متفرقــــــــات

 

المرجعية الرشيدة

المرجعية الرشيدة: اتجاه واحد

كتب هذا المقال لمناقشة ما جاء في مقال للدكتور حسن سلمان نشرته جريدة السفير البيروتية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأطهار..

وبعد..

إن مشكلتنا في حياتنا الفكرية هي أننا ندعي الدعاوى العريضة، ولكننا حين يبلغ الحق مقطعه نعود لننكمش داخل سجن خصوصياتنا الفردية، ونتقوقع في أعماق ذلك السجن العتيد والفريد.

إننا نقول للناس: لابد من النقد البناء، فإذا جاء النقد البناء اعتبرناه جريمةً لابد من العقاب عليها ـ ولن يكون ذلك العقاب أقل من سحق من ينقدنا إلى درجة الإبادة.

ولا حرج إذا اتهمناه بأنه يعمل لصالح المخابرات الأمريكية أو غيرها، وحين يراد تلطيف الأجواء فلا ضير في أن يقال: إن هذا المسكين ـ بسبب طيبته وسذاجته ـ قد وقع تحت تأثير أجواء مخابراتية من حيث لا يدري.

فإن لم يمكن اتهامه بذلك، فلابد من اتهامه بأنه ينطلق من موقع العقدة بسبب قضية مالية أراد منا مساعدته فيها، ولم نجد مبرراً شرعياً لذلك. أو من موقع الحسد، والقصور عن الوصول إلى الموقع والمقام الذي وصل إليه الآخرون.

وفيما عدا ذلك فهناك تهم كثيرة، وجاهزة. ويمكن توزيعها على الأشخاص، حسب قياساتهم عند الحاجة أما أفعالهم أو أقوالهم الخاطئة أو المتناقضة، فلا بد أن تبقى في موقع القداسة، لا ينالها تغيير ولا تبديل، وهناك الكثير من المبررات الموهونة أو الموهومة الجاهزة.. وعلى الناس أن يصدقوها وأن يتقبلوها بقبول حسن، ومن دون أي نقاش.

وقد كنا نود أن لا نعرض أنفسنا لذلك كله، ولكن وبعد أن طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى، أحببنا أن نجرب حظنا مرة أخرى بمداخلة صغيرة ومحدودة جداً، حول ما يطرحونه من نظريات، حول المرجعية.. واتجاهاتها، فلعل الجمل يلج في سم الخياط، دون أن يصغر الجمل، أو أن يتسع سم الخياط عن حده، وينقلب إلى ضده. فهل تحدث المعجزة، ونسلم من الاتهامات مع أننا نقطع وعداً على أنفسنا أن لا نسمح لأنفسنا بتجاوز الخطوط الحمر في النقد البناء والموضوعي، بل نبقى في حدود نقد الحواشي ولا نتعداها إلى المتون، حيث هناك السرّ المصون والمكنون، الذي لا مجال للإشارة إليه، ولا للدلالة عليه.

إن ما نريده هنا هو فقط تسجيل تحفظ على العموميات والمطلقات التي أوردها في هذا المجال..

ونستطيع أن نلخص فكرتنا وتحفظاتنا في ضمن النقاط الآتية:

قالوا: هناك اتجاهان فيما يرتبط بالمرجعية: قديم، وحديث.

وقد سموا الاتجاه الحديث بالمرجعية الرشيدة، أو الشاملة، والمعاصرة، بكل ما تعنيه هذه الكلمات من حداثة وتجديد وشمولية، ووعي لكل ما يمثله العصر.

واعتبروا فلاناً من الناس، الذي أثارت آراؤه في العقيدة وفي الدين موقفاً حاسماً من مراجع الأمة وعلمائها(1)، اعتبره محبوه على أنه أحد أهم دعاة التيار الثاني، وأحد صانعي هذا الاتجاه، وأنه قد ساهم في وضع أسس هذا الاتجاه مع آية الله السيد الشهيد الصدر منذ الخمسينات.

ثم ميّز ما بين الاتجاهين:

أولاً: بأن الاتجاه القديم التقليدي: يرى أن الأهلية للمرجع تتمثل بمدى تعمّقه بالفقه والأصول، وشؤون العبادة الأخرى.

أما الاتجاه الثاني: فيضيف إلى ذلك الإيمان بقيام المجتمع الإسلامي وضرورة الفهم للعصر الذي يعيشه المرجع. ويكون حاضراً في أية قضية من قضايا الساعة التي تواجه الناس في حياتهم.

