متفرقــــــــات

 

ما هو رأي الشيخ كاشف الغطاء قدس في كسر الضلع الشريف ؟


قد استدل البعض، بإجابة العالم العلم الحجة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ـ الذي وصفه بأنه من المفكرين ـ على سؤال حول هذا الموضوع، معتبرا أن كلام كاشف الغطاء يثبت عدم صحة ما يقال من كسر ضلع الزهراء عليها السلام، بسبب ضرب المهاجمين لها، كما أن ذلك ينفي ما يقال من دخولهم بيتها، وضربها وما لحق أو سبق ذلك من أحداث.

وما استدل به كاشف الغطاء هو ما يلي:

1 ـ قال رحمه الله
: " أنا لا أبرئ هؤلاء القوم، لكن ضرب المرأة كان في ذلك الزمان عيبا، فمن يضرب امرأة يصبح ذلك عارا عليه وعلى عقبه، ففي نهج البلاغة عن علي عليه السلام: .. ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى، والأنفس، والعقول، إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر، أو الهراوة، فيعير بها وعقبه من بعده (1) "..


2 ـ وقال رحمه الله: " ولكن قضية الزهراء، ولطم خدها مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية، والتقاليد الجاهلية التي ركزتها إلخ..(2) ".

3 ـ ثم اعتبر أنهم لو فعلوا ذلك لوجدوا من الصحابة، من يمنعهم ويردعهم عن ذلك.

4 ـ واستدل أيضا بأنها عليها السلام ما ذكرت أنهم قد اعتدوا عليها بالضرب، أو أسقطوا جنينها، ولا أشارت إليه في شئ من خطبها ومقالاتها المتضمنة لتظلمها من القوم، وسوء صنيعهم معها،

مثل خطبتها في المسجد، بحضور المهاجرين والأنصار " مع أنها كانت ثائرة متأثرة أشد التأثر ".

وقد خاطبت عليا(ع) بأن فلانا " يبتزني نحلة أبي، وبلغة ابني "، ولم تقل: إنه أو صاحبه قد ضربني.

وكذلك الحال حين كلمت نساء المهاجرين والأنصار، حيث بدأت كلامها بقولها: أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن الخ... فلم تشك إلا من غصب فدك، وغصب الخلافة، مع أن ضربها، ولطم خدها، وكسر ضلعها، ونبات المسمار في صدرها، ـ لو صح ـ أعظم من غصب فدك.

كما أنها حين جاء أبو بكر وعمر، واستأذنا عليا، ودخلا عليها لاسترضائها لم تذكر لهما شيئا مما يقال إنه قد جرى عليها.

وعلي أمير المؤمنين عليه السلام أيضا لم يشر إلى ذلك في شئ من خطبه ومقالاته. وقد هاجت أشجانه بعد دفنها، وخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: السلام عليك يا رسول الله، عني، وعن ابنتك النازلة في جوارك... إلخ.. وقد كان المقام يقتضي ذكر ذلك، لو أنه قد كان، لأنه حجة قوية عليهم، وفيه إثارة عاطفية ضدهم من جميع الجهات(3).

ثم اعتبر رحمه الله أن هذا الأمر إنما صدر عن قنفذ الوردي دون سواه.

هذا، ما ذكره كاشف الغطاء، وتمسك به وأعاده بعض من يريد التشكيك، وإثارة غبار الريب حول هذه القضية.

ونقول في الجواب:

إن كلام الشيخ كاشف الغطاء، الذي استفاد منه هذا البعض للتشكيك بما جرى على الزهراء، يتضمن العديد من النقاط، نذكرها على النحو التالي:

1 ـ كاشف الغطاء لا ينكر ما جرى:
إننا على الرغم من أننا نعتقد أن كاشف الغطاء لا ينكر ما جرى على الزهراء من أحداث وبلايا فإننا نقول:
أولا: إنه رحمه الله، وإن كان عالما مبرزا، لكن ذلك لا يجعله في مأمن من الوقوع في الخطأ والاشتباه، لا سيما في أمر يحتاج إلى مزيد من التتبع للآثار والنصوص في مصادرها، وقد رأيناه حين ذكر رأيه في مسألة الهجوم على بيت الزهراء عليها السلام، وضربها وإسقاط جنينها، قد ذكر ما استند إليه، واعتمد عليه. فالعمدة هو ذلك الدليل، فلا بد من النظر فيه ومحاكمته، فقد لا يكون صحيحا..

