسب ما تفرضه الظروف القاهرة عليك، أما هي فتحتفظ برأيها وبموقفها، وليس ثمة ما يفرض عليها غير ذلك.

فأذن لهما علي (عليه السلام)، من موقع أنه صاحب البيت، ولم تأذن لهما الزهراء عليها السلام.

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: دلائل النبوة للبيهقي: ج 7 ص 281، والرياض النضرة: ج 1 ص 176، وسير أعلام النبلاء: ج 2 ص 121، وتاريخ الخميس ج 2، ص 174، عن الوفاء، وعن السماني في الموافقة والسنن الكبرى: ج 6 ص 301، والسيرة الحلبية: ج 3 ص 361 وطبقات ابن سعد: ج 8 ص 27، والبداية والنهاية: ج 5 ص 289، وحياة الصحابة: ج 2 ص 473، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 6 ص 19 و 49 و ج 2 ص 57، وفتح الباري: ج 6 ص 139،، ونزهة المجالس: ج 2 ص 183.

(2) راجع: كنز العمال: ج 12، ص 515، و ج 13، ص 687.

(3) كنز العمال: ج 5 ص 605،، عن البيهقي، وقال: هذا مرسل حسن بإسناد صحيح وطبقات ابن سعد: ج 8 ص 29. (*)


/ صفحة 240 /

ولما دخلا عليها أبت أن تكلمهما، وكلمت عليا وقررتهما، فأقرا أنهما سمعا رسول الله (ص) يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقط أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني.

فقالت لهما: فإني أشهد الله وملائكته: أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه(1).

وحين بكى أبو بكر لأجل ذلك زجره عمر وقال له: تجزع لغضب امرأة الخ.. (2).

وحسب نص سليم بن قيس:

"وكان علي عليه السلام يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فكلما صلى قال له أبو بكر وعمر: "كيف بنت رسول الله"؟

إلى أن ثقلت: فسألا عنها وقالا: " قد كان بيننا وبينها ما قد علمت، فإن رأيت أن تأذن لنا فنعتذر إليها من ذنبنا "؟

ــــــــــــــــــــ

(1) الإمامة والسياسة: ج 1 ص 14 و 15، وراجع: البحار: ج 36 ص 308، و ج 78 ص 254، و ج 43 ص 170، و 171، ودلائل الإمامة: ص 45، وعوالم العلوم: ج 11 ص 411 و 445 و 498، و 499، وكفاية الأثر: ص 64 و 65، والبرهان: ج 3 ص 65، وعلل الشرائع: ج 1 ص 186 ـ 187، و 189، والشافي: ج 4 ص 213، وأهل البيت لتوفيق أبي علم: ص 168، و 169، و 174، ومرآة العقول: ج 5، ص 323 و 322. وضياء العالمين (مخطوط): ج 2 ق 3 ص 85 ـ 87 والجامع الصغير للمناوي: ج 2 ص 122، والرسائل الاعتقادية: ص 448.

(2) راجع عوالم العلوم: ج 11 ص 500، وعلل الشرائع: ج 1 ص 187، وضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 87. (*)


/ صفحة 241 /

قال عليه السلام: ذاك إليكما.

فقاما، فجلسا بالباب، ودخل علي عليه السلام على فاطمة عليها السلام فقال لها: "أيتها الحرة، فلان وفلان بالباب، يريدان أن يسلما عليك، فما ترين"؟

قالت عليها السلام: "البيت بيتك والحرة زوجتك، فافعل ما تشاء".

فقال: "شدي قناعك".

فشدت قناعها، وحولت وجهها إلى الحائط.

فدخلا وسلما وقالا: ارضي عنا رضي الله عنك.

فقالت: ما دعاكما إلى هذا؟

فقالا: اعترفنا بالإساءة ورجونا أن تعفي عنا وتخرجي سخيمتك.

فقالت: فإن كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه، فإني لا أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه، فإن صدقتما علمت أنكما صادقين في مجيئكما.

قالا: سلي عما بدا لك.

قالت: نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني"؟

قالا: نعم.


/ صفحة 242 /

فرفعت يدها إلى السماء فقالت:

"اللهم إنهما قد آذياني، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك. لا والله لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول الله وأخبره بما صنعتما، فيكون هو الحاكم فيكما".

قال: فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعا شديدا.

فقال عمر: تجزع يا خليفة رسول الله من قول امرأة؟ "(1)

ونحن لا ندري لماذا اختار هذا الرجل خصوص تلك الرواية التي رواها غير الشيعة ولم يكلف نفسه عناء المقايسة بينها وبين الرواية الأخرى، بل هو لم يشير إليها أصلا. مع أن هذه الرواية مزورة من قبل من يريدون تبرير ما صدر عن الذين هاجموا الزهراء وآذوها، رغم وضوح التصرف الخياني فيها، نعم، لقد أخذ بها، وترك هذه الرواية الصحيحة والصريحة.

وثانيا: (2) العفو إنما يكون عن الشخص الذي يتوب توبة نصوحا مما اقترفه، والتوبة تعني إرجاع الحق إلى أهله، وتصحيح الخطأ وترميم الخراب الذي تسبب به. وإلا فهل تقبل توبة غاصب يمسك بكل شئ، ثم يقول لهم: سامحوني وارضوا عني، ولن أعيد أي شئ إلى أي كان منكم.

إن اعتذارا لهذا سيكون أوجع للقلب لأنه أقبح من ذنب.

فكيف ولماذا وعلى أي أساس تسامحهما، وهما لم يتراجعا قيد

ــــــــــــــــــــ

(1) كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ج 2 ص 869 وجلاء العيون: ج 1 ص 212 و 213 مع تفاصيل أخرى، وراجع: البحار: ج 43 ص 197 / 203 و ج 28 ص 357 وعلل الشرائع: ج 1 ص 186 و 187.

(2) قد أشار إلى ذلك أيضا في ضياء العالمين (مخطوط): ج 2 ق 3 ص 108. (*)


/ صفحة 243 /

أنملة عما اقترفاه في حقها؟!.

فهما لم يرجعا لها فدكا، ولا غيرها مما اغتصباه من إرث رسول الله (ص) وغيره، إذا أن يظن في حقها أنها أخطأت في ادعائها هذا.

كما أنهما لم يقرا بجريمتهما في حق الله والأمة باغتصاب الخلافة من صاحبها الشرعي، ولم يظهر من أحد أي استعداد للقصاص ممن ارتكب جريمة الاعتداء عليها بالضرب إلى درجة إسقاط جنينها.

بل كان الذين فعلوا ذلك هم أركان الحكم وأعوان الحاكم الذي جاء يعتذر، وسيوفه المسلولة على رقاب كل من يعترض أو يشكو، فلم يكن ثمة توبة، بل كان هناك محاولة لتلميع الصورة، وتقوية الأمر، والحصول على مزيد من القوة في الاحتفاظ بما اغتصبوه.

ولو كان الأمر على خلاف ذلك، وكانوا جادين في طلبهم المسامحة، فما الذي منع أبا بكر من أن يعاقب قنفذا أو المغيرة بن شعبة، أو عمر بن الخطاب، أو غيرهم ممن هتك حرمة بينها صلوات الله وسلامه عليها؟! ولو لم يمكنه ذلك فلا أقل من أن يؤنبهم أو يعبس في وجوههم، أو يفعل أي شئ يشير إلى عدم رضاه عما صدر عنهم، ولكنه لم يكتف بأن لم يفعل شيئا من ذلك بل زاد عليه توفير غطاء ومزيدا من الرعاية لهم، والاهتمام بهم.

ولست أدري، هل كان إعطاؤه المناصب والمزايا والأموال لفلان وفلان مكافأة لهم على ما اقترفوه من اعتداء؟!.

أما قنفذ فقد أعفوه من مشاطرته أمواله التي اكتسبها في ولاياته


/ صفحة 244 /

لهم. وكان ذلك ـ كما روي عن أمير المؤمنين(ع) ـ مكافأة له!!

ولست أدري أن لو كانت الزهراء عليها السلام أرادت أن تأخذ منهم ما اغتصبوه هل كانوا يضربونها من جديد، أم كانوا قد حكموا عليها بالقتل بصورة علنية وظاهرة؟.

ثالثا: إذا كانت عليها السلام قد رضيت عنهما، فلماذا أوصت أن تدفن ليلا، وأن لا يحضرا جنازتها، فنفذ علي عليه السلام وصيتها بدقة، وأخفى قبرها، فثارت ثائرتهما ومن معهما، وحاولا نبش القبور التي جعلها عليه السلام تمويها، فواجههما بالموقف القوي والحاسم، فتراجعا(1).

وإذا كانت السلطة قوية وشديدة الهيمنة، فهي قادرة على أن تشيع عنها(ع) أنها قد رضيت بعد السخط، ولن يجرؤ أحد على تكذيب دعاوى السلطة، وستكون هذه الشائعة مقبولة لدى الكثيرين، خصوصا أنها بوصيتها أن تدفن ليلا، وأن لا يحضرا، ولا أحد ممن ظلمها جنازتها، قد فوتت الفرصة عليهم أيضا لممارسة هذا التزوير للحقيقة، حيث قدمت الدليل القاطع والبرهان الساطع، على شكل شاهد تاريخي حي على هذا السخط الذي تجسد أيضا في عدم معرفة

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: البحار: ج 30 ص 348 و 349 و 286 و ج 29 ص 193. ونقل وصيتها تلك في هامش في البحار ج: 43 ص 171، عن المصادر التالية: حلية الأولياء: ج 2 ص 43، ومستدرك الحاكم: ج 3 ص 162، وأسد الغابة: ج 5 ص 524، والإصابة: ج 4 ص 379 و 380، والإمامة والسياسة: ج 1 ص 14، وأعلام النساء: ج 3 ص 1214. وراجع أيضا شرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 6 ص 50، وقال: إن الصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة عليهما الخ.. مصنف عبد الرزاق: ج 3 ص 521، والاستيعاب ج 2 ص 751، ومقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 83، ودلائل الإمامة: ص 44. (*)


/ صفحة 245 /

قبرها صلوات الله وسلامه عليها عبر الأحقاب والدهور، وهي سيدة نساء العالمين، والكريمة الوحيدة لخاتم الأنبياء وسيد المرسلين.

رابعا: إن من المعقول والمقبول أن يكونوا قد أرادوا من محاولة استرضاء الزهراء عليها السلام هو إظهار الأمر على أنه مجرد مشكلة شخصية، وقد انتهت كما بدأت، فهي الآن قد رضيت، ولم يعد هناك أية مشكلة معها، كما قد يوحي به كلام هذا البعض.

لقد كانت هناك إساءة لفاطمة عليها السلام، وكان هناك اعتداء على شخصها الكريم، بالضرب أو بغيره، وقد تبذل محاولة تفسير لذلك على أنه مجرد تسرع، أو ثورة غضب عارمة أخرجت الفاعلين عن حد الاعتدال.

وهل السبب في حدوث هذا الغضب هو الزهراء، نفسها؟ بتصرفاتها؟ أو بسبب كلماتها؟ أو نبرات صوتها؟ أو غير ذلك من الأسباب؟ إنهم سوف يغضون الطرف عن تحديد المسؤول عن ذلك.

وقد راجع المعتدون أنفسهم وتابوا، وعلى الزهراء عليها السلام أن تعفو وتصفح، فإن ذلك هو ما تفرضه الأخلاق الإسلامية، وأكدته لآيات القرآنية، وهي أولى الناس بالالتزام بذلك، وهي المرأة التقية المطهرة المعصومة.

وهذا يعني أن تكون بذلك قد أعطت صك الشرعية للعدوان، ولغصب الخلافة، والاستئثار بإرث الرسول الله، فلم يبق إلا أنهم قد تسرعوا قليلا في ضربها حين المواجهة، وهم معذورون في ذلك! لأنه قد جاء على فورة، وبسبب حالة التوتر والهيجان، وربما تكون هي التي تسببت في ذلك (!!) لأنها عليها السلام كانت


/ صفحة 246 /

هي المخطئة حين وقفت في وجههم. وعلي مخطئ أيضا، حين لم يبادر للاعتراف بالحاكم الجديد المتغلب، ولا سبق إلى البيعة، والمؤازرة، وبذلك يتم إعادة الاعتبار لهم، وهذه هي غاية أمنياتهم وأغلاها.

ولكن حين ترفض الزهراء حتى دخولهما بيتها، وترفض توبتهما، وتصر على أن تشكوهما إلى رسول الله (ص)، ثم توصي بأن تدفن ليلا، وأن لا يحضرا جنازتها، ثم تطلب إخفاء قبرها، فإنها بذلك قد أفسدت عليهما خطتهما تلك.

وسجل التاريخ رغم ما ناله من تزوير وتحريف بعض الحقيقة وهي أنها ماتت وهي مهاجرة للذين اعتدوا عليها، فدفنها علي(ع) ليلا، ولم يؤذنهم بها وهو ما لهجت به الكتب المعتبرة والموثوقة لدى فريق كبير من المسلمين(1).