وثانياً: إن المرجعية التقليدية تقع على أعباء الفرد، ومجموعة صغيرة تسمي نفسها بالحاشية.

أما الثاني: فينطلق من العمل المؤسساتي للمرجعية. أي بتوسيع نطاق المجموعة التي ترعى شؤون الأمة القيادية، وإعطاء الصلاحيات لأكثر من اتجاه.

وقبل أن نذكر توضيحات لهذا الأمر. نذكّر القارئ بالنقاط التالية:

أولاً: إن من الواضح: أن المرجعية إذا كانت تعني مجرد رجوع الجاهل بالحكم الشرعي إلى أهل الخبرة في الفتوى الشرعية المستنبطة من أدلتها. فهذه الفتوى لا تحتاج إلى مؤسسات، ولا إلى توزيع المسؤوليات القيادية لهذا الاتجاه أو ذاك.

وإذا كانت المرجعية تعني قيادة الأمة، فلم نجد أحداً يدعي: أن هذه المرجعية القائدة لا تحتاج إلى معرفة بالزمان وأهله، وإلى الانفتاح على قضايا الساعة التي تواجه الناس في حياتهم. لاسيما مع وجود النصوص الإسلامية الصحيحة والصريحة الدالة على هذا الأمر.

كما أننا لم نجد أحداً ينكر حاجتها إلى الأجهزة الفاعلة، والمؤسسات الكبيرة الواسعة.

ثانياً: إننا لا ندري متى وكيف أسس الشهيد الصدر مع فلان من الناس للمرجعية الرشيدة. فهل لم تكن قبل هذين الرجلين مرجعيات رشيدة، وقوية، وفاعلة؟!

ألم يكن الشيخ المفيد (رحمه الله) مثلاً، أو السيد البروجردي، أو الميرزا الشيرازي قائداً رشيداً للأمة ؟! وألم يكن السيد الإمام الخميني قائداً رشيداً للأمة، ومنفتحاً على قضاياها ومشاكلها وشؤونها ؟!

وألم يكن يؤمن بالعمل المؤسساتي المنظم ؟!

وألم يكن يحمل همّ الأمة، ويعيش أحداث العصر بوعي وبعمق؟!

ألم يؤسس دولة عتيدة وقوية، ويضع لها دستوراً فريداً ومتميزاً ؟!

ألم يكن هو رائد العمل المؤسساتي في هذا العصر؟!

ألم يطلب من كل أقاربه، حتى من أولاده الذين كانوا يملكون كفاءات عالية في إدارة الأمور، أن لا يتدخلوا في شيء من شؤون الدولة؟

أم أنه أخذ نظام المرجعية الرشيدة من هذا الشخص، أو ذاك؟! ومتى؟ وكيف؟

وهل مؤسسات فلان أعظم من مؤسسات السيد موسى الصدر، والسيد الإمام الخميني، والسيد الحكيم، والسيد الخوئي. والبروجردي، والكلبايكاني وغيرهم ممن امتدت مؤسساتهم إلى كثير من بلدان العالم، وهي مؤسسات متنوعة المقاصد والاتجاهات؟!

أليست المؤسسات التي أنشأها فلان قد كانت أساساً راجعة في تمويل إنشائها، وفي كل حركتها إلى الإمام الخميني، والسيد الخوئي وغيرهما من المراجع العظام، الذين كان وكيلاً لبعضهم بقبض الحقوق، وصرفها في مواردها التي يقررها له هؤلاء المراجع؟‍‍

وكيف ترعى مؤسسات فلان شؤون الأمة ككل؟! وأين ؟!

ثالثاً: بالنسبة لحاشية المرجع، نتساءل: هل هؤلاء الأفراد الذين يستعين بهم المرجع في إدارة الأمور، هم الذين أطلقوا على أنفسهم اسم: [الحاشية]؟! أم أن غيرهم هو الذي يطلق عليهم هذه التسمية؟!..

وهل أصبح الجهاز العامل عند فلان أكبر من حاشية أي مرجع آخر وأوسع؟! وهل الجهاز الذي يدير الشؤون عنده يتعدى حدود أفراد جمعية.. من الجمعيات ؟!

والسؤال الأهم هو: هل إن مختلف الشؤون والصلاحيات قد أعطيت عند فلان لفئات أخرى غير مجموعة الأبناء والأخوة والأصهار، الصغيرة؟!

وهل هناك أية صلاحيات مطلقة للآخرين، لا تخضع لهيمنة وقرارات هؤلاء الأفرع الثلاثة ؟!