وكونه من الإمامية لا يجعله في منأى عن النقد العلمي والموضوعي لآرائه، ولما يستدل به.

ثانيا: لعل الشيخ كاشف الغطاء يخاطب أولئك الذين يقدسون هؤلاء المهاجمين، ويرون فيهم معيار الحق وميزان الصدق، فأراد إفهامهم حقيقة الأمر، دون أن يثير حفيظتهم وعصبياتهم، ولذا نراه يظهر استبعاده لحصول هذا الأمر، ثم يلقي التبعة على شخص لا حساسية لهم منه، ولا قداسة كبيرة له في نفوسهم، وهو قنفذ العدوي.

ويؤيد هذا المعنى أنه رحمه الله إنما كتب ذلك جوابا على سؤال ورد إليه، فهو قد راعى حال السائل، أو الحالة العامة التي لا يريد أن يثير فيها ما يهيج أو يثير، لا سيما مع ما ظهر من اهتمامه الكبير بأمر الوحدة فيما بين المسلمين.

ثالثا: إننا نجد هذا العالم الجليل بالذات يصرح بحقيقة رأيه حينما لا يكون ثمة مبرر للمجاراة، والمداراة، حيث لا يكون خطابه موجها إلى أولئك الذين يفترض فيه أن لا يجرح عواطفهم، فتراه رحمه الله يجهر منددا بإسقاط المحسن، وبإضرام النار بباب فاطمة عليها الصلاة والسلام، فهو يقول:

وفي الطفوف سقوط السبط منجدلا * من سقط محسن خلف الباب منهجه

وبـالخيام ضرام النار مـن حطب * بباب دار ابنة الهادي تأججه(4)

رابعا: هو نفسه رحمه الله يذكر أن هناك إجماعا على هذا الأمر، وقد تقدم شئ من عبارته حول ذلك، ونحن نعيدها كاملة هنا مرة أخرى، وهي التالية:

" طفحت واستفاضت كتب الشيعة، من صدر الإسلام والقرن الأول، مثل كتاب سليم بن قيس، ومن بعده إلى القرن الحادي عشر وما بعده بل وإلى يومنا هذا، كل كتب الشيعة التي عنيت بأحوال الأئمة، وأبيهم الآية الكبرى، وأمهم الصديقة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين، وكل من ترجم لهم، وألف كتابا فيهم، وأطبقت كلمتهم تقريبا أو تحقيقا في ذكر مصائب تلك البضعة الطاهرة، أنها بعد رحلة أبيها المصطفى (ص) ضرب الظالمون وجهها، ولطموا خدها، حتى احمرت عينها وتناثر قرطها، وعصرت بالباب حتى كسر ضلعها، وأسقطت جنينها، وماتت وفي عضدها كالدملج.

ثم أخذ شعراء أهل البيت سلام الله عليهم هذه القضايا والرزايا ونظموها في أشعارهم ومراثيهم، وأرسلوها إرسال المسلمات: من الكميت والسيد الحميري، ودعبل الخزاعي، والنميري، والسلامي، وديك الجن، ومن بعدهم، ومن قبلهم إلى هذا العصر.

وتوسع أعاظم شعراء الشيعة في القرن الثالث عشر، والرابع عشر، الذي نحن فيه، كالخطي، والكعبي، والكوازين، وآل السيد مهدي الحليين، وغيرهم ممن يعسر تعدادهم، ويفوق الحصر جمعهم وآحادهم.

وكل تلك الفجائع والفظائع، وإن كانت في غاية الفظاعة والشناعة، ومن موجبات الوحشة والدهشة، ولكن يمكن للعقل أن يجوزها، وللأذهان والوجدان أن تستسيغها، وللأفكار أن تقبلها، وتهضمها، ولا سيما وأن القوم قد اقترفوا في قضية الخلافة، وغصب المنصب الإلهي من أهله ما يعد أعظم وأفظع(5) ".