وقد سئل الرضا عليه السلام عن الشيخين، فقال: كانت لنا

ــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج 5 ص 285 و 286 و 287 و 250، عن البخاري، وأحمد، وعبد الرزاق، وراجع البخاري كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، وباب قول رسول الله لا نورث ما تركناه صدقة، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 6 ص 49 / 50، و ج 16 ص 232 و 218، وراجع صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير. والشافي لابن حمزة: ج 4 ص 211 وراجع ص 205، والثقاة ج 2 ص 164 و 165، وتاريخ الأمم والملوك: ط دار المعارف ج 3 ص 208، وأهل البيت لتوفيق أبي علم ص 172، ومشكل الآثار: ج 1 ص 48، والعمدة لابن البطريق: ص 390 و 391، والسنن الكبرى: ج 6 ص 300 و 301، والتنبيه، والأشراف: ص: 250، وتاريخ الإسلام للذهبي: نشر دار الكتاب العربي (قسم السيرة النبوية) ص 591، وفي الهامش أشار إلى مصادر كثيرة. وطبقات ابن سعد: ج 8 ص 28 و 29. وروضة المتقين: ج 5 ص 349، والطرائف: ص 262 / 269 / 258 / 257، وتحرير الأفكار: ص 228، وألقاب الرسول وعترته: ص 44، وراجع: كفاية الطالب: ص 370، ومستدرك الحاكم: ج 3 ص 162، وإثبات الهداة: ج 2 ص 366، ومسند أحمد: ج 1 ص 6 / 9. وراجع: الرياض المستطابة: ص 291، وتاريخ الخميس: ج 1 ص 174، ومرآة العقول: ج 5 ص 322 / 323، والمصنف للصنعاني: ج 5 ص 472 و ج 4 ص 141 و ج 3 ص 521، وتيسير الوصول: ج 1 ص 209. وراجع ضياء العالمين (مخطوط): ج 2 ق 3 ص 65 و 66 و 91. (*)


/ صفحة 247 /

أمة(1) بارة خرجت من الدنيا وهي عليهما غضبى، ونحن لا نرضى حتى ترضى(2).

ونقل ما يقرب من ذلك عن عبد الله بن الحسن (3).

وهكذا يتضح:

إن الزهراء التي هي المرأة المعصومة المطهرة، والتي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، قد أفهمت بموقفها الواعي كل أحد ممن كان، وممن ولج أو سيلج باب التاريخ: إن القضية لم تكن قضية شخصية، وإنما هي قضية الدين والإسلام، قضية الاعتداء على الله ورسوله صلى الله عليه وآله، وعلى الحق، وعلى الإنسانية، وعلى الإسلام المتجسد فيها، لأن العدوان عليها إنما يهدف إلى منعها من الدفاع عن الإمامة التي بها قوام الدين. والتي هي قرار إلهي قاطع، وهي حق الأمة، وحق الإنسان، كل إنسان.

وقد سجلت موقفها هذا بعد أن قررتهما بما يوجب إدانتهما الصريحة، التي تبين أن التعدي قد نال رسول الله (ص)، وبالتالي فقد كان تعديا وجرأة على الله سبحانه، وليس لها أن تسامح من يجترئ

ــــــــــــــــــــ

(1) الأمة: لغة في الأم، راجع الطرائف: ص 252.

(2) ألقاب الرسول وعترته ص 44 والطرائف ص 252.

(3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 16 ص 232 و ج 6 ص 49. (*)


/ صفحة 248 /

على الله سبحانه، وعلى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله، وقد أعلمتهما بهذه الحقيقة حين قالت لهما: لأشكونكما إلى رسول الله (ص).

ثم وليي لا يقال للناس: إن الزهراء قد عادت فراجعت نفسها بعد ذلك، أو أنها أرسلت إليهم مع فلان من الناس: أنها قد رضيت عنهم، ها هي توصي بأن تدفن ليلا.

وقد يدعي أيضا: ـ وقد حصل ذلك بالفعل ـ أن الدفن ليلا سنة(1)، وتشريع، فلا يكفي لإثبات استمرار غضبها عليهم، فأوصت أن لا يحضروا جنازتها، ولا يصلوا عليها وغيبوا قبرها، فحاولوا نبش عدد من القبور ليصلوا إليها، ويصلوا عليها، فمنعهم علي عليه السلام (2).

ــــــــــــــــــــ

(1) المغني للقاضي عبد الجبار: ج 20 ق 1 ص 335.

(2) راجع: الإستغانة ص 10 و 11 وعوالم العلوم: ج 11 ص 467 و 505 و 506 و 523 و 508 و 493 و 411 و 501 و 502 و 504 و 404 و 534 و 122 و 515 و 512، وبحار الأنوار: ج 78 ص 250 و 253 / 256 و 310 و 387 و ج 43 ص 201 و 207 و 218 و 181 و 191 و 214 و 199 و 182 و 183 و ج 28 ص 353 و ج 29 هامش ص 192 و 193 و ج 30 ص 348 / 349 و 286، والمناقب لابن شهر آشوب: ج 3 ص 363 و 362 ط المطبعة العلمية قم ـ ايران. وروضة الواعظين ص 151 ـ 153، وعلل الشرائع: ج 1 ص 185 و 188 و 189، والشافي لابن حمزة: ج 4 ص 211 و 210، وإتمام الوفاء: ص 16 والثقات: ج 2 ص 170، وروضة المتقين: ج 5 ص 347، وتقريب المعارف: ص 251 و 252، وبشارة المصطفى: ص 258، واللوامع الإلهية للمقداد: ص 300، والمجالس السنية: ج 5 ص 347، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 6، ص 49 و 50 و ج 16 ص 52 / 53، وص 214 و 217، وكشف الغمة: ج 1 ص 494، و ج 2 ص 130، وتلخيص الشافي: ج 3 ص 138 و 150 و 152، وشرح الأخبار: ج 3، ص 31 و 69، وجلاء العيون: ج 1 ص 214 و 220، والأمالي للطوسي: ص 107، والكافي للكليني: ج 1 ص 458، ومعاني الأخبار ص 356، وإعلام الورى: ص 152، وإثبات الهداة: ج 2 ص 334، عن كتاب: أساس الجواهر، وراجع: تاريخ المدينة لابن شبة: ج 1 ص 197، وتاريخ الأئمة، لابن أبي الثلج: ص 31، وعن الأمالي للمفيد: ص 281، وتاريخ الصحابة لابن حبان: ص 208، ومرآة العقول: ج 5 ص 322 و 323. والرسائل الاعتقادية: ص 449 و 450 و 459، والاختصاص: ص 185 والوسائل: ج 2 ص 832 وضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 65 / 66 / 67 / 91 / 92 / 95 / 140 (مخطوط) عن مصادر كثيرة ودلائل الإمامة: ص 44، وأنوار الملكوت في شرح الياقوت للعلامة الحلي: ص 228. (*)


/ صفحة 249 /

وفي بعض المصادر: "أنها أخذت على أمير المؤمنين عهد الله ورسوله أن لا يحضر جنازتها إلا أم سلمة، وأم أيمن، وفضة، والحسنان، وسلمان، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، وحذيفة "(1).

وقد صلى عليها علي عليه السلام (2)، وكبر عليها خمسا (3)..

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 78 ص 310.

(2) مستدرك الحاكم: ج 3 ص 162، وتهذيب الأسماء للنووي: ج 2 ص 353 وصفة الصفوة: ج 2 ص 14، وتاريخ المدينة لابن شبة: ج 1 ص 197، وتاريخ الصحابة لابن حبان: ص 208. والعمدة لابن البطريق: ص 390 / 391، وفي هامشه عن صحيح مسلم: ج 5 ص 154، وعن صحيح البخاري، باب غزوة خير والروضة الفيحاء للعمري الموصلي: ص 252 وكشف الغمة للإربلي: ج 2 ص 128، وضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 3 وجامع الأصول: ج 12 ص 9 / 10.

(3) راجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص 131. وجواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار (مطبوع مع البحر الزخار) ج 3 ص 118 وكشف الغمة: ج 2 ص 128. (*)


/ صفحة 250 /

ولا صحة لزعمهم: أن أبا بكر قد حضر، وصلى عليها(1)، فإنه لم يصل عليها، ولا على الرسول مع أنه صلى الله عليه وآله قد مكث ثلاثا(2). وإنما تمت بيعتهم بعد دفنه(3).

وليكن خفاء قبرها إلى يومنا هذا، وعدم قدرة أحد على معرفته بالتحديد برهانا ساطعا على هذا الإقصاء، الذي هو إدانة لهما، وجميع الشواهد التاريخية الصحيحة والمعتبرة تؤكد على كذب ما يزعمه مزوروا التاريخ وأعداء الحق.

وهكذا يتضح: أنها عليها السلام قد جعلت حتى من موتها، ومن تشييع جنازتها وسيلة جهاد وكفاح من أجل الله وفي سبيله، ومن أجل الدين وفي سبيل توضيح الحقائق للأجيال.

وقد بدأت نتائج هذا الكفاح بالظهور منذ اللحظات الأولى.

فقد روي: أنه لما انتشر خبر دفن الزهراء عليها السلام " ضج الناس، ولام بعضهم بعضا. وقال: لم يخلف فيكم نبيكم إلا بنتا واحدة، تموت، وتدفن ولم تحضر وفاتها ولا دفنها، ولا الصلاة عليها، ولم تعرفوا قبرها فتزورونها؟! " (4).

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: الرياض النضرة ج 1 ص 176 وقال: خرجه البصري، وخرجه ابن السمان في الموافقة. وذخائر العقبى ص 54، والإصابة ج 4 ص 479، وتهذيب الكمال: ج 35 ص 252، وتاريخ الهجرة النبوية: ص 58، ومقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 86، وتاريخ الخميس: ج 1 ص 278، والسيرة الحلبية: ج 3 ص 361، والمغني للقاضي عبد الجبار: ج 20 ق 1 ص 335.

(2) راجع: تقريب المعارف لأبي الصلاح: ص 251. وراجع المناقب لابن شهر آشوب: ج 1 ص 297.

(3) مناقب آل أبي طالب: ج 1: ص 297.

(4) دلائل الإمامة: ص 46، وضياء العالمين (مخطوط): ج 2 ق 3 ص 93 / 94 عن المناقب. (*)


/ صفحة 251 /

قال الفتوني: " وإذا تأملت فيما ذكرناه فضلا عما لم نذكره، وعما سيأتي من الشواهد، عرفت أن أصل تأذي فاطمة صلوات الله عليها من الرجلين وأتباعهما إجمالا، بحيث ماتت ساخطة سخطا عظيما مما لا يمكن إنكاره بل بحيث يوجب القطع للمتفحص عن الحق، بتحكم الإنكار والتعصب جهارا، كما هو شأن ساير المتواترات(1) ".

تمحلات غير ناجحة:

والغريب في الأمر هنا: أننا نجد البعض يحاول التخلص والتنصل من حقيقة هجران الزهراء عليها السلام لمن ظلمها إلى أن ماتت، بإطلاق القول:

إن معنى أن فاطمة عليها السلام هجرت أبا بكر، فلم تكلمه إلى أن ماتت: " أنها لم تكلمه في هذا الأمر (أي المال)، أي لم تطلب حاجة ولا اضطرت إلى لقائه، ولم ينقل قط أنهما التقيا، فلم تسلم عليه ولا كلمته " حيث تشاغلت بمرضها وغير ذلك (2).

ثم هم يقررون: إن الزهراء أتقى لله من أن يصدر منها ذلك وأورع (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) ضياء العالمين (مخطوط) ج 2 ق 3 ص 95، والهداية الكبرى: ص 179.

(2) شرح بهجة المحافل: ج 1 ص 131 عن الذهبي، وفتح الباري: ج 6 ص 139، والسيرة الحلبية: ج 3 ص 361.

(3) فتح الباري: ج 6 ص 139. (*)


/ صفحة 252 /

ونقول:

إن نفس أولئك الذين يقولون ذلك قد ذكروا: أنها عليها السلام قد التقت بالشيخين، حينما جاءاها لاسترضائها، حينما مرضت، فكلمتهما ورضيت عنهما، حسب زعمهم(1).

كما أن الشاشي قد رد على ذلك بأن قولهم: " غضبت " يدل على أنها عليه السلام قد امتنعت عن الكلام جملة، وهذا صريح الهجر(2).

هل عرف قبر الزهراء عليها السلام:

ويلاحظ: أن الأئمة عليهم السلام لم يتصدوا لتعريف شيعتهم موضع قبرها عليها السلام، كما كان الحال بالنسبة لأمير المؤمنين الذي أظهر الإمام الصادق قبره كما هو معلوم، وكذا الحال بالنسبة لسائر الأئمة حيث عرفوا شيعتهم بمواضع قبورهم، باستثناء الزهراء عليها السلام، بل إن شيعة أهل البيت أيضا، الذين حضروا تشييع الجنازة والدفن، مثل عمار وأبي ذر، وسلمان، والعباس، وعقيل، وغيرهم لم يدلوا أحدا على قبرها، وفاء لها، وحبا بها، وهذا ابن أبي قريعة المتوفى سنة 367 هـ‍ يقول:

ولأي حال لحدت * بالليل فاطمة الشريفة

ولما حمت شيخيكم * عن وطئ حجرتها المنيفة

ــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الإسلام للذهبي: (عهد الخلفاء الراشدين) ص 47 وفتح الباري ج 6 ص 139.

(2) فتح الباري ج 6 ص 139. (*)


/ صفحة 253 /

أوه لبنت محمد * ماتت بغصتها أسيفة(1)

وقال السيد محسن الأمين رحمه الله:

ولأي حال في الدجي دفنت * ولأي حال ألحدت سرا

دفنت ولم يحضر جنازتها * أحد ولا عرفوا لها قبرا (2)

ومما تقدم تعرف أن دعوى هذا البعض: أن قبر الزهراء عليها السلام قد عرف الآن، هي دعوى لا وجه لها، ويا ليته يدلنا على هذا القبر الذي عرف الآن، ويبين لنا ما استند إليه من أدلة قطعت له كل عذر، ودحضت كل شبهة، وسوف نكون له من الشاكرين.