وهل روعيت مواصفات معينة في اختيار هؤلاء للهيمنة على الشؤون؟!. وهل روعيت الشمولية وغيرها من أمور؟!

رابعاً: وفي الخمسينات كان فلان!! في مقتبل شبابه حيث إنه إنما ولد في سنة 1935م وغادر النجف في سنة 1966.

فهل كان موقعه العلمي في الخمسينات يسمح له بالتأسيس للمرجعية؟! مع أنه كان لا يزال طالباً، كمئات غيره من الطلاب الآخرين؟!

سواء أكان التأسيس منه بالاستقلال أم كان بالاشتراك مع الآخرين، من أمثال آية الله الشهيد الصدر، وحتى لو كان في الستينات، فهل يمكن أن نتصوره مؤسساً للمرجعية في بلد كان مليئاً بالأفذاذ من العلماء، وبالفلاسفة، والمحققين ؟! وبالمراجع الكبار؟‍

2 ـ أما قول البعض:

إن فلان، هو صاحب مشروع أو فكرة المرجعية الشمولية..

فلا ندري كيف عرف حفظه الله أن فلاناً!! بالذات هو صاحب هذه الفكرة دون سواه؟

ولماذا لا يكون صاحبها هو آية الله السيد الشهيد الصدر، حيث خفي علينا الفرق بين المرجعية الرشيدة التي يطرحها الشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه، وبين المرجعية التي يطرحها فلان: مع علمنا بأن آية الله الشهيد الصدر كان هو الطليعة الرائدة، وكان أكبر سناً، وأسبق طرحاً لهذا الموضوع فيما يظهر مما بأيدينا من معطيات..

بل لماذا لا يكون آية الله العظمى الإمام الخميني هو صاحب هذه الفكرة ورائدها، كما يظهر من كل مواقفه، وأقواله؟!

بل لماذا لا يكون السيد القائد الخامنه ئي هو صاحب هذه الفكرة.

ولماذا لا يكون صاحب هذه الفكرة هو شخص آخر من مراجعنا الأفذاذ، الذين تصدوا لقضايا الأمة الكبرى والحساسة قبل هؤلاء جميعاً، من أمثال صاحب الموقف الرائد العظيم الميرزا الشيرازي، الذي أفتى بتحريم التنباك، فأفشل بذلك المخطط الاستعماري البغيض.

ومن أمثال مرجع الشيعة في بلاد الشام: الشيخ عبد الله نعمة، الذي دفع السوء عن النصارى وردّ عنهم حينما استجاروا به في سنة 1860م. وقد كان لهذا الحدث العظيم أثر هام في بلاد الشام، وقد ذكر المؤرخون تفاصيله الهامة والمثيرة.

ومن أمثال مراجعنا العظام، ومن معهم من العلماء الأعلام، في قيادتهم لثورة سنة 1920م في العراق ضد الاستعمار.

وكذلك العلماء الذين حاربوا الروس دفاعاً عن الأمة في إيران، وعلى رأسهم السيد محمد الطباطبائي الذي لقب لأجل ذلك بالمجاهد.

هذا فضلاً عن العلماء والمراجع الذين عاشوا قضية الحكم، وخاضوا صراعاً حاداً عرف باسم «صراع المشروطة والاستبداد في إيران».

3 ـ وبعد ما تقدم، فهل يمكن، أو على الأقل هل من مبرر لأن يقول أحد من الناس عن المرجعيات التقليدية [حسب اصطلاحهم]: إنها تنطلق من الحاجات الصغيرة، وإذا انطلقت في بعض العناوين الكبيرة ؛ فإنها تشبه أن تكون قفزة في الفراغ، ويعزي ذلك إلى عدم وجود الجهاز بالمستوى الذي يلاحق فيه حركة الواقع الذي أفرزته الفتوى أو الموقف.

ونقول:

هل كانت ثورة العشرين، ودولة الإسلام في إيران، بكل منجزاتها ومؤسساتها، وكذلك كل جهود ومؤسسات السيد الحكيم، والإمام الخميني، والسيد الخوئي، والبروجردي، والكلبايكاني، في الداخل والخارج، وجهاد وجهود السيد القائد الخامنه ئي ـ هل كانت هذه كلها وسواها ـ بمثابة قفزة في الفراغ، ومنطلقة من الحاجات الصغيرة؟!