2 ـ ضرب النساء:
إن ما اعتبره رحمه الله مبررا لاستبعاد ضرب العربي للمرأة لا يصلح للتبرير، وذلك:

أولا: لأن كلمة أمير المؤمنين عليه السلام عن العار في ضرب المرأة لا يعني استحالة صدور هذا الأمر منهم، إذا كان ثمة داع أقوى، يدفع إلى ارتكاب أفظع الجرائم، وهتك أعظم الحرمات.

ولا سيما إذا كان هذا الداعي هو شهوة الحكم والسلطة، وخصوصا إذا كانت الحكومة تستطيع بعد توطيدها أن تمحو العار بما تفرضه من هيبة، وبما تملك من مال وجاه، وحيث تعنو لها الرقاب خوفا أو طمعا، ثم بما يحيط المتصدي لمقام خلافة النبوة من شعور بالتقديس، والاحترام من منطلق التدين والإيمان لدى عامة الناس.

ومن جهة أخرى: قد كان ولا يزال وأد البنات عارا؟! وكان ولا يزال قتل الابن والأخ من أجل الدنيا عارا؟ وقد قتلت الخيزران ولدها من أجل الملك كما يزعمون، وقتل المأمون أخاه. وعرفت عنهم مقولة: الملك عقيم لا رحم له(6).

ولو كان ثمة تقيد بعدم صدور القبيح منهم لما قالوا للنبي (ص)، وهو يسمع: إن النبي ليهجر، مع أن الوازع الديني يفترض أن يكون أقوى من وازع التقاليد والعادات.

بالإضافة إلى أن إطلاق هذه الكلمة بحق النبي أدعى للصوق العار الأبدي بهم، وهو أعظم من تجرئهم على امرأة بالضرب، أو باجتياح بيتها، أو بإسماعها قواذع القول، وعوار الكلام.

وخلاصة الأمر: إذا كان ثمة شخص يخاف من العار فلا بد أن يخاف منه في كل شؤونه وحالاته، أما أن يخاف من العار هنا، ولا يخاف منه هناك كما في جرأته على رسول الله (ص) فذلك غير واضح ولا مقبول..

بل إن جرأته على العار في مورد تجعلنا نتريث في تكذيب ما ينسب إليه منه في مورد آخر، فكيف إذا كان ذلك ثابتا بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة.

وهل يسع هذا المشكك إنكار تهديدهم للزهراء عليها السلام بإحراق الدار عليها وعلى أولادها؟ فهل هذا الأمر ليس عارا على من هدد به؟! وهل يمكن أن يكون ضربها على خدها هو العار فقط دون سواه؟!.

ثانيا: إن هذا البعض الذي يستدل بكلام كاشف الغطاء، هو نفسه يضع علامات استفهام كبيرة حول صحة النصوص الواردة في نهج البلاغة، وفي غيره، إذا كانت تشير إلى أي ضعف في شخصية المرأة، وقد تحدث هذا النص المستشهد به عن هذا الضعف، فهو يقول: " فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول ".

وقد شكك هو نفسه في صحة خصوص هذا النص أكثر من مرة!! فكيف يستدل هنا بأمر يرفضه جملة وتفصيلا في مقام آخر؟!.

ثالثا: لقد ضربت بنات رسول الله (ص) بالسياط في يوم كربلاء حين وجد الحقد الأسود الذي أعمى بصائرهم وأبصارهم، وصدهم عن التفكير بما يترتب على ذلك من عار في الدنيا، ومن التعرض لغضب الجبار في الدنيا والآخرة..

وهناك شواهد تاريخية كثيرة تؤكد: أنه إذا وجد دافع أقوى من دافع دفع العار، فإنهم لا يتورعون عن قبول هذا العار.

ونحن نذكر من الشواهد ما يلي:

1 ـ لقد كان أحدهم يدفن ابنته في التراب، وهي حية، مخافة أن تأكل من طعامه، وقد قال تعالى: {وإذا الموؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت}(7).

2 ـ إن هذا القائل نفسه يذكر: إن ابن زياد لعنه الله هم بأن يبطش بالسيدة زينب، حينما خاطبته بما أثار حفيظته، فتدخل عمرو بن حريث، وصده عن ذلك بقوله: إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها (8).