ونحن على يقين من أنه غير قادر على ذلك.

جرأة الجاحظ:

وما أبعد ما بين هذا الرجل الذي يختار خصوص الحديث الذي ظهرت فيه لمحات التحوير، والتزوير، بادعاء رضى الزهراء عليها السلام عن الذين جاؤا لاسترضائها، رغم تكذيب كل الشواهد الواقعية والتاريخية والحديثية له، وبين ذلك الرجل الآخر المعروف بانحرافه عن علي، ثم باهتمامه بنقض فضائله عليه السلام، وتأييد مناوئيه، وهو الكتاب والأديب الذائع الصيت، عمرو بن بحر

ــــــــــــــــــــ

(1) كشف الغمة للإربلي ج 2 ص 131.

(2) المجالس السنية ج 5 ص 120. (*)


/ صفحة 254 /

الجاحظ.. الذي يقول في رسالته المعروفة ب‍ " العباسية " ـ حسبما نقله عنه الشيخ الطوسي رحمه الله:

"فلما منعها ميراثها وبخسها حقها، واعتدى عليها، وجنح في أمرها، وعاينت الهضم وأيست من النزوع ووجدت مس الضعف وقلة الناصر، قالت: والله لأدعون الله عليك.

قال: والله لأدعون الله لك.

قالت: والله لا أكلمك أبدا.

قال: والله لا أهجرك أبدا.

فإن يكن ترك النكير منهم على أبي بكر دليلا على صواب منعها، إن في ترك النكير على فاطمة عليها السلام دليلا على صواب طلبها. وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك: تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ، ورفع قدرها عن البذاء وأن تقول هجرا أو تجور عادلا وتقطع واصلا. فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعا، فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم وأوجب علينا وعليكم.

ثم قال: فإن قالوا: فكيف يظن بأبي بكر ظلمها والتعدي عليها وكلما ازدادت فاطمة عليها السلام عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول: " والله لا أكلمك أبدا ".

فيقول: " والله لا أهجرك أبدا ".


/ صفحة 255 /

ثم تقول: " والله لأدعون الله عليك ".

فيقول: " والله لأدعون الله لك "(1).

ثم يتحمل منها هذا القول الغليظ والكلام الشديد في دار الخلافة، وبحضرة قريش والصحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه، وما يجب لها من الرفعة والهيبة. ثم لم يمنعه ذلك أن قال ـ معتذرا أو متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها الصائن لوجهها المتحنن عليها ـ: فما أحد أعز علي منك فقرا، ولا أحب إلي منك غنى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ".

قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم، والسلامة من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر ـ إذا كان أريبا وللخصومة معتادا ـ أن يظهر كلام المظلوم، وذلة المنتصف، وحدب الوامق، ومقة المحق (2) " انتهى كلام الجاحظ.

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج 16 ص 214، وتلخيص الشافي: ج 3 ص 152 وغير ذلك.

(2) تلخيص الشافي ج 3 ص 152 و 153. عن العباسية للجاحظ. وقال المعلق ص 151: إن كتاب العباسية قد طبع ضمن رسائل جمعها وحققها وشرحها الأستاذ حسن السندوبي، وأسماها " رسائل الجاحظ " ورقم هذه الرسالة (12) وقد طبعت في مطبعة الرحمانية بمصر سنة 1352. وذكر هذه الفقرات أيضا السيد القزويني في كتابه: فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد ص 420 عن رسائل الجاحظ ص 300 ـ 303. (*)


/ صفحة 256 /

دلالة حرجة:

وهكذا يتضح: أن الزهراء عليها السلام لم تكن تعرف لأبي بكر إمامة ولا تعترف له بتولية، ما دام أنها قد ماتت وهي غاضبة عليه وعلى صاحبه، مهاجرة لهما، وقد منعتهما من حضور جنازتها، بل ومن معرفة قبرها أيضا.

ولا يمكن أن تكون الزهراء المعصومة المطهرة بآية التطهير، والتي يغضب الله ورسوله لغضبها، قد ماتت ميتة جاهلية، وفق ما جاء في الحديث الشريف: " من مات ولم يعرف إمام زمانه ـ أو ليس في عنقه بيعة ـ، فقد مات ميتة جاهلية "(1).

قال العلامة المحقق الخواجوئي المازندراني: " إعلم أن المليين من المسلمين مع اختلاف مذاهبهم اتفقوا على صحة ما نقل عن النبي (ص)، وهو قوله: " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع ألفاظ الحديث في: " الغدير: ج 1، ص 390، عن التفتازاني في شرح المقاصد: ج 2، ص 275، وكنز الفوائد للكراجكي: ص 151، والمناقب لابن شهر آشوب: ج 3، ص 304، ومجمع الزوائد: ج 5، ص 224 و 225 و 219 و 218، ومسند أحمد: ج 4، ص 96 و ج 3 ص 446، والبحار ج 23، ص 92 و 88 و 80، و 89 وفي هوامشه عن الاختصاص: 269، وعن إكمال الدين: ص 230 و 231، ومنتخب الأثر: ص 15، عن الجمع بين الصحيحين والحاكم وكشف الغطاء: ص 8، وشرح نهج البلاغة: ج 13 ص 242 عن الإسكافي في نقض العثمانية ومنار الهدى للشيخ علي البحراني: ص 82 / 83 والمحلى: ج 1 ص 46، وصحيح البخاري كتاب الفتن، باب سترون بعدي أمورا تنكرونها، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة: ج 4 ص 517 ط دار الشعب. (*)


/ صفحة 257 /

جاهلية "(1).

إذن فلا وقع للمقولة التي أطلقها البعض: إن هذا الحديث ليس فوق مستوى النقد. والتي يلزم منها إما مخالفتها(ع) لما جاء عن النبي (ص) أو أنه قد كان لها إمام آخر غير أبي بكر فمن هو يا ترى؟

وهل يظن أنه غير علي(ع).

وهل يظن الظان أن الزهراء(ع) ـ وهي التي ماتت وليس في عنقها بيعة لأبي بكر ـ قد ماتت ميتة جاهلية؟

ملاقاة الزهراء للرجال والحجاب:

وبالمناسبة نقول: إن البعض قد استدل على بطلان حديث: خير للمرأة أن لا ترى الرجل ولا الرجل يراها (2)، بأن الزهراء عليها السلام،

ــــــــــــــــــــ

(1) الرسائل الاعتقادية ص 403.

(2) روي هذا الحديث عن النبي (ص) وعن الإمام الصادق(ع) وعن علي(ع)، فراجع: وسائل الشيعة ج 20 ص 232 و 67، ومستدرك الوسائل: ج 14 ص 183 و 289، والبحار ج 43 ص 54 و 48 و 84 و ج 100 ص 239 و ج 101 ص 36، وإحقاق الحق: ج 9 ص 202 / 203 عن البزار و ج 10 ص 224 و 226، عن مصادر كثيرة. وراجع: مجمع الزوائد ج 4 ص 255 وكشف الأستار عن مسند البزار: ج 3 ص 235، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة: ج 3 ص 153، و 154 عن كنز العمال: ج 8 ص 315. وراجع كتاب الكبائر للذهبي: ص 176. ودعائم الإسلام: ج 2 ص 124، و 215 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار): ص 171 / 172 / 191، وكشف الغمة: ج 2 ص 92، ومكارم الأخلاق ص 233، ومناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 119، وعوالم العلوم: ج 11 ص 197، ومقتل الخوارزمي ج 1 ص 62، وحلية الأولياء: ج 2 ص 41، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 381، وثمة مصادر أخرى ذكرها في هامش كتاب العوالم وراجع: مناقب أمير المؤمنين علي(ع) للقاضي محمد بن سليمان الكوفي: ج 2 ص 210 و 211، وضياء العالمين (مخطوط): ج 2 ق 3 ص 14 عن المناقب، والدرة اليتيمة في بعض فضائل السيدة العظيمة: ص 31، ودعائم الإسلام: ج 2 ص 214 / 215. (*)


/ صفحة 258 /

ـ وهي قائلة هذا القول ـ كانت تلتقي بالرجال، وتتحدث معهم، أثناء الأزمة التي واجهتها مع الذين هاجموا بيتها، وغصبوا فدكا.

وقد التقت مع أبي بكر وعمر، حينما جاءا ليسترضياها، وتحدثت معهما بشكل طبيعي..

وكانت عليها السلام تخرج مع من يخرجن مع النبي (ص) في غزواته ليقمن بشؤون الحرب.

وكان النبي (ص) يستقبل النساء، ولو صح أنه خير للمرأة أن لا ترى الرجال، لكان ينبغي أن يجعل (ص) حاجزا بينه وبين كل امرأة تأتيه، ويقول لها: تكلمي من وراء حجاب.

والجواب:

أولا: إن هذا الحديث وإن كان ضعيف السند، لكن الاستدلال على تكذيبه بما ذكر لا يصح، لأن التقاءها عليها السلام بالرجال في أيام الأزمة التي واجهتها مع أبي بكر وعمر لا يعني أنها قد كشفت عن وجهها للناظرين، وحديثها معهم قد يكون من وراء الحجاب، أو في حالة لا تريهم فيها وجهها..

وليس المقصود من عدم رؤيتها للرجال، وعدم رؤيتهم لها: أن لا ترى ولا يرى كل منهم حجم وشكل الطرف الآخر.


/ صفحة 259 /

هذا، وقد احتمل البعض أن يكون المقصود بهذا الحديث هو بيان مرجوحية اختلاط الرجال بالنساء.

كما أن خروجها مع النبي (ص) في غزواته، لا يلازم أن يرى الرجال وجهها أو محاسنها، وليس ثمة أي دليل على أنها عليها السلام كانت تتولى بنفسها القيام بشؤون الحرب، وخروجها على هذا النحو مع النبي (ص) لا يدل على ما ادعي.

وكذلك الحال بالنسبة لاستقبال النبي (ص) للنساء، ولا يلزم في ذلك أن يجعل حاجزا بينه (ص) وبين كل امرأة تأتيه، ولا أن يجعل لها حجابا لتكلمه من وراء الحجاب، إذ يكفي أن تتحفظ هي بما تملكه من وسائل الستر، وتكلمه وهي مكتملة الحجاب، فإن الكلام مع شخص لا يلازم شيئا مما نهي عنه من التزين والتبرج، أو الخضوع بالقول.

وثانيا: إنها حينما خطبت(ع) في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم قد نيطت دونها ملاءة، كما تذكر النصوص(1).

وثالثا: إن موضوع رجحان عدم رؤية الرجال لها، وعدم رؤيتها لهم، لا ينحصر ثبوته بالحديث المذكور، فهناك أحاديث ونصوص

ــــــــــــــــــــ

(1) الاحتجاج: ج 1 ص 254، وشرح النهج للمعتزلي: ج 16 ص 211 و 250، وبلاغات النساء: ص 24، وأعلام النساء: ج 4 ص 116، وكشف الغمة: ج 2 ص 106، وإحقاق الحق: ج 10 ص 299، والشافي للمرتضى: ج 4 ص 69 ـ 71. وضياء العالمين (مخطوط): ج 2 ق 3 ص 69، وراجع: العوالم: ج 11 ص 468 وشرح الأخبار: ج 3 ص 34 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 77، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم: ج 5 ص 105. (*)


/ صفحة 260 /

أخرى تثبت ذلك، ونذكر منها:

1 ـ ما رواه محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، قال: استأذن ابن أم مكتوم على النبي (ص)، وعنده عائشة وحفصة، فقال لهما: قوما فادخلا البيت.

فقالتا: إنه أعمى.

فقال: إن لم يركما فإنكما تريانه(1).

2 ـ وعن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله (ص)، وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال: احتجبا.

فقلن: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصرنا؟

قال (ص): أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟! (2).

ومن الغرائب استدلال هذا البعض بهذه الرواية على دخول ابن أم مكتوم الأعمى على النبي وهو في مخادع زوجاته الكاشف عن وحدة الحال بينهما، على حد تعبيره.

ثم بناؤه على ذلك صحة نزول سورة عبس في حقه (ص). وقد أشرنا إلى بطلان هذا القول في الصحيح من سيرة النبي (ص) (3) فليراجع. 

ــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل: ج 20 ص 232، والكافي: ج 5 ص 534.

(2) الوسائل: ج 20، ص 232، وفي هامشه عن مكارم الأخلاق ص 233، ومسند أحمد: ج 6 ص 296، والجامع الصحيح للترمذي: ج 5 ص 102، وسنن أبي داود: ج 4 ص 63، والكبائر للذهبي: ص 177.

(3) وليراجع أيضا: كتاب " عبس وتولى فيمن نزلت؟ " ط المركز الإسلامي للدراسات سنة 1997 م. (*)


/ صفحة 261 /

وإذا كان ابن أم مكتوم بدخوله مرة أو مرتين على رسول الله (ص)، قد أنتج لنا وحدة الحال هذه، فينبغي أن تتحقق وحدة حال أعمق بكثير بين النبي (ص) وبين جل ـ إن لم يكن كل ـ من التقى بهم في حياته.

3 ـ الجعفريات: أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، حدثني موسى، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام:

إن فاطمة بنت رسول الله (ص) استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبي (ص): لم حجبته وهو لا يراك؟!