وهل ما قام به الشيخ موسى كاشف الغطاء من الصلح بين الدولتين العراق وإيران، حتى سمي بـ «المصلح بين الدولتين» قد كان قفزة في الفراغ، ومن خلال أنه يعيش القضايا الصغيرة ؟!

وكذلك الحال بالنسبة للسيد أسد الله الشفتي، الذي جرّ الماء من الفرات إلى النجف الأشرف متمماً بذلك ما شرع به صاحب الجواهر (رحمه الله)، فهل كان هو وصاحب الجواهر يعيشان الحاجات الصغيرة؟!

وهل السيد الشفتي الملقب بـ «حجة الإسلام» الذي كان حاكماً في أصفهان، ويقيم بها حدود الله وأحكامه بصلابة وحزم، هل كان هو الآخر لا يحمل هموم الأمة، ولا يعيش قضاياها، وإنما ينطلق من الحاجات الصغيرة، ويمارس القفز في الفراغ؟

ولم يكن لديه جهاز يلاحق القضايا الكبيرة؟!.

هذا كله عدا عن تصدي الشيخ جعفر كاشف الغطاء لمتابعة شؤون الحرب، التي شنها الأعداء على إيران، مصدراً تعليماته بذلك للشاه القاجاري لإيران من موقع ولاية الفقيه، حسبما جاء في كتابه كشف الغطاء.

ألم يبنِ المراجع في إيران وغيرها: المدارس، والمستشفيات، والمستوصفات، وحتى الجسور الكثيرة الكبرى، وغير ذلك، إلى جانب المؤسسات، الإعلامية، والجمعيات الخيرية وغيرها.

ولنفترض أن فلاناً!! قد عاش في ظل حكم الشاه المقبور، أو أي طاغوت آخر، فهل كان سيجد نفسه قادراً على إنشاء المؤسسات ـ كمبرة الإمام الخوئي، وإذاعة البشائر، وغير ذلك من مؤسسات خيرية، ساهم المراجع العظام في تمويلها بصورة رئيسية، أو بصورة تامة.

وهل سيكون قادراً على أن يمارس حريته في التعبير عن رأيه السياسي بوضوح؟

أم أن للبنان خصوصيته الفريدة، التي سبقه للاستفادة منها سماحة الإمام السيد موسى الصدر، الذي كان له الفضل في إطلاق المؤسسات الكبرى والمتنوعة في هذا البلد لبنان، وكذلك الحال بالنسبة لجهود علماء آخرين غير السيد الصدر أيضاً.

أم أن كل هؤلاء وأولئك قد قاموا بقفزة في الفراغ، وينطلقون من الحاجات الصغيرة، ولم يكن لديهم جهاز يلاحق حركة الواقع.

وهل لدى فلان!! الآن جهاز بالمستوى الذي يلاحق فيه حركة الواقع؟. وأين هو هذا الجهاز؟!

4 ـ أما ما قاله فلان!! عن المرجعية الرشيدة: إنها سوف تكون في واجهة الأحداث، تصنع الأحداث، لا تركض خلف الساحات، ولا تمارس أفعالاً كردات فعل، كما كانت في السابق.

فنقول فيه: إنه وإن كان يكفينا في التعليق على هذه الفقرة ما ذكرناه آنفاً، لكننا آثرنا أن نعود فنذكّر، بأن الإمام الخميني (رحمه الله) لم يكن يركض خلف الساحات، ليمارس أفعالاً كردات فعل.

والسيد الحكيم لم يكن كذلك أيضاً.

والشيخ الميرزا الشيرازي في فتواه الشهيرة لم يكن كذلك أيضاً.

وثورة العشرين هي الآخرى لا ينطبق عليها هذا التقييم.

وعلماؤنا الذين نشروا الدين من موقع مرجعيتهم في الدولة الصفوية وقبلها في دولة (سربداران)، وفي كثير من المواقع الحساسة في التاريخ القديم والحديث، لم يكونوا كذلك أيضاً.

ولنفترض: أن المرجعية كانت محاصرة بالطاغوت، كما كان الحال في عهد الشهيد الصدر، والسيد الخوئي. والسيد الحكيم، وكما في عهد الشاه في إيران، فكيف يرى دورها فلان؟!

ولو ابتلي هو نفسه بهذا الطاغوت، فكيف سيكون موقفه يا ترى، فهل سنبقى دائماً نسمعه يتحدث بنفس الأسلوب التحريضي الحاد، وبنفس المستوى من التحدي، وإطلاق الشعارات؟! أم أن كل شيء سيتغير؟! ويصبح ذلك الإنسان العقلاني، الهادئ.. الذي يتظاهر بأنه مشغول بأمور أخرى يصور للناس بأنها أساسية وهامة؟!