3 ـ بل لقد ذكر هذا المستدل بكلام كاشف الغطاء: إن زينب (ع) قد جلدت بالسياط وكذلك غيرها من بنات الوحي(9) صلوات الله وسلامه عليهم، فراجع كتبه ومؤلفاته وخطاباته.

4 ـ وقد قتلت سمية والدة عمار تحت وطأة التعذيب في مكة، من قبل " فرعون قريش " أبي جهل لعنه الله، فكانت أول شهيدة في الإسلام (10).

5 ـ وكان عمر نفسه يعذب جارية بني مؤمل أيضا، فكان يضربها حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا ملالة (11). وعذبت أيضا أم شريك رحمها الله، فلماذا لم يكن خوف لحوق العار به عائقا له عن اقتراف هذا الأمر الموجب للعار.

6 ـ وتحدثنا كتب الحديث والتاريخ: أنه لما مات عثمان بن مظعون بكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله (ص) يده، وقال: مهلا يا عمر، دعهن يبكين الخ (12).

7 ـ ثم ضرب عمر النساء اللواتي بكين على أبي بكر، حتى قال المعتزلي: " أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبي قحافة، مات أبو بكر فناح النساء عليه، وفيهن أخته أم فروة، فنهاهن عمر مرارا وهن يعادون، فأخرج أم فروة من بينهن، وعلاها بالدرة، فهربن وتفرقن(13). وذكر هذه القصة آخرون فليراجعها من أراد (14).

8 ـ ولما مات خالد بن الوليد اجتمع في بيت ميمونة نساء يبكين، فجاء عمر... فكان يضربهن بالدرة، فسقط خمار امرأة منهن، فقالوا: يا أمير المؤمنين خمارها، فقال: دعوها، فلا حرمة لها الخ.. (15).

9 ـ وقد أهدر النبي (ص) دم هبار بن الأسود لما كان منه في حق زينب. وذلك معروف ومشهور.

رابعا: لماذا لا يقبل وجدان هؤلاء أن يكون عمر هو الذي ضربها(ع)، معللين ذلك بأن ضربه لها يوجب لحوق العار به، ثم يقبل وجدانهم أن يلحق العار بقنفذ؟! فكما أن عمر عربي يخاف من العار، فإن قنفذا عربي ويخاف من ذلك أيضا!!.

وكما أن عمر من قبيلة بني عدي، فإن قنفذا أيضا هو من نفس هذه القبيلة، فلماذا تجر الباء هنا ولا تجر هناك يا ترى؟.

لكن المحقق التستري (16) قد ذلك: أن قنفذا تيمي لا عدوي، وأن المراد أنه عدوي الولاء لأنه مولاهم، وسواء كان عدويا أو تيميا فإنه إذا كان ضرب المرأة قبيحا عند العرب، فلا بد أن ينكره الإنسان العربي، ويرفضه سواء صدر من هذا الشخص أو ذاك.. بل إن صدوره من المولى بحق العربية سيواجهه العربي ـ وفقا لمفاهيمهم ـ بحساسية أكبر ورفض أشد.

خامسا: لقد روي عن علي عليه السلام: أنهم لم يصادروا أملاك قنفذ، كما صنعوا بسائر ولاتهم، لأنهم شكروا له ضربته للزهراء(17).

فشكرهم له لكونه قد ضرب امرأة، هي الزهراء عليها السلام، سيدة نساء العاملين، هو الآخر عار عليهم، وهو يدينهم، ويهتك الحجاب عن خفي نواياهم، وعن دخائلهم.

ويظهر أنهم لا يهتمون لهذا العار ولا لغضب الله ورسوله (ص)، بسبب غضب الزهراء(ع)، إذا وجد لديهم داع أقوى، ولا سيما إذا كان هو تحقيق شهوة هي بمستوى حكم العالم الإسلامي بأسره، والحصول على مقام خلافة النبوة، وهو مقام له قداسته وخطره بنظر الناس.

وذلك يبطل أيضا دعوى البعض: أنهم كانوا يجلون فاطمة ويحترمونها ويسعون لرضاها، وما إلى ذلك.