فقالت: يا رسول الله إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشم الريح.

فقال النبي (ص): أشهد أنك بضعة مني.

وفي دعائم الإسلام عن أبي جعفر عليه السلام مثله. وفي نوادر الراوندي: عن موسى بن جعفر مثله(1).

4 ـ وبالإسناد المتقدم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عليهما السلام: أن فاطمة بنت رسول الله (ص)، دخل عليها علي عليه السلام، وبه كآبة شديدة، فسألته عن ذلك فأخبرها: أن النبي (ص)

ــــــــــــــــــــ

(1) مستدرك الوسائل: ج 14، ص 289، وفي هامشه عن الجعفريات ص 95، وعن دعائم الإسلام: ج 2 ص 214، وعوالم العلوم ج 11 ص 123، وفي هامشه عن نوادر الراوندي: ص 13، والبحار: ج 43 ص 91، ورواه ابن المغازلي: ص 380 ـ 381. (*)


/ صفحة 262 /

سألهم عن المرأة: متى تكون أدنى من ربها؟ فلم ندر.

فقالت: ارجع إليه فأعلمه: أن أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها.

فانطلق فأخبر النبي (ص).

فقال: ماذا؟ من تلقاء نفسك يا علي؟

فأخبره أن فاطمة عليها السلام أخبرته.

فقال: صدقت، إن فاطمة بضعة مني.

ورواهما السيد فضل الله الراوندي في نوادره بأسناده عنه (ص) مثله(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) مستدرك الوسائل: ج 14 ص 182، وفي هامشه عن: الجعفريات: 95 وعن نوادر الراوندي: ص 14، والبحار: ج 43 ص 92 و ج 100 ص 250، وعوالم العلوم: ج 11 ص 123. (*)


الفصل السابع
لماذا تفتح الزهراء(ع) الباب

/ صفحة 265 /

ماذا في هذا الفصل:

سنقرأ في هذا الفصل مناقشات ترتبط بالنقاط التالية:

1 ـ غيرة علي(ع) وحميته تأبى عليه أن يدع الزهراء تفتح الباب للمهاجمين.

2 ـ شجاعة علي(ع) تأبى عليه أن يدع الزهراء تواجه الخطر، نتيجة لفتحها الباب أمام القوم.

3 ـ الزهراء(ع) مخدرة، فكيف تواجه الرجال؟!.

4 ـ لماذا لا يفتح الباب الحسنان، أو فضة، أو علي(ع)، أو الزبير أو واحد من بني هاشم الذين كانوا داخل البيت؟!

5 ـ المتحصنون في البيت كانوا مسلحين، فكيف يخشون من المواجهة؟.

6 ـ الزهراء(ع) وديعة الرسول (ص)، فكيف يعرضها أمير المؤمنين(ع) للخطر؟.

7 ـ ضرب الزهراء مسألة شخصية، لا ربط لها بالخلافة، ولم يوص النبي عليا بعدم الدفاع عن نفسه وعن عياله في المسائل


/ صفحة 266 /

الشخصية، بل أوصاه أن لا يفتح معركة من أجل الخلافة التي هي قضية عامة تتعلق بالواقع الإسلامي كله.

8 ـ كيف يسمع الحاضرون ما يجري على الزهراء(ع) ثم لا ينجدونها؟.

هذه هي النقاط التي سنتعرض لها في هذا الفصل، وعلى الله نتوكل، ومنه العون والسداد نطلب ونسأل.

أين هي غيرة علي(ع) وحميته؟

قد رأى البعض:

إن جلوس علي عليه السلام في داخل البيت، وتركه زوجته تبادر لفتح الباب، يتنافى مع الغيرة والحمية، وهل يمكن أن يصدر مثل ذلك من علي عليه الصلاة والسلام!؟

ونقول في الجواب:

أولا: إنه لا شك في أن عليا عليه السلام هو إمام الغيارى، وهو صاحب النجدة والحمية، والحسين(ع) أيضا إمام الغيارى كأبيه.. وقد حمل الحسين(ع) نساءه معه، ومنهم العقيلة زينب(ع) ليواجهوا المحن والبلايا، والمصائب والرزايا، لأن الله سبحانه شاء أن يراهن سبايا فكن ينقلن من بلد إلى بلد، يتصفح وجوههن القريب والبعيد، في يد الأعداء الذين لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم الموبقة، حتى مثل قتل أوصياء الأنبياء وذبح الأطفال، وسبي بنات الوحي.

وإذا كانت الحوراء زينب(ع) قد قالت لابن زياد: رضا الله


/ صفحة 267 /

رضانا أهل البيت، فإن عليا عليه السلام أولى من ابنته زينب بأن يرضيه ما يرضي الله سبحانه.

وبديهي أن الإمام أمير المؤمنين عليا عليه السلام، يريد لهذا الدين أن يستمر قويا راسخا، حتى ولو كلفه ذلك روحه التي بين جنبيه، وهو على استعداد لتحمل أنواع الأذى في هذا السبيل.

وليس في إجابة الزهراء(ع) للمهاجمين ما يتنافى مع الغيرة والحمية، كما لم يكن حمل زينب والنساء إلى كربلاء مع العلم بسبيهم يتنافى مع ذلك.

ثانيا: لقد كان النبي (ص) يأمر بعض زوجاته وأم أيمن بأن تجيب من كان يطرق عليه الباب(1) حين يقتضي الأمر ذلك. وهل هناك أغير من رسول الله (ص)؟!

وثالثا: المهاجمون هم الذين اعتدوا وفعلوا ما يخالف الدين والشرع والغيرة، والحمية، وحتى العرف الجاهلي، أما علي(ع) فلم يصدر منه شئ من ذلك، بل هو قد عمل بتكليفه، والزهراء(ع) عملت بتكليفها، والخلاف والتعدي قد جاء من قبل المهاجمين.

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: الاحتجاج: ج 1 ص 470 / 471، وكشف اليقين: ص 260 / 305، والبحار: ج 32، ص 347، و ج 39 ص 267 و ج 90 من 272 و ج 37 ص 313 و ج 38 ص 349، 350، 152، 121، 121، 305، 126، 356، 357، والطرائف: ص 72، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي والدعوات للراوندي: ص 47، ومشارق أنوار اليقين، وكشف الغمة: ج 1 ص 91، ومناقب الخوارزمي: ص 86 و 87، وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي): ج 3 ص 164، وفرائد السمطين، ج 1 ص 331، وكفاية الطالب: ص 312. (*)


/ صفحة 268 /

أين هي شجاعة علي(ع)؟!

قال ابن روزبهان عن حديث الإحراق: " لو صح هذا دل على عجزه، حاشاه عن ذلك، فإن غاية عجز الرجل أن يحرق هو وأهل بيته، وامرأته في داره، وهو لا يقدر على الدفع الخ.. "(1).

وقد أخذ البعض هذا المعنى، فقال: إنه لا يستسيغ أن تفتح الزهراء(ع) الباب، أو تجيب القوم، مع كون علي(ع) موجودا معها داخل البيت.

ثم إن هذا البعض يحاول أن يثير العواطف، ويحرك الأحاسيس حين يزيد على ما مر ويقول: هل يقبل أحد منكم أن تهاجم زوجته، أو أمه، أو أخته، وهو قاعد في البيت يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؟!.

ماذا يقول الناس عنه لو فعل ذلك؟ هل يقول الناس عنه بطل؟!

أو هو جبان؟ فكيف تنسبون لعلي عليه السلام مجندل الأبطال ما لا ترضونه لأنفسكم؟!

ثم يؤكد قوله هذا فيقول: لقد عقد في (دبي) مجلس عزاء حول الزهراء، وذكر القارئ هذه القضية، وكان أحد أهل السنة حاضرا، فقال لرجل شيعي كان هناك: أنتم تقولون: إن عليا بطل شجاع وقد " دوخ " الأبطال، فكيف لم يدافع عن زوجته، وهي وديعة رسول الله عنده؟!

ــــــــــــــــــــ

(1) إبطال نهج البلاغة (مطبوع مع دلائل الصدق) ج 3 قسم 1 ص 47. (*)


/ صفحة 269 /

ونقول:

أولا: هذا الكلام ليس جديدا، وقد أجاب عنه العلماء، وكذلك علماء الزيدية، فقال ابن حمزة: " هو(ع) مع شجاعته لم يخل من النظر في أمر الأمة، وطلب استقامة الدين وترك ما يخشى معه التفاقم "(1).

ثانيا: قال ابن حمزة الزيدي أيضا وهو يرد على بعضهم: " إنه لا عار عليه في أن يغلب، إذ ليست الغلبة دلالة على حق، ولا باطل، ولا على جبن. وهو إمام معصوم بالنص، لا يفعل بالعصبية، وإنما يفعل بالأمر، وقد أمر بالصبر، فكان يصبر امتثالا لأمر الله سبحانه، وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يقدم غضبا ولا يحجم جنبا"(2).

ثالثا: إن ضرب الزهراء(ع) ليس هو الوحيد في تاريخ علي (ع) مع هؤلاء القوم، فقد ورد أن عليا نفسه قد تعرض للضرب أيضا، لكن لا من أبي بكر، ولا من عمر، بل ممن هو أقل منهما شأنا وأثرا، وهو عثمان. فقد روى الزبير بن بكار في كتابه: عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أرسل إلي عثمان في الهاجرة، فتقنعت بثوبي، وأتيته فدخلت عليه وهو على سريره، وفي يده قضيب، وبين يديه مال دثر: صبرتان من ورق وذهب، فقال: دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني. فقلت: وصلتك رحم! إن كان هذا مال ورثته، أو أعطاكه معط، أو اكتسبته من تجارة، كنت أحد رجلين: إما آخذ، أو أشكر، أو أوفر فأجهد، وإن كان من مال الله وفيه حق المسلمين واليتيم وابن السبيل، فوالله، ما لك أن تعطينه ولا لي أن آخذه.

ــــــــــــــــــــ

(1) الشافي لابن حمزة: ج 4 ص 188.

(2) الشافي لابن حمزة: ج 4 ص 200، وراجع ص 201. (*)


/ صفحة 270 /

فقال: أبيت والله إلا ما أبيت. ثم قام إلي بالقضيب فضربني، والله ما أرد يده، حتى قضى حاجته، فتقنعت بثوبي، ورجعت إلى منزلي، وقلت: الله بيني وبينك إن كنت أمرتك بمعروف أو نهيت عن منكر(1)!

بل هو قد تعرض للقتل أيضا ـ وقد تحدثنا عن ذلك تحت عنوان " أخبار عن احترام الصحابة للزهراء(ع) " ـ وقد روي في الكافي بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السلام: أنه لما خطب عمر أم كلثوم، وقال(ع): إنها صبية، قال عمر للعباس: خطبت إلى ابن أخيك فردني، أما والله، لأعورن زمزم، ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها، ولأقيمن عليه شاهدين بأنه سرق، ولأقطعن يمينه. فأتى العباس فأخبره، وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعله إليه. (2)

فهذه الرواية تدل على مدى جرأتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه.

رابعا: إنه لا شك في أن أحدا منا لا يقبل بأن تهاجم زوجته، أو أمه، أو أخته، وهو قاعد في البيت يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله..

ولو فعل ذلك لقال الناس عنه: إنه جبان قطعا، ولقلنا نحن عنه ذلك أيضا.

ولكن إذا كان المهاجمون يريدون استدراجنا لمعركة، أو إثارة أحاسيسنا، لكي نتشنج، ونتصرف بردة الفعل، ومن دون وعي لنتائج

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي: ج 9 ص 10.

(2) الكافي: ج 5 ص 346. (*)


/ صفحة 271 /

تصرفاتنا، فإن الكل سوف يلومنا إذا استجبنا لاستدراج هؤلاء المهاجمين، وحققنا لهم أهدافهم.

والمهاجمون كانوا يريدون ذلك من علي عليه السلام، ولو أن عليا استجاب لهم، لضاعت فرصة معرفة الحق، ولأمكنهم أن يمتلكوا كل الأسهم الرابحة وكل إمكانات التشويه، والتزييف للحقيقة، كما سنوضحه إنشاء الله تعالى.

فبطولة علي(ع) هنا هي بصبره على الأذى، وعدم استجابته للاستفزاز الذي مارسوه ضده، فعلي(ع) هو الذي يضحي بكل شئ في سبيل حفظ هذا الدين، ويعتبر أن هذه هي مسؤوليته وواجبه الشرعي، ولم يكن ليفرط في دينه في سبيل أي شئ آخر.

خامسا: ولنفرض جدلا صحة ما يقوله هذا البعض من أن القوم كانوا يحترمون الزهراء(ع) ويقدرونها، فلماذا لا يفترض أيضا أن يكون الهدف من إجابة الزهراء(ع) لهم على الباب هو الاستفادة من مكانتها وموقعها لدفعهم بأسهل الطرق وأيسرها؟! وهل ترى أن مكانتها واحترامها دفع عنها هجوم القوم وأذاهم؟!

المخدرة لا تفتح الباب:

ويقول البعض:

إذا كانت الزهراء(ع) مخدرة، فكيف تبادر هي لفتح الباب، فإن التي لا ترى الرجال ولا تقابل أحدا لا تفعل ذلك..

والجواب:


/ صفحة 272 /

أولا: هل المخدرة لا يحق لها أن تدافع عن نفسها، لو هوجمت، أو عن ولدها وزوجها، أو عن شرفها، أو دينها، ورسالتها؟!