وهل سيكون قادراً على الاستمرار بكل خططه المؤسساتية، بنفس الحدة والشدة؟

5 ـ أما ما يقولونه، من أن: «ساحة المرجعية الشيعية بالخصوص مازالت قلقة تعيش قيادات أخرى غير ما هو مطروح بالفعل من قبل قم أو النجف. لكن التعقيدات الموجودة والتي يلمسها ويعرفها الجميع تمنع أن يطرح هذا الاسم أو ذاك».

أما هذا فهو يدفعنا لسؤال هؤلاء عن ذلك الرجل الفذ القادر على أن يكون هو التجسيد الحقيقي للمرجعية الرشيدة ذات الاتجاه الحديث، الذي تمنع التعقيدات من ذكر اسمه؟!

فهل ثمة أسماء لا تزال مجهولة لم يطرحها أهل الخبرة بالعلماء؟!، أو لم تطرح هي نفسها رغم عدم شهادة أحد من أهل الخبرة لها؟!

والذي نريد التذكير به هنا هو أن هؤلاء إما يحاولون تسويق دعوى ـ قد أثبتنا بطلانها ـ هي أن رائد فكرة المرجعية الحديثة والشاملة والمعاصرة، هو فلان، الذي يوافقهم في اتجاهاتهم، التي تعاني الكثير من الإشكالات في نواح عقيدية وإيمانية وأحكامية و.. إذ إنهم يرون أن التسويق له سيجعل لهم نصيباً في هذا الأمر، ولكنهم يتناسون أن نفس هذا الذي ينحلونه هذا الأمر، قد كان إلى الأمس القريب يطرح مرجعيات الآخرين، كالسيد السيستاني، والسيد الكلبايكاني، والسبزواري، والسيد الخوئي. وغيرهم، مع أنه لا يرى فيهم مؤهلات المرجعية الحديثة والمعاصرة.

ولكنه لا يطرح مرجعية السيد الخامنه ئي، مع أنه يشهد له بالحداثة والمعاصرة، فما هذا الاضطراب في المواقف والممارسات؟!.

ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأن من الجائز أن يكون في نظره ليس هو الأعلم.

نعم، لا يصح هذا الاعتذار، لأن هذا البعض نفسه، لا يشترط الأعلمية في المرجع. مع أن السيد الخامنه ئي يستطيع بحكم قدراته وموقعه، والإمكانات المتوفرة لديه أن ينطلق بالمرجعية المؤسساتية إلى أقصى مدى ممكن. حسب تعابير هؤلاء..

وقد زاد هذا البعض في الطنبور نغمة، أنه حين بدأ بالدعوة إلى مرجعية نفسه قد رجح إسقاط اشتراط شهادة أهل الخبرة بالاجتهاد، والأهلية للتقليد، والأعلمية. مع اتفاق العلماء على أنه لابد من شهادة الآخرين من أهل الخبرة بذلك كله. كما أن شهادة الإنسان لنفسه لا تكفي ولا تجدي، مهما كان مأموناً وموثوقاً لدى الناس.

وأما حديث هؤلاء الناس عن الخوف من طرح بعض الأسماء فهو مما يضحك الثكلى !! فهل بقي اسم لطامح أو طامع لم يطرح على الساحة؟! حتى إنك لتجد أن فلاناً (!!) الذي صرح أفذاذ المجتهدين، ومنهم آية الله العظمى الشيخ التبريزي، بعدم اجتهاده، ومنهم آية الله السيد كاظم الحائري، الذي يعرفه أكثر من أي شخص آخر..

بل إن من المصرحين بأنهم يشكّون في أصل اجتهاده الشيخ النوري الذي كان في البداية مناصراً له، ثم ظهر له عدم صحة موقفه هذا، فتراجع عنه..

ويبقى لنا سؤال هنا، وهو: من أي شيء يخاف الناس، حتى لا يستطيعون الجهر بالاسم السحري، الذي لا يزال سرياً، ومغموراً ومستوراً؟!

وهل لمن يهمسون ويجهرون بذلك: أن يذكروا لنا طرفاً من هذه التعقيدات المانعة والرادعة؟!