وأما استرضاؤهم لها، فسيأتي أنه كان مناورة سياسية، فاشلة وغير مقبولة..

3 ـ قبول الناس بضرب الزهراء(ع):
أما بالنسبة إلى قول المستدل:

إن الناس لن يوافقوا على التعرض للزهراء(ع) بسوء أو أذى.

فإننا نقول:

أولا: لو صح إن الناس سوف يواجهونهم لو أرادوا بالزهراء (ع) سوءا، فإن محاولتهم إحراق الباب، وجمعهم الحطب، قد كان يجري بمرأى من الناس، وقد امتلأت شوارع المدينة بالناس، كما جاء في بعض النصوص، فلماذا لم يتدخل أحد لمنعهم من ذلك؟!

وثانيا: حين قال فلان للنبي (ص) لما طلب الدواة والكتف ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده: إن النبي ليهجر. لماذا لم يجد أحدا يعترض عليه، ويدينه، أو يلومه، أو يواجهه بما يكره، أو حتى من يعبس في وجهه؟!

ألم يكن النبي (ص) أعظم وأقدس في نفوس الناس من الزهراء(ع)، ومن علي عليه السلام، ومن كل أحد؟!.

وثالثا: لو قبلنا بأن الناس لا يوافقونهم على ذلك، لكن هل كان بوسع الناس وبمقدورهم الإنكار على الحكام الجدد، الذين بدأوا حياتهم السياسية بالعنف وأقاموا حكمهم بقوة السيف؟!.. ألم يكن الناس مغلوبين على أمرهم؟!.

4 ـ احتجاج الزهراء(ع) بما جرى!
وأما بالنسبة للاحتجاج على القوم بما اقترفوه في حق الزهراء عليها السلام فإننا نقول:

أولا: إنه لا تصح مقولة: أن عدم الاحتجاج تلازم عدم وقوع الحدث، إذ أن الحدث يقع ثم تحصل موانع من ممارسة الاحتجاج به أحيانا، وبعبارة أخرى إذا حدث أمر، وشهده الناس وعاينوه، وتحققوه بأنفسهم، فلا تبقى ثمة حاجة إلى ذكره، ولا فائدة من الإخبار به، ولا سيما لمقترف ذلك الجرم نفسه، إلا إذا كان ثمة ضرورة أخرى كإلزامه بالأمر أو ما شاكل.

ثانيا: قد ذكرنا أنها عليها السلام لو جعلت هذا الأمر محور اعتراضها على الغاصبين للخلافة، فإنها تكون قد وقعت في محذور تضييع القضية المحورية الكبرى، وهي قضية الخلافة، لأنهم سوف يتمكنون من أن يصوروا للناس: أن النزاع معها(ع) نزاع شخصي على أمور صغيرة، ولن يعود نزاعا على الدين، أو على من هو أحق بالخلافة، أو على مصلحة الأمة.

وإذا صارت المسألة شخصية، فإن الواجب يفرض على الزهراء (ع) العفو عن المسيئين، حين جاؤا إليها، وطلبوا العفو منها، لأن العفو في الأمور الشخصية مما يفرضه الخلق الإنساني والاسلامي، وقد قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف، واعرض عن الجاهلين}(18)،

وقال: {واعفوا واصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم}(19)، وقال: {فاصفح الصفح الجميل}(20).

إن تحويل النزاع إلى نزاع على أمر شخصي هو أعظم هدية تقدمها الزهراء(ع) إليهم، مع أن القضية ليست شخصية، ولم يرجعوا الحق إلى نصابه، فلم يرجعوا الخلافة إلى صاحبها الشرعي، ولا فعلوا أي شئ يدل على انصياعهم للحق، إذن، فلم يكن من حق الزهراء عليها السلام أن تعفو عنهم، أو أن تهادنهم، وتظهر لهم القبول والرضا.

ثالثا: إنها عليها السلام قد ذكرت ذلك وذكره علي أمير المؤمنين عليه السلام أيضا. فلنلاحظ معا النصوص التي ستأتي في القسم المخصص للنصوص والآثار.