ثانيا: ألم تكن زينب أيضا مخدرة؟ فلماذا أخرجها الإمام الحسين(ع) معه إلى كربلاء لتواجه السبي، والمصائب، وتواجه الرجال، وتخطب في الكوفة، وفي الشام أمام طواغيت وجبابرة الأرض في زمانها؟!

ثالثا: هل خدرها يمنعها من الإجابة من خلف الباب، أو أن إجابتها هذه سوف تكشفها للناس، ليروا ما لا يجوز لهم رؤيته منها؟!

رابعا: إذا كانت قد أجابتهم من خلف الباب، فلا يعني ذلك أنها قد قابلتهم وجها لوجه، فإذا كسروا الباب، ولاذت خلفه رعاية للستر والحجاب، وعصروها بين الباب والحائط، فهل تكون هي المسؤولة عن ذلك؟!..

ويؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض النصوص: أنها عليها السلام قد مدت يديها من خلف الباب، فضربوا كفيها بالسوط(1).

خامسا: أليست هذه المخدرة نفسها قد خطبت الناس بالمسجد،

باعتراف هذا السائل نفسه؟!

وسمع صوتها القاصي والداني؟!

وهل الخدر للمرأة يمنعها من أن تدافع عن القضية العادلة، وعن الحق لو انحصر بها الدفاع عنه واستلزم ذلك الجهر بالمظلومية؟

ألم يستثن الفقهاء صورة الدفاع عن الحق، من ممنوعية سماع صوت المرأة، لو قيل بتحريمه؟!

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 30 ص 293 ـ 295. (*)


/ صفحة 273 /

وكيف يجوز لها أن تخطب الناس في المسجد، ولا يجوز لها أن تجيب من خلف الباب؟!

وهل يمنعها خدرها من الدفاع عن الإمامة وكشف الحقيقة للأجيال حين انحصر إنجاز هذا الأمر الخطير بها عليها السلام؟.

هل خدرها يحجزها عن الوقوف في وجه الظالمين والغاصبين، لتكشف للناس حقيقتهم، وتظهر واقع نواياهم، وجرأتهم على الله ورسوله، وأنهم على استعداد للتعرض حتى للنساء، بل حتى لأقدس امرأة، وهي سيدة نساء العالمين، والبنت الوحيدة لأعظم رسول، حتى فور وفاته صلوات الله وسلامه عليه؟

هل هناك بيان أفصح من هذا البيان؟

وهل يمكن لولا ذلك معرفة الظالم من المظلوم، والمهاجم من المدافع؟

ومن الذي يضمن لنا أن لا يبادر من يجترئ على إهانة الزهراء(ع)، والرسول (ص)، حتى قيل له: إن النبي ليهجر، من أن يقدم على تحريف الحقائق وتزويرها؟!

سادسا: إن هذا المعترض نفسه ينكر صحة حديث: خير للمرأة أن لا يراها الرجال ولا ترى الرجال، ويستند في ذلك إلى ما ذكرناه من خطبتها عليها السلام في المسجد، وبخروجها مع النساء في الحروب والغزوات، وبكلامها مع أبي بكر وعمر حينما دخلا عليها ليسترضياها. فما معنى أن يستدل بذلك هنا، وينكره هناك؟!

لماذا لا يفتح الباب الزبير، أو فضة؟

ومن الأمور المستغربة قول هذا البعض:

كل الروايات تقول: لم يكن علي عليه السلام وحده في البيت


/ صفحة 274 /

حينما هاجموه ليخرجوه ليبايع أبا بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كان معه "جميع بني هاشم"، وكانت معهم فضة، والزبير والعباس. فلماذا لم يفتح أحدهم الباب دونها(ع)؟.

والجواب:

إن دعوى: "وجود جميع بني هاشم في داخل البيت وقت الحادثة"، غير معلومة الصحة، وذلك لما يلي:

أولا: إن النظام ـ كما ينقل عنه ـ يصرح بأن عمر " كان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها "، وما كان في الدار غير علي، وفاطمة والحسن والحسين عليهم سلام الله(1).

وقوله: "ما كان في الدار الخ.." سواء أكان من كلام النظام، أو من كلام المؤلف فإنه كاف في ما نريده هناك، وهو ينفي وجود فضة والزبير أيضا.

وثانيا: لو سلمنا وجود أشخاص آخرين في بعض الأحيان، فإن الهجوم على بيت الزهراء (ع)، قد كان أثر من مرة، وقد ظهر ذلك صراحة في سياق الحديث الذي ورد في الإمامة والسياسة (2). وتدل عليه روايات عديدة أخرى خصوصا مع الجمع والمقارنة بينها، وملاحظة خصوصيات الأحداث، فإذا كان ثمة أشخاص في بيت الزهراء(ع) في الهجوم الأول، فليس بالضرورة أن يكونوا موجودين في الهجوم الثاني، أو الذي بعده.. وما هو الدليل الذي دل على ذلك؟.

ــــــــــــــــــــ

(1) الملل والنحل: ج 1 ص 84، والبحار: ج 28 ص 271، وراجع بهج الصباغة: ج 5 ص 15. وبيت الأحزان: ص 124.

(2) الإمامة والسياسة: ج 1 ص 12. (*)


/ صفحة 275 /

وثالثا: لا توجد رواية تقول: إن جميع بني هاشم كانوا في البيت، نعم هم يقولون: إن بني هاشم قد قعدوا عن البيعة، ولعل القائل قد اشتبه عليه الأمر، فتخيل أنهم قعدوا عن البيعة في بيت علي عليه السلام، ولم يلتفت إلى أن معنى " قعدوا " أنهم امتنعوا عنها، لا جلسوا في بيت علي(ع)، أو غيره!!

ورابعا: بعض الروايات صرحت بوجود الزبير فقط(1) بالإضافة إلى علي وفاطمة والحسنين عليهم الصلاة والسلام، ولم تذكر سوى هؤلاء.

وبعض الروايات أشارت إلى وجود عدد أو جمع من بني هاشم لا جميعهم (2).

وهذه الروايات وإن لم تكن متعارضة لعدم التعارض بين المثبتات، ولكنها ـ خصوصا الأخيرة ـ تنفي وجود جميع بني هاشم في بيت فاطمة(ع).

وخامسا: البيت صغير، لا يتسع لجميع بني هاشم، ولا حتى لنصفهم، خصوصا مع دفن النبي (ص) في ذلك البيت، حيث لا بد من مراعاة حرمته أيضا.

وسادسا: إن الذي منع عليا عليه السلام، وفضة، والحسنين عليهما السلام من فتح الباب، هو نفسه الذي منع الزبير، وسائر بني هاشم من ذلك، كما سيتضح في الإجابة على السؤال التالي إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــــــ

(1) الأمالي للمفيد: ص 49 / 50.

(2) راجع: المفيد في الجمل، (ط جديد) ص 117 / 118. (*)


/ صفحة 276 /

لو أجابهم علي(ع):

يزعم البعض:

أنه قد كان على علي (عليه السلام) أن يفتح الباب، أو تفتحه فضة أو غيرها. أما الزهراء (عليها السلام)، فلا مبرر لمبادرتها هي لفتح الباب دونهم.

والجواب:

هناك أمران، لا بد من الحديث عنهما:

أحدهما: هل يمكن لعلي (عليه السلام) أو غيره أن يفتح الباب؟!

الثاني: لماذا لا بد للزهراء (عليها السلام) دون سواها أن تتولى هذا الأمر؟

والإجابة على هذين السؤالين متداخلة، ولأجل ذلك حررناها على النحو التالي:

أولا: لقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يأمر بعض زوجاته بفتح الباب للطارق، كما تقدم، فلا حرج مبدئيا من قيام الزهراء بمهمة إجابة الطارقين.

ثانيا: إن من الواضح: أن فتح علي عليه السلام للباب، أو على الأقل إجابته للمهاجمين ولو من خلف الباب لا يخلو من أحد أمرين:

إما أن يفعل من يأمرونه به من المبادرة إلى بيعة صاحبهم ـ أعني أبا بكر ـ، ويكون في هذه الحالة قد قدم ما يشبه الاعتراف بشرعية ما قاموا به، بل هو يلغي كل دلالة على أن له حقا في هذا الأمر من الأساس.


/ صفحة 277 /

وإما أن يقتصر على إجابة المهاجمين، ثم الامتناع عن تلبية طلبهم، وهذا سوف يدفع بالمهاجمين إلى مجادلته، ومحاولة التأثير عليه بالكلمة القوية، أو اللينة، أو حتى محاولة إخراجه للبيعة بالقوة.

وذلك منه عليه السلام سوف يعطيهم الفرصة لتشويه الأمور، وإظهارها على غير حقيقتها، وادعاء ما يحلو لهم عليه، بحيث يكسرونه ويشوهون الحقيقة للناس، وهم المهيمنون والحاكمون، وإليهم تتلع الأعناق الطامعة، ويتزلف المتزلفون.

إنهم سوف يقولون للناس: لقد جئنا للتعزية والسؤال عن الحال، ولكن عليا (عليه السلام) هو الذي واجهنا بالكلمة اللاذعة، أو بالعنف، حسدا منه لنا، واعتدادا بنفسه، وإدلالا بمواقفه، وبقوته، وبقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم بفروسيته، وبكونه زوج بنت الرسول، وأبا السبطين، فهو المعتدي ونحن الضحية، وهو الحاسد والحاقد، والمهاجم والمغرور، وهو الطامع في أمر كان هو بنفسه قد أعلن انصرافه عنه، حيث إنهم كانوا قد أشاعوا عنه بين الناس، وهو منشغل بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه لا يريد هذا الأمر، كما يدل عليه قول المنذر بن أرقم في السقيفة، حينما رجحت كفة أبي بكر على سعد، واختلف الأنصار فيما بينهم، وتنازعوا: "إن فيهم لرجلا، لو طلب هذا الأمر، لم ينازعه فيه أحد، يعني علي ابن أبي طالب (عليه السلام)"(1).

ــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 123. (*)


/ صفحة 278 /

وفي رسالة ذكر أن عمر بن الخطاب كتبها إلى معاوية، يقول فيها عن أبي بكر: " وقدمت الناس إلى بيعته وصحبته، لأرهبه وكل من ينكر بيعته، ويقول: ما فعل علي بن أبي طالب؟ فأقول: خلعها من عنقه، وجعلها طاعة للمسلمين، قلة خلاف عليهم، فصار جليس بيته "(1).

نعم إنهم سيقولون للناس:

إذا كان علي عليه السلام قد انصرف عن هذا الأمر، وإذا كان لا بد من ضبط الأمور، خوفا من الفتنة، فقد بادرنا إلى ذلك حفاظا على الإسلام، ولكي نحفظ للأمة وحدتها، وللناس كراماتهم، وانتظام أمور حياتهم، لأننا نريد الخير للناس، والزلفى والقرب من الله، ولا شئ سوى ذلك، وحين واجهنا بالعنف، لم يكن أمامنا خيار، إلا أن اعتقلناه درءا للفتنة، وحفاظا على الدين والأمة.

ومن الذي يستطيع أن ينكر عليهم ما يدعون، ويرى الناس أنهم حكام متسلطون، ولدى الحكام عادة السياط والسيوف إلى جانبها الأموال، والمناصب، وبإمكانهم تلبية المطامح والمآرب، ويبقى إعلامهم هو الأعلى صوتا، لأنه يضرب بسيوف المال والجاه، والجبروت، والأطماع، والهوى، وهناك الحقد الظالم من الكثيرين على علي (عليه السلام) وعلى كل من يلوذ به، أو ينسب إليه. وعليهم أن يستفيدوا من هذه الأحقاد أيضا لتثبيت أمرهم، وتقوية سلطانهم.

وحين أجابتهم فاطمة عليها السلام، كان جوابها المفاجأة التي ضيعت عليهم الفرصة التي رأوها سانحة، فواجهوها بالعنف والقوة،

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 3، ص 292 ـ 294. (*)


/ صفحة 279 /

وبانفعال ورعونة، حيث بادروها بالهجوم الشرس، الذي ينم عن حنق لا مبرر له إلا الإصرار على انتزاع هذا الأمر بالقوة، حتى ولو كان بقيمة قتل " المحسن "، وهتك حرمة بيتها (عليها السلام) والاعتداء عليها بالضرب المبرح، وهي امرأة ليست هي بالطامعة، ولا الحاسدة، ولا المغرورة بنفسها، ولا الحاقدة، ولا المشاغبة، إنها امرأة جاءت لترى من الطارق؟ ولم تكن بصدد إطلاق الكلمات الرعناء بلا حساب، بل لا مبرر لأن تفعل ذلك ابتداء، وهي المرأة المثكولة بأبيها أعظم نبي وجد في هذا العالم، وقد أخرجهم من الظلمات إلى النور، وهي ابنته الوحيدة، والإنسانة المميزة التي هي أفضل نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها.

فلو أنهم حين جاؤا قد تكلموا بالكلام اللين والمهذب، وقالوا لها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله؟ لقد جئنا للاطمئنان على حالكم، وللسؤال عن صحتكم، ولنعزيكم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل تأذنين لنا بزيارتكم لمباسطة علي ومؤانسته، والاطلاع على أحواله، فهل كانت الزهراء ستواجههم بغير الخلق الرضي، والكلمة الطيبة، وبغير التأهيل والترحيب؟!