6 ـ ويستوقفنا أخيراً قول هؤلاء: «إن الأمور لو تركت إلى الناس أنفسهم لاختاروا من بين الأسماء الكثيرة المطروحة على الساحة خياراً توفيقياً عملياً، هو مجلس شورى بين الفقهاء والعلماء، يملأ الفراغ الحاصل في ساحة المرجعية. ولكان فلان(!!) ألمع الأسماء المطروحة ضمن هذا الاتجاه.

وعلى كلٍ، فإن القرار النهائي والفعلي سوف يعود إلى الناس، ولو بعد حين».

ونقول لهؤلاء:

لا ندري من الذي يقيد الناس، ويمنعهم من اختيار شخص أو أشخاص ليكونوا مجلس شورى للمرجعية ؟!

إلا أن يكون هو حاجز الدين، والالتزام بالحكم الشرعي، الذي يجعل الإنسان التقي والعاقل. يعرف حده فيقف عنده، فليست القضية هي قضية عدد من رؤوس الباذنجان أو البطيخ، يختارها الناس، أو لا يختارونها.. إنها قضية الدين وبراءة الذمة، وقضية الأمة في التزامها بأحكام الله، وسيرها في الخط الصحيح والصريح..

وكما أنه ليس من حق السائق، والحداد والبقال: أن يعطي شهادة جامعية في الطب، أو في الفيزياء لهذا الشخص أو ذاك. فإنه لا يحق له أيضاً أن يعطي وسام جدارة واستحقاق لمقام المرجعية، من خلال معرفته كحداد أو صائغ، أو سائق، أو بقال, ولا أن يعين لنا الأعلم بأمور الشريعة، والأعرف بشؤون الأمة، الحائز على كل المواصفات والمؤهلات القيادية اللازمة، من تقوى وورع، وحزم، وشجاعة، ووعي، وغير ذلك مما لا بد من توفره في من يتصدى لهذا الأمر الخطير.. بصورة مميزة، وجامعة، وفريدة.

ومتى كان للناس الذين لا يملكون الخبرات الكافية في مجالات الفقه والأصول والرجال والحديث و.. متى كان لهم القرار النهائي في شأن المرجعية، وشوراها؟!

وهل سأل الناس أهل الخبرة ـ ولم يجيبوهم ـ عن الأعلم، والأتقى، والأورع، الجامع لكل المواصفات اللازمة للقيادة وللمرجعية الشاملة، ليتولوا هم هذه المهمة دونهم؟! ـ أوهل سألوهم عنه، ودلوهم عليه ليمكنهم أن يمنحوه منصب المرجعية، أو على الأقل العضوية في شوراها؟!

هل سألوهم عنه، كما يسألون الأطباء الثقات والمتمرسين عن الطبيب الأمين الحاذق، القادر على نجاة ولدهم من مرضٍ خطير، قد يؤدي أدنى خطأ في معالجته إلى كارثة حقيقية، تؤثر على حاضره وعلى مستقبله ومصيره؟!.

وثمة كلام واسع حول جدوى شورى الفقهاء في حل المشكلة من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

الناحية الشرعية، حين يكون رأي أكثرية أفراد الشورى يختلف مع رأي الأعلم إذا كان بينهم، وكان إلى جانبه أقلية لا تحسم الأمر لصالح الأخذ به، من حيث عدد الأصوات.

فهل ثمة من مبرر شرعي للأخذ برأي غير الأعلم لمجرد كثرة الأصوات إلى جانبه، وترك رأي الأعلم الذي لم يوفق إلى ذلك؟!.

وهل شورى الفقهاء هي الحل الأمثل في قضايا الاجتهاد والتقليد، وفي قيادة الأمة وهدايتها؟!.. بغض النظر عن الأبعاد والأهداف الداعية إلى طرح كهذا، وبغض النظر عن سلبياته من حيث إنه يفسح المجال أمام أصحاب الطموحات، ويخضع أمر الانتخاب إلى معايير وضوابط ليس من المفروض أن يكون لها دور في مجالات كهذه.

وبعد.. فإننا نستميح جميع الأخوة الذين يعيشون تحت تأثير هاتيكم الشعارات، العذر على هذه المداخلة (المداعبة الفكرية) التي يفترض فيهم أن يتقبلوها من موقع الحب والرضا.

والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطاهرين. (2)

ـــــــــــــــ

(1) وسوف نعبر عن هذا البعض بكلمة «فلان» في سائر الموارد في هذه المقالة، فليلاحظ ذلك.

(2) من كتاب " مقالات.. ودراسات " آية الله المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي .

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ ضلال نت - 2003