ونشير هنا إلى بعض من ذلك أيضا:

5 ـ احتجاج الزهراء(ع):
روى الديلمي: أنها عليها السلام قالت: " فجمعوا الحطب الجزل على بابنا، وأتوا بالنار ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب، وناشدتهم بالله، وبأبي: أن يكفوا عنا وينصرفوا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ ـ مولى أبي بكر ـ فضرب به عضدي، فالتوى السوط على عضدي، حتى صار كالدملج(21).

وركل الباب برجله، فرده علي وأنا حامل فسقطت لوجهي والنار تسعر، وتسفع وجهي، فضربني بيده، حتى انتثر قرطي من أذني، وجاءني المخاض، فأسقطت محسنا قتيلا بغير جرم " (22).

6 ـ ذكر علي(ع) لهذا الأمر:
وبالنسبة لما روي عن علي عليه السلام نقول:

أولا: روى الصدوق بسنده عن علي عليه السلام، أنه قال: بينا أنا وفاطمة، والحسن، والحسين عند رسول الله (ص) إذ التفت إلينا فبكى، فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟!

قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدها(23).

ثانيا: ثمة حديث آخر يقول: " وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام نحو العالية، فلقيه ثابت بن قيس بن شماس فقال: ما شأنك يا أبا الحسن؟ قال: أرادوا أن يحرقوا علي بيتي، وأبو بكر على المنبر يبايع له، ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره (24).

فهو عليه السلام يشكو ويظهر ما فعلوه معه، بطريقة عرض ما حدث، لا بطريقة الاحتجاج، بحيث يكون ذلك هو محور الأخذ والرد، والجزم والحسم، بل كانت الاحتجاجات تتجه دائما نحو إحقاق الحق في الأمر الأهم، والقضية الكبرى، قضية الانقلاب الذي استهدف الخلافة (التي ترتبط بالواقع الإسلامي كله) على حد تعبير المستدل. وثمة روايات أخرى ستأتي في فصل النصوص والآثار، إن شاء الله.

7 ـ مبررات الاحتجاج غير متوفرة:
أما بالنسبة لتساؤل البعض عن السبب في عدم استفادة علي عليه السلام من هذا الأمر في حجاجه واحتجاجه، مع أن فيه حجة قوية وهامة عليهم، وإثارة عاطفية من جميع الجهات ضدهم على حد تعبير المستدل.

فإننا نقول:

1 ـ لم يكن هذا الأمر خافيا على الناس ليذكره(ع) لهم، ويخبرهم به.

وليس بالضرورة استيعاب جميع الوقائع للاحتجاج بمضمونها لا سيما مع وضوحها وظهورها.

2 ـ لم يكن الموقف يتحمل إثارة، العواطف، بل كان لا بد من المداراة، وتهدئة العواطف الثائرة حتى لا يبلغ السيل الزبى، ويقع في مخالفة أمر رسول الله (ص) له بالسكوت، وعدم المواجهة المسلحة لهم، لما في ذلك من أضعاف للدين، وتهيئة لأجواء الردة عن الإسلام، كما صرح به أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة وغيره.

3 ـ قد تقدم أنه عليه السلام قد ذكر ذلك حين لم يكن ثمة ما يمنع من ذكره، ولكن بطريقة هادئة، لا تجعل الخلافة خلافا على أمر شخصي، يمكن الاعتذار منه، والعفو عنه.

4 ـ إن مخالفتهم لأمر الله ولأمر رسول الله (ص) هي الأهم، والأولى بالتذكير بها، لأنها هي المعيار والمقياس للحق وللباطل، أما الجراح الشخصية، والآلام الروحية فيمكن حل عقدتها ببعض من الكلام المعسول منهم، وبالخضوع الظاهري بإظهار العذر والندم، بحيث يظهر للناس أنه ليس ثمة مبرر للإصرار على إدانتهم. وما ذكر من محاولة استرضائهما لها(ع) قبل وفاتها خير دليل على ذلك.

وسنوضح هذا الأمر في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

8 ـ لم تذكر الزهراء(ع) أبا بكر بما جرى:
وقد تسائل المستدل بكلام كاشف الغطاء عن السبب في عدم ذكرها ما جرى ـ من ضرب وإسقاط الجنين ـ لأبي بكر وعمر، حينما جاءا إليها ليسترضياها.