ثم تطالبهم وتحتج عليهم في ما يحاولونه من اغتصاب أمر الخلافة، أو يطالبهم علي (عليه السلام) بذلك بحكمة وأناة بعيدا عن أجواء العنف والقهر، واستعمال السيوف والسياط.

ولكن الحقيقة هي: أن هؤلاء كانوا يريدون الاستعجال بأخذ البيعة من علي (عليه السلام)، إذ أنهم سرعان ما سيظهر عدم صحة ما قالوه للناس، وأن عليا (عليه السلام) لم ينصرف عن هذا الأمر، فبماذا يجيبون الناس على سؤال: لقد بايعتم أمس عليا (عليه السلام) في يوم


/ صفحة 280 /

الغدير، ثم قلتم لنا: إنه قد استقال من هذا الأمر، وها قد ظهر خلاف ما ادعيتم، فكان أن أسرعوا إلى علي (عليه السلام) ليأخذوا البيعة منه بالقوة وبطريقة إرهابية، ليتلافوا أي حجاج أو احتجاج يحرجهم، ويفضح ما لا يحبون فضحه، كما أنهم بهذا الجو الإرهابي يظهرون عليا (عليه السلام) على أنه متمرد على الشرعية، وخارج على القانون.

فكان موقف الزهراء(ع) مفاجئا لهم فقد أفقدهم القدرة على التصرف المناسب وضيع عليهم ما جاؤا لأجله، فتصرفوا معها برعونة وبانفعال وحقد، وتسببت في فضح أمرهم، وهتم المستور من نواياهم وخباياهم، فأين هي التقوى التي يدعونها، وحب الخير الذي يزعمونه؟! وعرف الناس حقيقة ما أرادوه من وأد الفتنة، وإقامة شرع الله وأحكام الدين الذي يتذرعون به.

إن ما فعلوه مع الزهراء (عليها السلام)، قد أفقدهم القدرة على تلميع الصورة، وكان فتح الزهراء للباب ضربة موفقة محقت كل كيد وزيف، وأبطلت كل تزوير أو تحوير للوقائع والحقائق.

وكيف يمكن تحصين الأجيال من التزوير الإعلامي، الذي قد يمارسه الحكام بكل ما يملكون من طاقات وإمكانات سلطوية ومادية؟!.

لقد قتل المأمون أخاه الأمين، ثم صورة إعلامه أنه إنسان تافه، جاهل وأحمق، بل ومتخلف عقليا، ولم يزل الباحثون يعتقدون فيه نفس هذا الاعتقاد الذي أوحى به المأمون للناس، مع أن الحقيقة هي أنه كان على عكس ذلك تماما، لكن ذنبه: أنه هزم وقتل.

وإذا كنا نحن نملك معابيره تمكننا من اكتشاف كثير من الحقائق


/ صفحة 281 /

فيها يرتبط بما ينسبونه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليه السلام) وغيرهم، لتصديقنا بالقرآن الذي هو ميزان ومعيار، وكذلك الحال بالنسبة للرسول (صلى الله عليه وآله) ولأمور أخرى، فإن غيرنا ممن لا يدين بالإسلام، إذا أراد أن يكتشف الحقيقة من خلال دراسة الشواهد التاريخية المتوفرة لديه، فسيصعب عليه ذلك جدا.

لأنه إذا قرأ: أن هناك إنسانا يهتف النبي (صلى الله عليه وآله) باسمه، ويقول هو وليكم بعدي، ويهتف الخلق ولا سيما الأنصار باسمه(1)، ويقولون في السقيفة، لا نبايع إلا عليا (2)، وهو العالم الشجاع، القوي المجاهد، صاحب المواقف الكبرى، والتضحيات الجسام، وهو صهر النبي وربيبه، وابن عمه وحبيبه الخ...

وقرأ في المقابل: أن مناوئيه (عليه السلام) قد اغتنموا فرصة غيابه عن الساحة، واختصوا بالأمر لأنفسهم ثم جاؤا إلى بيته وطالبوه بأن يقر لهم بما اغتصبوه، ويسلم ويعترف لهم، ويخضع لما أرادوه..

ثم قرأ ثالثة: ما يدل على وجود شائعات راجت بين الناس تقول: إن صاحب هذا الأمر قد انصرف عنه، ولم يعد يطلبه لأسباب خاصة أو عامة.

قال المحقق القاضي نور الله التستري: " أوقع بعض المنحرفين عن علي في قلوب الناس أنه(ع) قد تقاعد عن تصدي الخلافة لشدة ما أصابه من مصيبة النبي (ص)، وسكن قعر بيته مشتغلا بالحزن والتعزية، فجاء خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقال لقومه من الأنصار ما سمعه من

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي: ج 6 ص 215، وإحقاق الحق: ج 2 ص 354 و 355 عن تحفة الأحباب للدشتكي.

(2) تاريخ الأمم والملوك: (ط دار المعارف) ج 3 ص 202. (*)


/ صفحة 282 /

حال علي(ع)، وذكر أنه لا بد ممن يلي هذا الأمر وليس سواه قرشي يليق بذلك.

فخاف الأنصار أن تشتد عليهم البلية، ويلي هذا الأمر قرشي فظ ينتقم منهم للثارات الجاهلية والأضغان البدرية، فتوجهوا إلى سعد بن عبادة سيد الأنصار وحضروا السقيفة ملتمسين منه قبول الخلافة، فأبى سعد ذلك لمكان علي(ع)، وأنه المنصوص بالخلافة عن الله تعالى ورسوله فلما سمع قريش بذلك ـ وكانوا منتهزين للفرصة ـ دلسوا في الأمر. وعجلوا في البيعة لأبي بكر إلخ...(1) ".

ثم قرأ رابعة: أن هذا الشخص قد ندم على إعراضه، واستيقظ فيه هاجس الطمع من جديد، فواجههم حين أتوه برفض طلبهم، وبالإعلان بالنكير عليهم، بل واجههم بالشتائم وبقواذع القول، وقوارص الكلام، بل أنبهم على هذه الخيانة العظيمة، وعلى هذا الجريمة الجسيمة.

ثم قرأ أيضا: أنهم قد قابلوا الشتيمة بمثلها، والشدة والعنف بمثله أيضا، حتى تفاقمت الأمور إلى درجة الصدام، والافتراق والالتحام، بفعل حدة الغضب.

فإنه أيضا سوف يقبل ويصدق ذلك، ويرى أمامه صورة مكتملة ومنسجمة، وسيقول في نفسه: إن الملك عقيم لما فيه من الجاه والمال والمناصب والمكاسب، ولما فيه الكرامة والقداسة. والكل يحب أن يحصل على حكم فيه كل هذا، وسيتذرع لذلك بالحجج والبراهين، ويحشد له الشواهد والدلائل، وقد يظلم ويعتدي ويزور الحقائق في سبيل ذلك.

ــــــــــــــــــــ

(1) إحقاق الحق: ج 2 ص 347 / 348. (*)


/ صفحة 283 /

إذن، فلن يستطيع هذا الشخص أن يكتشف الحقيقة، إذا عرض عليه ملك أو سلطان يتنازعه فريقان كل منهما يقول في ظروف كهذه: أنا المظلوم والمعتدى عليه، والآخر هو الظالم وهو المهاجم، لأن هذا الشخص ـ كما قلنا ـ لا يملك المعابير الكافية التي تمكنه من حصحصة الحق، وتمييزه عن الباطل.

وقد عبر بعض المستشرقين عن هذه الحقيقة المهمة، حينما قال: إنه لم يدرك مظلومية الإمام الحسين عليه السلام إلا من قتل طفله الرضيع، وهو كلام صحيح، أنه لا يملك مفتاحا يستطيع بواسطته أن يدخل إلى شخصية الإمام الحسين (عليه السلام)، ولا معيارا يعرفه الحق من الباطل في قضية الحسين (عليه السلام) إلا المعيار العاطفي والإنساني، أما نحن فلدينا القرآن، وكلام الرسول (صلى الله عليه وآله) ولدينا مثل وقيم، وحقائق، نقيس بها الأمور، ونعرف الحق من خلالها.

وهكذا يتضح: أنه لو كان علي عليه السلام هو الذي أجاب المهاجمين لضاع الحق لدى الكثيرين من الناس، وهو ما لم يكن علي (عليه السلام) ليقدم على التفريط به في أي ظرف، ولكانوا فعلوا ما أرادوه من اقتحام البيت، وغيره من أمور، وكانوا أعظم شراسة وأشد ضراوة، وأكثر عنفا وفتكا بأهله، ولوقع الناس في أعظم البلاء، حيث

تسد عليهم النافذة الوحيدة لمعرفة الحق خصوصا من كان منهم بعيدا عن أجواء المدينة، فضلا عن الأجيال اللاحقة، وإلى يومنا هذا، وهل كان يمكن اكتشاف المحق من البطل، والطامع، المتغلب، والمغتصب، المهاجم من المظلوم، والمضطهد، والمقهور، والمسلوب حقه، والمكذوب


/ صفحة 284 /

عليه بما راج آنئذ من شائعات وأباطيل؟

نعم، لو كان علي (عليه السلام) هو الذي أجاب المهاجمين لضاع الحق، ولطمست الحقيقة.

ولعل أحدا منا، أو فقل: لعل الكثيرين منا لم يكونوا يتشيعون له، ولا عرفوا حقه وصدقه، ولكان لنا حديث آخر مع هذا الإسلام العزيز.

وقد كان علي عليه السلام إماما للأولين والآخرين وهو مسؤول عن تحصين الأجيال إلى يوم القيامة في وجه التضليل والتزوير، ولا سيما فيما يمس عقائدهم، وعليه أن يمنحهم الفرصة الحقيقية لاكتشاف هذا التزوير في أي موقع كان، ومن أي كان.

لو أجابتهم فضة؟

وحتى لو أن فضة هي التي أجابتهم على الباب، فإن الأمر لا يختلف عما ذكرناه، لأن إجابتها لن تعرف الناس على حقيقة ما يكن أولئك القوم من حرص على هذا الأمر، وإصرار أكيد على ابتزاز وانتزاع الحق من صاحبه الشرعي، وقد كان بإمكانهم إزاحتها عن طريقتهم بأسلوب لن يكون له دور في جلاء الصورة، ولا في معرفة الحقيقة، إذ يمكن أن يتهموها هي بأنها قد واجهتهم بطريقة غير مؤدبة ولا أخلاقية.

ولم يكن لفضة ذلك المقام الرفيع الذي كان للزهراء عليها السلام، ولم يقل النبي (صلى الله عليه وآله) في حقها: إن الله يغضب لغضبها. أما الزهراء عليها السلام، فهي المرأة المعصومة والمطهرة بنص


/ صفحة 285 /

القرآن، وهي التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها.

فلولا الزهراء إذن، لطمست معالم الدين، ولحقق الحاقدون والمنافقون المتربصون بهذا الإسلام العزيز أغلى وأحلى أمنياتهم.

فالزهراء عليها السلام بخطواتها المعدودة تلك نحو الباب قد حصنت حق علي عليه السلام، وحفظت الإمامة ـ لا الخلافة فقط ـ من التجني والتزوير. ثم هي قد مكنت الناس حتى غير المسلمين من اكتشاف الحقيقة، سواء من عاش منهم في ذلك العصر، أو الذين جاؤا ويجيئون بعد ذلك.

والتأمل في التاريخ يعطينا: أن كل إمام له دور رئيس في حفظ أساس الإسلام إلى درجة أنه لولاه لضاع الدين ضياعا حقيقيا، فلولا تبليغ الإمامة يوم الغدير، ولولا صلح الإمام الحسن، ولولا استشهاد الإمام الحسين عليهما السلام. ولا غرو إذا قلنا أيضا: لولا موقف الزهراء هذا، الذي تعرضت فيه للأذى، وللضرب وإسقاط الجنين، لم يكن من هذا الإسلام إلا المظاهر والأسماء وإلا الأشكال والطقوس الجوفاء.

إستطراد، أو مثال وشاهد:

ونذكر هنا شاهدين اثنين، يدخلان في نطاق ما ذكرناه من مسؤولية النبي والإمام عن تحصين الأمة عن أن تقع فريسة التزوير الإعلامي هما:

الأول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد طلب في مرض موته أن يأتوه بكتف ودواة، ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده، رغم أنه كان


/ صفحة 286 /

قد نص على إمامة علي عليه السلام في كثير من المناسبات والمواقف قبل ذلك، ولا سيما في يوم الغدير، حيث أخذ له البيعة من الناس أيضا.

ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يحصن الأمة عن أن تقع فريسة التزوير، حتى لا يقال لها: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد عدل عن رأيه، وقد استجدت أمور، ونشأت ظروف اقتضت استبعاده عليه السلام عن هذا الأمر.

وقد أظهرت مبادرة النبي هذه حقيقة ما كان يكنه البعض في نفسه، وما كانوا يبيتونه تجاه هذه القضية بالذات، حين قيل ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسمع: إن النبي ليهجر، أو نحو ذلك. ولم يعد مجال للتعلل بأن صحابته صلى الله عليه وآله وسلم أتقياء مخلصون، يحترمون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويحرصون على تنفيذ أوامره، وكسب رضاه. فإن قولهم: إن النبي ليهجر، قد أظهر مدى جرأتهم على الرسول الكريم، فإذا كانت مطامعهم ومصالحهم تدعوهم إلى هذه الجرأة، وإذا كانوا يواجهون أعظم نبي

بهذا الأسلوب الجاف، فهل يتورعون عن ضرب النساء، وعن طمس الحقيقة في سبيل تحقيق أهدافهم؟!

الثاني: حمل الحسين عليه السلام معه النساء والأطفال إلى كربلاء حتى لا يدعي الحكام المجرمون إن اللصوص قتلوا الحسين، أو أنه تاه في الصحراء، فمات عطشا، كما جرى لدليلي مسلم بن عقيل، أو أن السباع قد افترسته أو ما إلى ذلك.

ثم يأتي هؤلاء المزورون، ويشيعون جنازته بالاحترام والتبجيل، مع إظهار مزيد من الحزن والأسى على فقده، ويخدعون الناس بذلك،


/ صفحة 287 /

ويؤكدون نهجهم الانحرافي والإجرامي.

ولأجل ذلك أيضا، خرج عليه السلام من مكة في يوم التروية، مع أن المفروض هو أن يتوجه في هذا اليوم إلى عرفات، مع العلم أن الحسين عليه السلام هو الوحيد الباقي من ذرية النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو الرمز، وهو الذي يراه الناس مسؤولا عن حفظ هذا الدين ورعايته، وتعليمهم أحكامه، فكيف يخرج ويتركهم، في يوم تبدأ فيه مراسم، شعيرة هي من أعظم شعائر الإسلام؟! فبدل أن يتوجه إلى عرفات يتوجه إلى جهة أخرى!!. إن ذلك سوف يصرف الانتباه، ويطرح الكثير من التساؤلات.

إنه يخرج من مكة إلى غير مكة، ومن قلب العالم الإسلامي النابض، الذي يحتضن أعظم المقدسات الإسلامية إلى بلد آخر لا مقدسات فيه، وهو يتركها في أيام الحج، لا في أيام العادية، وبالذات، في أول يوم من أيامه، والمفروض أن يكون هو أمير الناس، وقائدهم، ومرجعهم الذي يرجعون إليه، ليعلمهم مناسك حجهم، وأحكامه.

والحسين عليه السلام نفسه هو ذلك الشخص الذي تتمنى القلوب والعيون أن تراه، ولو مرة في العمر، فضلا عن السعادة الغامرة لكل مسلم بالتحدث إليه، والجلوس بقربه.

ثم إنه عليه السلام يعلن للناس جميعا: أن الله شاء أن يراه قتيلا، وعن النساء: إن شاء الله أن يراهن سبايا.

فهناك إذن جريمة، وهي غير عادية، إنها جريمة قتل لانسان عظيم، وفي ظروف غير عادية. إنها جريمة تستهدف أعظم إنسان على


/ صفحة 288 /

وجه الأرض، وقتله في حرب مدمرة، تقتل فيها الرجال كل الرجال من ذرية الرسول، وكل من معهم، وتسبى بنات الوحي وأهل بيت النبوة.

إذن، فلا بد أن يتساءل الناس عن هذا المجرم من هو، وعن موقفهم ومسؤولياتهم تجاه هذه الواقع الخطير والمرير.. ولسوف ينتظرون نبأ الجريمة بفارغ الصبر.

فخروج الحسين(ع) لم يكن لأجل دنيا وسلطان، ولا فرارا من خطر، ولا للإستجمام والنزهة، بل كان لمواجهة الخطر بأعظم مراتبه، ومواجهة التحدي.

والذين سمعوا من الحسين (عليه السلام) هذا القول، وواجهوا هذا الحدث، قد جاؤا من كل بقاع الإسلام، وربما من كل مدينة وقرية، ومن كل حي وشارع، سيرجعون بذكريات تلامس مشاعرهم وعواطفهم، وعقيدتهم، وتهز ضمائرهم، وتوقظ وجدانهم، وسيتحدثون لزوارهم عن هذه الذكريات التي لا تزال نابضة بالحياة، لأنها منذ بدايتها جعلتهم يعيشون حالة الترقب والانتظار.

وهذا ما سيضعف قدرة سلطات القهر والظلم على تزوير الحقيقة مهما حاولت ذلك، وستبقى الشكوك وعلامات الاستفهام الكبيرة تواجه ذلك التزوير بقوة، مهما كان خفيا وذكيا. فصلوات الله على الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

أيخافون من فتح الباب وهم مسلحون؟!

وثمة محاولة أخرى، يبذلها البعض لترجيح مقولة: إنه لا مبرر


/ صفحة 289 /

لأن تفتح الزهراء(ع) الباب دون غيرها ممن كانوا في داخل البيت، فهو يقول: "إذا جاؤا ليعتقلوك، فهو تقول لزوجتك: افتحي الباب، أم تبادر أنت إلى فتحه؟!".

والجماعة قد جاؤا ليعتقلوا عليا، فلماذا تفتح الزهراء(ع) الباب؟ خصوصا وأن الذين في داخل البيت كانوا مسلحين، فهم لا يخافون من المواجهة مع المهاجمين، وقد خرج الزبير مصلتا سيفه، فكسروا سيفه.

ويظهر أن هذا الإشكال مأخوذ من الفضل بن روزبهان، الذي قال:

"إن عيون بني هاشم، وأشراف بني عبد مناف، وصناديد قريش، كانوا مع علي. وهم كانوا في البيت، وعندهم السيوف اليمانية، وإذا بلغ أمرهم إلى أن يحرقوا من في البيت، أتراهم طرحوا الغيرة وتركوا الحمية رأسا، ولم يخرجوا بالسيوف المسلمة فيقتلوا من قصد إحراقهم بالنار"؟(1).

والجواب:

أولا: إنني أعتقد أن ما ذكرناه في الإجابة على السؤال السابق يكفي لبيان ضرورة أن تجيب الزهراء على الباب.

فإن القضية ليست هي مجرد منع المهاجمين من اعتقال علي (عليه السلام)، بل القضية هي أن مواجهة علي عليه السلام لهم سوف تتسبب بتضييع الحق، وإعطائهم الفرصة لتحقيق مآربهم في تزوير الحقيقة والتاريخ..

ــــــــــــــــــــ

(1) إبطال نهج الباطل (مطبوع مع دلائل الصدق): ج 3 ص 46. (*)


/ صفحة 290 /

وقد كان إظهار هؤلاء القوم على حقيقتهم، وتعريف الناس بأنهم هم المعتدون والظالمون، منحصرا في أن تجيبهم الزهراء عليها السلام، دون سواها حتى ولا فضة، أو غيرها من بني هاشم.

وليلاحظ: أنه رغم وضوح هذا الأمر، فإن البعض يعبر بكلمات لا تتناسب مع هذه الحقيقة، مثل قوله " إعتقال علي ". وستأتي عبارات أخرى له من قبيل: " إخضاع المعارضة " و " مواجهة التمرد "، وما إلى ذلك.

وكأنهم يرون أن قعود علي(ع) في بيته، وإجابة الزهراء لهم إنما كان خوفا من الاعتقال، لا أنه خطة تهدف إلى إفساد ما كان المهاجمون يريدون تحقيقه في محاولتهم تلك، وقد نجحا عليهما السلام في ذلك أيما نجاح رغم كل ما تعرضا له.

وثانيا: لقد كان من الواضح: أن مواجهة المهاجمين بالسيف وبالعنف كان هو مطلوب المهاجمين، وهو يخدم مصالحهم بدرجة كبيرة، وهو ما كان يتحاشاه علي صلوات الله وسلامه عليه، وقد نهاه عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا.

وقد اعترف المستدل بأنه: " قيدته وصيته من أخيه " بعدم استعمال السيف والعنف في أمر الخلافة..

فما معنى توقعه ذلك منه عليه السلام؟

فهل يريد منه مخالفة أمر النبي (صلى الله عليه وآله)، والاستسلام للفخ المنصوب له، ليضيع على الأمة فرصة معرفة الحق؟!

وثالثا: إن عدم الإستجابة إلى دعوة العنف لا يعني أن لا يتخذ


/ صفحة 291 /

أولئك المعتدى عليهم الاحتياطات اللازمة للدفاع عن أنفسهم، لو أريد بهم شر وأذى، فإن عدم طلب الخلافة بالسيف شئ، والذب عن النفس حينما يراد سفك دمائهم شئ آخر..

وأما ما فعله الزبير، فإنما صدر منه حين أخذوا عليا عليه السلام، فلم يحتمل الزبير ذلك، فحاول أن يهاجمهم لتخليص علي (عليه السلام)، فرماه خالد بصخرة، فأصابت قفاه، وسقط السيف من يده، فأخذه عمر، وضربه على صخرة فانكسر(1).

وذكر في نص آخر: مجئ عمر في جماعة، ثم قال: فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف، فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (2).

ألا يدافع علي(ع) عن وديعة الرسول (ص)؟:

قد يتساءل البعض فيقول:

إذا كانت الزهراء(ع) وديعة رسول الله (ص) عند علي(ع) فكيف لم يدافع عنها؟! ألا يجب حفظ الوديعة؟!

والجواب:

أولا: إن الجواب السابق يكفي هنا، فإن دين الله كان أعظم وديعة من قبل الله ورسوله عند علي عليه الصلاة والسلام. ولا بد من حفظ هذه الوديعة، على أن هذه الوديعة نفسها ـ أعني الزهراء ـ لم

ــــــــــــــــــــ

(1) الاختصاص: ص 186 / 187، والبحار ج 28، ص 229 ح 15.

(2) تاريخ الأمم والملوك: ج 3 ص 202. (*)


/ صفحة 292 /

تتوان لحظة في الدفاع بنفسها، وبكل ما تملك وتستطيع عن الوديعة الأخرى، أعني دين الله سبحانه وتعالى.

ثانيا: إن عليا(ع) لم يفعل ما يتنافى مع حفظ الوديعة، والزهراء(ع) قد قامت بواجبها، وعملت بتكليفها، والمهاجمون هم الذين خالفوا حكم الله، واعتدوا على وديعة رسول الله (ص)، فالخطاب بحفظ الوديعة موجه إليهم بالدرجة الأولى.

أما القول بأن ترك علي(ع) لها لتواجه هي التحدي وحدها، يعتبر تفريطا منه عليه السلام بها...

فليس صحيحا بل هو من سخف القول، لأن تكليفها هي أن تواجه وتدافع عن الإمامة، وقد قامت بذلك.

وتكليفه هو أن لا يعطيهم شرعية، ولا مبررا لتمرير مخططهم، وأن يحفظ للناس فرصة تمييز الحق من الباطل، ثم أن لا يعطيهم فرصة الاعتداء على الزهراء(ع) ولا يمكنهم من تلميع صورتهم، وتخفيف بشاعة ما ارتكبوه واقترفوه ثم تمريرهم ذلك على الناس بدهاء.

وتكليف المهاجمين هو إرجاع الحق إلى نصابه، وأن لا يعرضوا أنفسهم لغضب الزهراء(ع)، ومن ثم لغضب الله ورسوله.

وقد قام علي والزهراء عليهما سلام الله بما يجب عليهما خير قيام، ولم يكن بالإمكان فعل ما هو أفضل من ذلك.

ومن يعمل بواجبه الشرعي لا يمكن أن يعتبر مفرطا بالوديعة، ومخالفا للحكم الشرعي، بل التفريط إنما جاء من قبل الآخرين.


/ صفحة 293 /

هل ضرب الزهراء(ع) مسألة شخصية؟!

ويتابع البعض اعتراضاته، فيقول:

إن كنتم تقولون: إن عليا لم يدافع عن الزهراء، بسبب وصية النبي (ص) له حيث " قيدته وصية من أخيه ".

فإننا نقول لكم: إنما أوصاه النبي (ص) أن لا يفتح معركة من أجل الخلافة، ولم يقل له: لا تدافع عن زوجتك. وضرب الزهراء لا علاقة له بالخلافة، لأنها مسألة شخصية، كما أن الزهراء نفسها لا علاقة لها بالخلافة، أما مسألة الخلافة فهي تتعلق بالواقع الإسلامي كله.

والجواب:

إننا قبل الإجابة على ما تقدم نسجل ملاحظة هنا مفادها:

أن مسألة الزهراء مع القول هي مسألة الإمامة، ثم الخلافة، لأن هؤلاء إنما ينصبون أنفسهم أئمة للناس، والإمامة مقام إلهي جعله الله لغيرهم، والخلافة هي أحد شؤون الإمامة، والدليل على ما نقول: هو محاولتهم تخصيص أنفسهم بحق التشريع، بل يقول أحدهما حينما عوتب على بعض تشريعاته: أنا زميل محمد(1). وقد ذكرنا بعض ما يتعلق بهذا الأمر في كتابنا الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام، فراجع.

ــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الأمم والملوك: ج 3 ص 291 (ط الاستقامة) والفائق: ج 2 ص 11. (*)


/ صفحة 294 /

وبعد هذا الذي أشرنا إليه نقول:

أولا: إن القوم إنما جاؤا إلى بيت الزهراء(ع) من أجل إجبار أمير المؤمنين عليه السلام عليه البيعة لهم، لكي تثبت خلافتهم، ويتأكد استئثارهم بها دونه عليه السلام، والزهراء تريد منعهم من تحقيق هذا الأمر بالذات، وكذلك علي عليه السلام، فكان القوم يريدون إزاحة الزهراء(ع) من طريقهم ليمكنهم جبار علي () على البيعة.

إذن فهذه معركة يخوضها أعداء علي(ع) ضده من أجل الخلافة، وقد أوصاه الرسول (ص) أن لا يخوض معركة من أجل الخلافة(1) باعتراف نفس المعترض، فما معنى قوله: إن الزهراء وضربها لا علاقة له بالخلافة؟ بل الحقيقة هي: أن قضية الزهراء وما جرى عليها يتعلق بالواقع الإسلامي كله.