ونقول في الجواب:

1 ـ إنها لم تذكر أيضا لهما حين جاءا غصب فدك، ولا غصب الخلافة، اللذين أشار إليهما المستدل في سؤاله، وهو نفسه يعتبر غصب الخلافة أعظم من أي جريمة.

2 ـ إن ذكر هذا الأمر لهما لا بد أن يكون له غرض، وداع. ولم يكن غرضها آنئذ يتعلق بالذكر نفسه، بل أرادت إقامة الحجة عليهما بانتزاع إقرار منهما بما سمعاه من أبيها، فرفضت أن تكلمهما قبل هذا الإقرار، ثم سجلت الموقف الحاسم والدائم لها بإدانتهما على مر الأعصار والأزمان، ولم تفسح لهما في المجال لطرح أية قضية أخرى على الإطلاق، ولم تكن جلسة حساب أو عتاب، أو تعداد لما فعلاه معها، لأن ذلك لن يجدي شيئا، فقد يعتذران عن ذلك بأنها كانت فلتة، فرضتها ظروف الهيجان والغضب غير المسؤول، فلم تعطهما عليها السلام الفرصة لذلك، وهذا من بالغ الحكمة، وصواب الرأي منها(ع).


ولأجل ذلك: نجدها عليها السلام تكتفي بإجمال الأمور، وتعرض عن تفاصيلها، فهي تقول: اللهم اشهد أنهما آذياني الخ.. (25)

 

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة: قسم الرسائل (شرح محمد عبده): ج 3 ص 16 ط دار المعرفة، بيروت، لبنان. (*)

(2) راجع: جنة المأوى: ص 81. (*)
(3) راجع المصادر المتقدمة. (*)

(4) راجع: مقتل الحسين، للسيد عبد الرزاق المقرم: ص 389، منشورات قسم الدراسات الإسلامية ـ طهران ـ ايران. (*)

(5) لا حظ جنة المأوى: ص 83 ـ 84 و 78 ـ 81. (*)

(6) الكامل في التاريخ، لابن الأثير: ج 6 ص 99 / 100. تاريخ الطبري: ج 8 ص 205. (*)

(7) سورة التكوير: 8.
(8) جنة المأوى: ص 82.(*) .

(9) الإنسان والحياة: ص 271.
(10) راجع: الإستيعاب (هامش الإصابة): ج 4 ص 330 و 331 و 333 والإصابة: ج 4 ص 334 و 335 والسيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 495 وأسد الغابة: ج 5 ص 481 واليعقوبي: ج 2 ص 28.
(11) السيرة النبوية لابن هشام: ج 1 ص 341، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 300 والسيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 493 المحبر: ص 184.
(12) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 237 و 335، ومستدرك الحاكم: ج 3 ص 190، وصححه وقال الذهبي في تلخيصه المطبوع بهامشه: سنده صالح. ومسند الطيالسي: ص 351، ومجمع الزوائد: ج 3 ص 17. (*)
(13) شرح نهج البلاغة: ج 1 ص 181.
(14) الغدير: ج 6 ص 161 عن كنز العمال: ج 8 ص 119 والإصابة: ج 3 ص 606.
(15) الغدير: ج 6 ص 162. عن كنز العمال: ج 8 ص 118.
(16) راجع: قاموس الرجال: ج 7 ص 393 / 394. (*)

(17) جنة المأوى: ص 84 والبحار: ج 30 ص 302 و 303 وكتاب سليم بن قيس: ج 2 ص 674 و 275 والعوالم: ج 11 ص 413.
(18) سورة الأعراف: 199.
(19) سورة البقرة: 109.
(20) سورة الحجر: 85.

(21) الدملج: حلي يلبس في العضد. محيط المحيط: ص 293.
(22) البحار: ج 8 ط حجرية ص 231 عن إرشاد القلوب وستأتي المصادر في قسم النصوص.

(23) أمالي الصدوق: ص 118 والبحار: ج 28 ص 51 وستأتي المصادر في قسم النصوص.
(24) الأمالي للمفيد: ص 49 / 50. (*)
(25)مأساة الزهراء عليها السلام ج 1 ص 189 - 206

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003