وهل يظن هذا القائل أن مطالبتها عليها السلام بفدك أيضا كانت من أجل أن تستفيد منها في إنعاش حياتها المعيشية؟ مع أن من الواضح أن حياتها عليها السلام بقيت على حالها قبل ذلك، ومعها، وبعدها، فهي لم تبن بأموال فدك قصرا، ولا تزينت بالذهب والفضة، ولا استحدثت فرش بيتها، ولا اقتنت التحف، ولا ادخرت شيئا

ــــــــــــــــــــ

(1) ذكر المفيد: أن عليا نقل عن النبي (ص) قوله له: " إن تموا عشرين فجاهدهم " الاختصاص: ص 187. وراجع: البحار: ج 28 ص 229 / 313 / 270 وفيه: " لو وجدت أربعين ذوي عزم لجاهدتهم "، وتفسير العياشي: ج 2 ص 68، وتفسير البرهان: ج 2 ص 93، وراجع الصراط المستقيم: ج 3 ص 12، والاحتجاج: ج 1 ص 188 و 213 والمسترشد في إمامة علي(ع): ص 63، وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري): ج 2 ص 568، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم: ج 2 ص 27. (*)


/ صفحة 295 /

للمستقبل، ولا اشترت البساتين والعقارات، والمراكب الفارهة، كما فعل أو يفعل الآخرون، بل كانت غلة فدك تصرف في سبيل الله، وعلى الفقراء والمساكين.

مسألة فدك سياسية:

ومما يدل على أن مسألة فدك كانت سياسية تلك المحاورة التي جرت بين الإمام الكاظم عليه السلام وبين الرشيد، فقد كان الرشيد يقول لموسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام: يا أبا الحسن خذ فدك حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألح عليه، فقال: لا آخذها إلا بحدودها.

قال: وما حدودها؟

قال: يا أمير المؤمنين، إن حددتها لم تردها.

قال: بحق جدك إلا فعلت؟

قال: أما الحد الأول فعدن.

فتغير وجه الرشيد وقال: هيه.

قال: والحد الثاني سمرقند.

فأربد وجهه.

قال: والحد الثالث أفريقية.

فاسود وجهه وقال: هيه.

قال: والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية.


/ صفحة 296 /

قال الرشيد: فلم يبق لنا شئ فتحول في مجلسي.

قال الكاظم(ع): قد أعلمتك أن إن حددتها لم تردها.

فعند ذلك عزم على قتله، واستكفى أمره يحيى بن خالد.. الخ..(1).

أجل، لقد بقيت الزهراء(ع) تلك العابدة الزاهدة، التي تبيت مع زوجها على جلد كبش كانا يعلفان عليه الناضح بالنهار(2).

ولأجل ذلك فنحن لا نوافق على ما يقال: من أنها قد خاطبت عليا بالكلام الذي يتضمن جرأتها عليه(ع) بمواجهته بنوع من التأنيب بأنه: اشتمل شملة الجنين، وقعد حجرة الضنين، إلى أن تقول له فيه: " وهذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي، وبلغة ابني (3) ".

إلا أن يكون للرواية معنى آخر، لم تصل إليه أفهامنا، أو كان ثمة قرينة لم تصلنا. أو لم يحسن الناس نقل كلامها إلينا. فنحن مع وجود احتمال من هذا النوع لا نجرؤ على تكذيب الخبر بصورة قاطعة، كما ربما يظهر من كلام بعضهم.

المهم هو: أننا لا يمكن أن نتصور الزهراء عليها السلام تفكر بهذه الطريقة الشخصية الدنيوية، وهي التي عوضها رسول الله (ص) عن خادم بتسبيح خلده تشريعا إلى يوم القيامة وعرف باسمها، أعني "تسبيح الزهراء".

ــــــــــــــــــــ

(1) راجع: ربيع الأبرار: ج 1 ص 315 و 316، والطرائف: ص 252، وراجع: الكافي: ج 1 ص 543، والبحار: ج 48 ص 144.

(2) راجع: تذكرة الخواص ص 308 و 307، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 22 و 23.

(3) البحار: ج 43 ص 148 ح 4، عن المناقب: ج 2 / 208، وضياء العالمين (مخطوط): ج 2 ق 3 ص 77. (*)


/ صفحة 297 /

وأن قسوة الخطاب في هذا الكلام يعطينا أنها لم تكن تعرف أن عليا(ع) كان مصيبا في كل مواقفه تلك، مع أن الزهراء هي أعرف الناس بأن عليا عليه السلام مع الحق والحق معه، يدور معه حيث دار، وأنه لو فعل غير ذلك لطمست معالم الدين.

وإذا كانت هذه الحقيقة تتضح لكل دارس لتاريخ الإسلام، فيرد سؤال: كيف أمكننا نحن أن نفهم ذلك بعد ألف وأربعمئة سنة، لكن الزهراء المعصومة العالمة، وسيدة نساء العالمين، التي كانت القمة في الوعي الديني والعقيدي والاجتماعي والسياسي، لم تستطع أن تعرف ذلك؟!

إن مواقف الزهراء(ع) في حياتها وبعد وفاتها تكشف لكل أحد عن غزارة علمها، وعن عمق وصائب تفكيرها، وعن بالغ دقتها في تصرفاتها ومواقفها المؤثرة.

وخلاصة الأمر:

أولا: إن الزهراء لا تعتبر ضربها ولا تعتبر أيضا مسألة فدك مسألة شخصية، ولم تكن إجابتها القوم من وراء الباب تصرفا شخصيا، بل كان دفاعا عن الإمامة والخلافة، التي يراد اغتصابها، وتريد هي منع تشريع هذا الاغتصاب، ثم التخلص والتملص من تبعات سلبياته.

ثانيا: إن الإقدام على ما أقدموا عليه في حق الزهراء(ع)، وعلى القول للنبي (ص) وهو في مرض موته: إن النبي ليهجر، وعلى غير ذلك من أمور من أجل الحصول على أخطر موقع، وأشده حساسية،


/ صفحة 298 /

وأكثره مساسا بالواقع الإسلامي كله، إن ذلك يعطينا: أن من يفعل ذلك غير مؤهل للموقع الذي يطلبه، ويعرفنا: أنه لا يمثل النموذج الأمثل، والأفضل للحاكم الإسلامي، ولا تعكس مواقفه أو تصرفاته، الرؤية الإسلامية الدقيقة في كل المسائل.

إذن فمسألة الزهراء هي أهم وأخطر المسائل وأشدها مساسا بالواقع الإسلامي، ولم تكن ولن تكون مسألة شخصية، واعتبارها كذلك ما هو إلا تصغير لشأنها، وتحريف وتزوير للحقيقة.

ثالثا: إن مما يشير إلى ذلك: أن الله سبحانه قد جعل الزهراء(ع) معيارا لمعرفة الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، وبها يعرف الظالم والآثم من غيره، وذلك لأن رسول الله (ص) قد قرر بصورة صريحة: أن الله يغضب لغضبها عليها السلام، ويرضى لرضاها، ومن آذاها فقد آذى النبي، ومن آذى النبي فقد آذى الله سبحانه.

فنوع العلاقة بالزهراء إذن، تحدد نوع علاقة الإنسان بالله، وبالرسول، وبكل القيم والمثل، وعلى أساس ذلك يميز الإنسان بين ما يأخذ وما يدع، ويتخذ موقفه، ويحدد نوع علاقته بهذا الشخص أو بذاك.

على الحاضرين أن ينجدوا الزهراء:

قد يقول البعض:

سلمنا أنه قد كان على الزهراء عليها السلام أن تتولى هي إجابة القوم، ولكن: كيف يسمع الجالسون في داخل البيت كعلي والزبير وغيرهم من بني هاشم ما يجري عليها ثم لا ينجدونها، بل يقعدون، ويقولون لا حول ولا قوة إلا بالله؟!


/ صفحة 299 /

ونقول:

أولا: من أين ثبت لهذا القائل أنهم لم ينجدوها؟! فإن النجدة لا تعني فتح معركة بالسلاح، والدخول في حرب.

ثانيا: هناك نص يفيد أنها هي التي أنجدت عليا حين أخذوه، فاعتدوا عليها بالضرب، يقول النص: " فحالت فاطمة عليها السلام بين زوجها وبينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط الخ... "، ثم تذكر الرواية، كسر ضلعها، وإسقاط جنينها صلوات الله وسلامه عليها(1).

وثالثا: إذا كان إنجادها يوجب تفاقم المشكلة إلى درجة كان النبي (ص) قد نهى عليا عليه السلام عن بلوغها، لما في ذلك من خطر على الدين، فإن هذا الإنجاد يصبح معصية لأمر رسول (ص)، وخيانة للدين، وتفريطا عظيما فيما لا يجوز التفريط به من مصلحة الأمة، وعلى الأخص، إذا كان ذلك يهيئ الفرصة للمهاجمين لافتعال مشكلة تضيع على الناس إمكانية معرفة الحق.

وقد كان من واجب علي والزهراء عليهما السلام ـ على حد سواء ـ أن يحفظا للأمة، وللأجيال، حقها في معرفة الحقيقة، وأن يضيعا على الآخرين فرصة تشويه الحقائق، وذلك هو ما فعله علي عليه السلام بالفعل، وهو الإمام المعصوم الذي لا يهم ولا يخطئ.

ورابعا: هناك نص يقول: إن عليا عليه السلام قد بادر إلى إنجادها ففر المهاجمون، ولم يواجهوه، يقول النص المروي عن عمر،

ــــــــــــــــــــ

(1) الاحتجاج: ج 1 ص 212. (*)


/ صفحة 300 /

والمتضمن كون عمر ركل الباب برجله، وأصيب حمل فاطمة: دخل عمر، وبادرها بضرب خديها من ظاهر الخمار ف‍ " خرج علي، فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار، وقلت لخالد، وقنفذ ومن معهما: نجوت من أمر عظيم ".

وفي رواية أخرى: قد جنيت جناية عظيمة، لا آمن على نفسي. وهذا علي قد برز من البيت، وما لي ولكم جميعا به طاقة، فخرج علي، وقد ضربت يديها إلى ناصيتها لتكشف عنها، وتستغيث بالله العظيم ما نزل بها الخ(1).

وستأتي نصوص أخرى عن مصادر أخرى في القسم المخصص للنصوص إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار: ج 30 ص 393 و 395. (*)


الفصل الثامن
مـن هـنـا وهـنـاك

/ صفحة 303 /

هل كان لبيوت المدينة أبواب:

ينقل البعض عن أستاذ لمادة التاريخ في جامعة دمشق(1): أنه يقول:

لم يكن لبيوت المدينة في عهد الرسول أو بعده، أبواب ذات مصاريع خشبية، بل كان هناك ستائر فقط توضع على الأبواب.

ثم قال: أنا ناقشته: لكن هو لديه دليل!

ثم يعقب ناقل هذا القول على ذلك بقوله:

فكيف عصرت الزهراء إذن بين الباب والحائط؟ وكيف اشتعلت النار في خشب الباب؟!

ثم استدل هذا الناقل بأمرين مؤيدا بهما صحة هذا القول، وهما:

الأول: إن النبي (ص) رجع من بعض أسفاره، فجاء إلى بيت فاطمة فوجد على بابه كساء كان قد أهداه إليها علي عليه السلام فرجع (ص)، فعرفت فاطمة(ع) سبب رجوعه، فأعطت الكساء

ــــــــــــــــــــ

(1) وقال هذا البعض: إن هذا الأستاذ هو الدكتور سهيل زكار. (*)


/ صفحة 304 /

للحسن والحسين، ليوصلاه إلى أبيها، ليصنع (ص) به ما يشاء. فقال (ص): فداها أبوها. فذلك يدل على أن الأبواب كان لها ستائر فقط.

الثاني: إنهم يذكرون في قصة زنا المغيرة بن شعبة: أن الشهود إنما رأوه يزني حين رفع الهواء ستر باب البيت، لا أنهم قد دخلوا عليه البيت فرأوه على ذلك الحال الشنيع، وهذا يدل على أن الأبواب كانت لها ستائر، لا مصاريع خشبية.

والجواب:

أولا: إن هذا البعض يحيل على أستاذ تاريخ في جامعة دمشق دعوى: أنه لم يكن لبيوت المدينة أبواب في عهد رسول الله (ص)، وقال: إنه ناقشه لكن هذا الرجل عنده دليل.

ونحن نقول لهذا البعض:

هل فندت دليله، أم اقتنعت به؟

فإن كنت قد فندته، فكيف، وبأية طريقة؟!

وإن كنت قد قبلته، كما هو ظاهر استدلالك له، فلماذا لا تجهر بذلك، وتحيل على غيرك؟!

ثانيا: لعل دعوى: أنه لم يكن في المدينة أبواب مجرد مزحة (!!) أريد بها مداعبة إخوان الصفاء، وتطرية الأجواء بعد الصد والجفا!!

وهذه المزحة (!!) هي التي دعتنا إلى المبادرة إلى جمع عشرات أو مئات النصوص الدالة على أنه قد كان لمداخل بيوت المدينة المنورة في عهد رسول الله وبعده أبواب ذات مصاريع تفتح وتغلق، وتكسر وتحرق، وتقفل وتطرق.


/ صفحة 305 /